في آية سورة الأنعام:
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ i.
مطلب: في بيان موضع التسبيح وغايته:
- الشاهد في آية التسبيح -ههنا- قوله تعالى حكاية وإخبارًا عن المشركين: ﴿وَخَرَقُوا ii لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ومعنى: ﴿خَرَقُوا﴾ أي اختلقوا وافتعلوا وكذبوا على الله تعالى. ومنه يقال: اختلق الإفك واخترقه وخرقه. أو أصله من: خرق الثوب: إذا شقّه، أي اشتقوا له بنين وبنات iii.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي بحقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب، بل رميًا بقول عن عَمى وجهالة وضلالة من غير فكر ولا رَوِيَّة. أو بغير علم بمرتبة ما قالوه وأنّه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره iv.
- وبعد أن أخبر الله عمّا نسبه إليه المشركون من الولد نزه الله ذاته العليّة عمّا نسبوه له ووصفوه به فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُون﴾ .
قال أبو السعود: " ﴿سُبْحَانَهُ﴾ استئناف مسوق لتنزيهه ﷿ عمّا
_________________
(١) i سورة الأنعام: الآيتان (١٠٠-١٠١) . ii قرأ الجمهور ﴿خَرَقُوا﴾ بتخفيف الراء، وقرأ نافع وأبو جعفر ﴿وخرّقوا﴾ بالتشديد على التكثير. (انظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري ج٢ ص٢٦١) . iii انظر: فتح القدير للشوكاني ج٢ ص١٥٣. iv انظر: تفسير أبي السعود ج٣ ص١٦٨.
[ ٧٦ ]
نسبوه إليه"i.
مطلب: في بيان الآية بعد التسبيح:
جاءت الآية بعد التسبيح بأربعة استدلالات تنزه الله عن الولد فهي بمثابة التعليل للتنزيه.
- أما الاستدلال الأول فقد سبق الحديث عنه في المبحث الأول آية سورة البقرة وهو ما حواه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وأضاف البيضاوي ii في تفسيره وجهًا آخر للاستدلال من هذه الجملة الكريمة حيث قال: "أنّه من مبدعاته السموات والأرض وهي مع أنّها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها وطول مدّتها فهو أولى بأن يتعالى عنها"iii.
- والاستدلال الثاني يؤخذ من الجملة الثانية في الآية وهي قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ وابتدأت هذه الجملة باستفهام ليفيد الإنكار لقول المشركين؛ والاستبعاد والاستحالة لاتخاذه ولدًا. أي كيف يكون له ولد ولم تكن له صاحبة؟! فقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ حال مؤكِّدة للاستحالة
_________________
(١) i تفسير أبي السعود: ج٣ ص١٦٨. ii هو عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي أبو سعيد، أو أبو الخير، ناصر الدين البيضاوي: قاضي، مفسر، علامة، ولد في المدينة البيضاء (بفارس قرب شيراز)، وولي قضاء شيراز مدّة ثم صرف عن القضاء، فرحل إلى تبريز فتوفي بها عام ٦٨٥هـ، من أشهر مؤلفاته: أنوار التنزيل وأسرار التأويل وهو تفسيره وطوالع الأنوار في التوحيد، ومنهاج الوصول إلى علم الأصول. انظر: (البداية والنهاية لابن كثير ج١٣ص٣٢٧؛ بغية الوعاة ص٢٨٦؛ طبقات الشافعية للسبكي ج٥ ص٥٩؛ الأعلام للزركلي: ج٤ ص١١٠) . iii تفسير البيضاوي: ج٢ ص٢٠١.
[ ٧٧ ]
المذكورة في الاستفهام فإنّ انتفاء أن يكون له تعالى صاحبة مستلزم لانتفاء أن يكون له ولد ضرورة استحالة وجود الولد بلا والدة؛ وإن أمكن وجوده بلا والد، وانتفاء الأول ممّا لا ريب فيه لأحد؛ فمن ضرورته انتفاء الثاني. وذلك أنّ الولد إنّما يكون متولِّدًا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه. فيستحيل أن يكون له صاحبة، والصاحبة إذا لم توجد استحال وجود الولد i.
- والاستدلال الثالث هو في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ فهذه الجملة الكريمة إمّا جملة مستأنفة أخرى سيقت لتحقيق ما ذكر من الاستحالة أو حال أخرى مقررّة لها، وذلك لأنّ من كان خالقًا لكل شيء استحال منه أن يتخِّذ بعض مخلوقاته ولدًا، وكيف يُتَصَوّر أن يكون المخلوق ولدًا لخالقه؟! ii.
- وأمّا الاستدلال الرابع على انتفاء الولد لله تعالى فهو ما جاء في خاتمة الآية بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إذ إنّ هذه الخاتمة استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة ببطلان مقالتهم الشنعاء التي اجترءوا عليها بغير علم، وبيان الاستدلال ههنا أن علمه تعالى بكل شيء ذاتي له، ولا يعلم كل شيء إلاّ الخالق لكل شيء، ولو كان له ولد لكان هو أعلم به ولهدى العقول إليه بآيات الوحي ودلائل العلم، ولكنه ﷿ كذّب الذين خرقوا له بنين وبنات بوحيه المؤيد بدلائل العقل iii.
_________________
(١) i انظر: تفسير ابن كثير ج٢ ص١٦١؛ تفسير القرطبي ج٧ ص٥٤؛ تفسير أبي السعود ج٣ ص١٦٩؛ فتح القدير للشوكاني ج٢ ص١٥٣. ii انظر: تفسير أبي السعود ج٣ ص١٦٩؛ فتح القدير للشوكاني ج٢ ص١٥٣. iii انظر: تفسير أبي السعود ج٣ ص١٦٩؛ تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج٧ ص٦٥٠.
[ ٧٨ ]