في معرض ذكر نعمه وآياته بسورة يس:
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ i.
مطلب: في بيان وجه حكمة مجيء التسبيح في موضعه ههنا:
هذه الآية الكريمة التي ابتدأت بالتسبيح جاءت معترضة بين آيات ينكر الله – تعالى - فيها على المشركين إعراضهم عن دعوة الرسل وكفرهم به، ويوجّه فيه أنظارهم إلى عظيم نعمه وآثار قدرته، وتلكم الآيات هي قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ. وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ. لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ. سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ. وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ الآيات ii.
ووجه مجيء التسبيح في آيته ههنا بين هذه الآيات أنّه سيق لتنزيه الله ذاته العليّة عمّا فعله المشركون من الشرك وترك شكره تعالى وعن كلّ ما لا يليق بإلهيته وعظمته، وذلك مع ما يرونه ممّا ذكر في هاته الآيات من بدائع آثار قدرته وروائع نعمته الموجبة لتوحيده وشكره وإخلاص العبادة له iii.
_________________
(١) i سورة يس الآية (٣٦) . ii انظر الآيات في سورة يس من الآية رقم (٣٠) إلى الآية رقم (٤٤) . iii انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٦ ص٦٩؛ تفسير القرطبي ج١٦ ص٢٧؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص١٦٧؛ تفسير الألوسي ج٢٣ ص٩؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٣٥٧؛ التحرير والتنوير ج٢٣ص١٥.
[ ١١٠ ]
وفيه أيضًا معنى التعجب من إخلالهم، أي: عجبًا لهؤلاء في كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات i.
مطلب: في بيان صلة التسبيح:
- هذا وقد اتصل لفظ التسبيح بما يشير إلى علة من علل تنزيهه تعالى عن الشرك به، وذلك بيان أنّه المنفرد بالخلق؛ ومن كان كذلك فلا ينبغي أن يشرك به. وهذا مع ما ذكر في الآيات من انفراده بالأنعام والرزق.
وذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ .
- وخصّ بالذكر أصناف النبات وأنواعها (من مختلف أنواعها وطعومها وأشكالها) لأنّ بها قوام الناس ومعاش أنفسهم ودوابهم، وخص كذلك أصناف أنفس الناس من ذكر وأنثى لأنّ العبرة بها أقوى ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ii. ثمّ ذكر ما يعمّ المخلوقات ممّا يعلمه الناس وما لا يعلمون في مختلف الأقطار والأجيال والعصور في البر والبحر أو السماء والأرض iii.
* لطيفة:
قُدِّمَ ذكر النبات في الآية إيثارًا له بالأهمية في هذا المقام؛ لأنّه أشبه بالبعث الذي أومأ إليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ iv.
_________________
(١) i تفسير القرطبي: ج١٦ ص٢٧. ii سورة الذاريات: الآية ٢١. iii انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٣ ص١٧. iv المرجع السابق: ج٢٣ ص١٧.
[ ١١١ ]