في آية سورة الإسراء:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ١.
مطلب: في معنى الآية الأولى وصلتها بآية التسبيح:
- قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ متصّل بقوله تعالى قبله ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ٢.
ووجه الصلة أنّه عَوْدٌ وتتمّة في الردّ على المشركين عبّاد الأصنام وإبطال تعدّد آلهتهم طلبًا لاستئصال عقائدهم من جذورها٣.
- والمخاطب -في الآية - بالأمر بالقول هو النبي ﷺ وذلك لدمغهم بالحجة المقنعة والبرهان الجليّ بفساد قولهم. وافتتاحها به اهتمامًا بها وتحضيضًا لهذا الأمر بالتبليغ؛ وإن كان جميع القرآن مأمورًا ﷺ بتبليغه٤.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: الآيتان (٤٢-٤٣) وقرأ ابن كثير وحفص على الغيبة (كما يقولون)، وقرأ الباقون بالخطاب (كما تقولون) . وقرأ حمزة والكسائي وخلف على الخطاب في (عما تقولون) . وقرأ الباقون على الغيبة أي (عما يقولون) . (انظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري ج٢ ص٣٠٧) . ٢ سورة الإسراء: الآية (٣٩) . ٣ انظر: تفسير القرطبي ج١٠ ص٢٦٥؛ تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ج١٥ ص١١٠. ٤ انظر: تفسير القرطبي ج١٠ ص٢٦٥؛ تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ج١٥ ص١١٠.
[ ٣١ ]
- ثمّ إنّ قوله تعالى: ﴿كَمَا يَقُولُونَ﴾ جملة معترضة، ويراد منها التنبيه والإشارة إلى أنّ تعدّد الآلهة لا تحقّق له وإنّما هو مجرد قول لا أساس له من الصّحة والواقع١.
- ويأتي من بعدُ الجوابُ على ما افترض وجوده بقوله: ﴿إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾، فـ (إذًا) تدلّ على الجواب والجزاء وتؤكّد معناهما الذي دلّت عليه اللام المقترنة بجواب (لو) الامتناعية الدالّة على امتناع حصول جوابها لأجل امتناع وقوع شرطها. وبهذه الإجابة يكون الاستدلال على انتفاء إلهية الأصنام والملائكة الذين جعلوهم آلهةمع الله تعالى٢.
وهذا الاستدلال يحتمل معنيين ذكرهما المفسرون، وما دام أنّ كليهما يؤديان إلى غاية الاستدلال، فلا مانع من إبانتهما زيادة في الحجة والبرهان وهما على ما يلي:
المعنى الأول: وهو الذي ذهب إليه عمدة المفسرين ابن جرير الطبري٣ وتبعه فيه ابن كثير٤ (رحمهما الله) وحاصله أنّه لو كان الأمر كما يزعمون من
_________________
(١) ١ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج١٥ ص١١٠. ٢ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج١٥ ص١١٠_١١١. ٣ هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر: المؤرخ المفسر الإمام، ولد في آمل طبرستان عام ٢٢٤هـ واستوطن بغداد وتوفي بها عام ٣١٠هـ، عرض عليه القضاء فامتنع والمظالم فأبى، من أشهر مؤلفاته: أخبار الرسل والملوك، جامع البيان في تفسير القرآن، اختلاف الفقهاء (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ج٢ ص٣٥١؛ البداية والنهاية لابن كثير ج١١ص١٥٦-١٥٨؛ لسان الميزان لابن حجر ج٥ ص١٠٠-١٠٣؛ سير أعلام النبلاء للذهبي ج١٤ ص٢٦٧ –٢٨٢؛ الأعلام للزركلي ج٦ ص٦٩) . ٤ هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوّ بن درع القرشي البصروي ثمّ الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين: حافظ مؤرخ ومفسر وفقيه. ولد في قرية من أعمال بصرى الشام عام ٧٠١هـ، وانتقل مع أخ له إلى دمشق عام ٧٠٦ هـ، ورحل في طلب العلم وتوفي في دمشق عام ٧٧٤هـ. من أشهر مؤلفاته: البداية والنهاية، تفسير القرآن العظيم، الباعث الحثيث إلى معرفة علوم الحديث، الفصول في اختصار سيرة الرسول. (انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامن لابن حجر ج١ ص٣٧١؛ النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ج٩ ص٢٩٢؛ طبقات الشافعية للسبكي ج٦ ص٨٤؛ الأعلام للزركلي ج١ ص٣٢٠) .
[ ٣٢ ]
أنّ مع الله آلهة أخرى إذًا لابتغت تلك الآلهة سبيل القربة منه والتمست الزلفة لديه والمرتبة عنده لأنهم دونه؛ وهم قد اعتقدوا أنّها تقربهم إلى الله زلفى؛ فإذا علموا أنّ هذه الآلهة هي ذاتها محتاجة إلى الله تعالى؛ فقد بطل بذلك أنّها آلهة١ وفي هذا المعنى يقول ابن كثير: "لو كان الأمر كما يقولون وأنّ معه آلهة تُعبد لتقرب إليه وتشفع عنده لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه.."٢.
المعنى الثاني: أن يكون المراد بالسبيل طريق السعي إلى الغلبة والقهر، أي لطلبوا مغالبة الله ذي العرش. ووجه هذا المعنى أنّ من شأن أهل السلطان أن يسعوا لتوسعة ملكهم وسلطانهم؛ ويكون ذلك بمغالبة ومقاتلة ومنازعة غيرهم من السلاطين والملوك، فلو كان مع الله آلهة لسلكوا عادة أمثالهم. وتمام هذا الدليل محذوف للإيجاز، ويدلّ عليه ما تستلزمه المغالبة والمدافعة من اختلال العالم وفساده لانشغال مديريه بمقاتلة بعضهم بعضًا. وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين٣.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري ج١٥ ص٦٤؛ تفسير القرطبي ج١٠ ص٢٦٦. ٢ تفسير ابن كثير: ج٣ ص٤١. ٣ انظر: تفسير البغوي ج٣ ص١١٦؛ تفسير القرطبي ج١٠ ص٢٦٥؛ تفسير أبو السعود ج٥ ص١٧٤؛ تفسير الخازن ج٤ ص١٦١؛ تفسير الألوسي ج٥ ص٨٢_٨٣؛ تفسير زاد المسير ج٥ ص٣٨؛ تفسير محاسن التأويل للقاسمي ج١٠ ص٢٣١؛ تفسير فتح القدير للشوكاني ج ٣ ص٢٣٦؛ تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ج١٥ ص١١١؛ أضواء البيان للشنقيطي ج٣ ص٥٩٤.
[ ٣٣ ]
لطيفة: إنّ في استحضار الذات العليّة بوصف ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾ دون اسمه العلم لما تتضمّنه الإضافة إلى العرش من الشأن الجليل الذي هو مطمع الآلهة في ابتغاء القربة والزلفى من سعة ما عنده تعالى على المعنى الأول، أو الذي هو مثار حسد الآلهة إياه وطمعهم في انتزاع ملكه تعالى على المعنى الثاني١.
مطلب: في بيان آية التسبيح وغايته:
- لمّا أقام الله - ﷿ - الدليل القاطع على كونه منزهًا عن الشركاء؛ وعلى أنّ القول بإثبات الآلهةقول باطل، أتبعه بما يدلّ ويؤكِّد على تنزيهه عن هذا القول وتلكم الفرية والبهتان فقال منزهًا ذاته وممجّدها ومقدّسها عمّا لا يليق بها ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ٢.
- ولم يقتصر التنزيه على لفظة ﴿سُبْحَانَهُ﴾ وإن كانت تؤدي إلى المعنى المراد؛ ولكنّما جيء بعدها بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا٣ كَبِيرًا﴾، وذلك لمزيد التأكيد لمعنى تنزيه الله ﷿ عن قولتهم الشنيعة في حقِّه العظيم وشأنه الجليل.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: ج١٥ ص١١٢. ٢ انظر: تفسير الطبري ج١٥ ص٦٥؛ تفسير القرطبي ج١٠ ص٢٦٦؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٠ ص٢١٧؛ تفسير ابن كثير ج٣ ص٤١؛ تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ج ١٥ ص١١٣. (علوًا) مفعول مطلق عامله (تعالى) جيء به على غير قياس فعله للدلالة على أنّ التعالي هو الاتصاف بالعلوّ بحقّ لا بمجرد الادّعاء (التحرير والتنوير لابن عاشور ج١٥ ص١١٣) .
[ ٣٤ ]
ومبالغة في النزاهة -أيضًا- وصف العلّو بالكبر؛ وليدلّ على أنّ المنافاة بين ذاته وصفاته - ﷿- وبين نسبة الشريك له بلغت في القوة والكمال بحيث لا يشوبها شيء من جنس ما نسبوه إليه١ والمعنى: أي تعاظم عن ذلك -تعالى- تعاظمًا كبيرًا غاية في الكمال لايشوبه شيء من جنس ما نُسب إليه، فإنّ مثل هذه الفرية والبهتان ممّا يتنزه ويترفع عنه مقامه الأسمى٢.
لطيفة: ذكر صاحب محاسن التأويل (القاسمي) ٣ لطيفة بلاغية ههنا فقال: "قال الشهاب: وذِكْرُ العلّو بعد عنوانه بـ (ذي العرش) -في الآية قبلها- في أعلىمراتب البلاغة"٤.
مطلب: في فائدة ذكر تسبيح السموات والأرض ومن فيهن بعد تسبيح الله ذاته:
- بعد تنزيه الله تعالى ذاته العليّة من تلك الفرية الزريّة يذكر سبحانه تسبيح السموات والأرض ومن فيهنّ له بقوله: ﴿تُسَبِّحُ٥ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ
_________________
(١) ١ انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٠ ص٢١٧؛ فتح القدير للشوكاني ج٣ ص٢٣٦؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج١٥ ص١١٣. ٢ انظر: محاسن التأويل للقاسمي ج١٠ ص٢٣٢. ٣ هو جمال الدين أو محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق، من سلالة الحسين بن علي ﵁ إمام الشام في عصره علمًا بالدين وتضلعًا من فنون الأدب، مولده ووفاته في دمشق. رحل إلى مصر، وزار المدينة. له مؤلفات أشهرها: محاسن التأويل في التفسير موعظة المؤمنين. ولد عام ١٢٨٣؟ وتوفي عام ١٣٣٢؟. (انظر: الأعلام للزركلي ج٢ ص١٣٥) . ٤ محاسن التأويل للقاسمي ج١٠ ص٢٣٢. ٥ قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف (تسبح) بتاء جماعة المؤنث، وقرأ الباقون (يسبح) [انظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري ج ٢ ص٣٠٧] .
[ ٣٥ ]
وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ١.
وفي ذكره لهذه الحقيقة العظيمة شهادة بصحة وقوة ما أورده الله من الاستدلال على ألوهيته ووحدانيته؛ فالعوالم كلّها علويّها وسفليّها تقدّسه وتنزهه وتعظمه عمّا يقوله هؤلاء المشركون وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وألوهيته٢. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإيراد التسبيح لكل العوالم ههنا - فيه إنكار شديد على هؤلاء المشركين القائلين بما لا يليق به سبحانه. وفي هذا يقول الطبري: " أي تنزهه السموات والأرض ومن فيهن أيها المشركون عمّا وصفتموه به إعظامًا له وإجلالًا، وأنتم مع إنعامه عليكم وجميل أياديه عندكم تفترون عليه بما تفترون!! "٣.
ويدلّ على هذا الوجه ويؤيده ختام الآية بقوله ﷿ ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ إذ فيه تعريض بأنّ مقالتهم تقتضي تعجيل العقاب لهم في الدنيا؛ ولكنّ الله عاملهم بحلمه وإمهاله، وفيه أيضًا تعريض لهم بالحث على الإقلاع عن شركهم وكفرهم ليغفر الله لهم٤.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: الآية (٤٤) . ٢ انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٠ ص٢١٧؛ تفسير ابن كثير ج٣ ص٤١؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٠ ص٢٣٢. ٣ تفسير ابن جرير الطبري: ج١٥ ص٦٥. ٤ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج١٥ ص١١٥؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٠ص٢٣٥.
[ ٣٦ ]