- قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
مطلب في بيان ما قبل التسبيح:
- الواو في أوّل الآية لعطفها على ما قبلها؛ ذلك أنّه لمّا جرى الكلام على أنّ الله تعالى خالق كل شيء وأنّ له مقاليد السموات والأرض وهو ملك عوالم الدنيا، وجاء من بعد التذييل بأنّ الذين كفروا بالله هم الخاسرون؛ انتقل الكلام – هنا - إلى ذكر عظمة ملكه -تعالى- في العالم الأخروي؛ وأنّ الذين كفروا بآيات الله الدالة على ملكوت الدنيا قد خسروا بترك النظر؛ فلو اطّلعوا على عظيم ملك الله في الآخرة لقدّروه حقّ قدره٢.
- فقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ أي ما عظّموه حقّ عظمته، ولا عرفوا جلاله حقّ معرفته؛ إذ جعلوا له شركاء وسوّوا بينهم وبينه ووصفوه بما لايليق به وبشؤونه الجليلة، وكيف يكون ذلك منهم والحال٣ أنّ الله - ﷿ - هو العظيم
_________________
(١) ١ سورة الزمر: الآية (٦٧) . ٢ تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: ج٢٤ ص٦٤. ٣ قال الشوكاني في فتح القدير: (والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة) في محل نصب أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنّه متصف بهذه الصفة الدالة على كمال القدرة (والسموات مطويات بيمينه) حال كالتي قبلها (ج٤ ص٤٥٨) .
[ ٥٥ ]
الذي لا أعظم منه، وهو القادر على كلّ شيء. وكلّ شيء تحت قهره وقدرته وإرادته، وهذا ما بيّنه قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ إذ فيه تنبيه على غاية عظمته وكمال قدرته١.
- وإنّ السبيل في بيان وإيضاح هذا النّص الكريم هو الالتزام بمذهب السلف بإمراره والإيمان به كما جاء من غير تكييف ولا تأويل ولا تحريف ولا تمثيل، وتفويض حقيقة معناه إلى الله ﵎. هذا وقد رويت أحاديث عديدة في معنى هذا النصّ الكريم منها ما رواه البخاري٢ في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنّا نجد أنّ الله ﷿ يجعل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه (أضراسه)
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري ج٢٤ ص١٧؛ تفسير القرطبي ج١٦ ص٢٧٧؛ تفسير ابن كثير ج٤ ص٦٢؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٢٦٢؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٤٥٨؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٤ ص٢١٧؛ تفسير السعدي ج٦ ص٤٩٣. ٢ هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، أبو عبد الله، صاحب الجامع الصحيح - التاريخ _الضعفاء _الأدب المفرد. ولد في بخارى ونشأ يتيمًا، وقام برحلة طويلة (سنة ٢١٠هـ) في طلب الحديث، فزار خراسان والعراق ومصر والشام، وسمع من نحو ألف شيخ، وجمع نحو ست مائة ألف حديث اختار منها في صحيحه ما وثق برواته، وأقام في بخارى فتعصّب عليه جماعة ورموه بالتهم فأخرج إلى خرتنك (من قرى سمرقند) فمات بها. ولد عام ١٩٤هـ وتوفي ٢٥٦هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ج٢ ص١٢٢؛ تهذيب التهذيب لابن حجر ج٩ ص٤١-٤٧؛ طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ج١ ص٢٧١-٢٧٩؛ الأعلام للزركلي ج٦ ص٣٤) .
[ ٥٦ ]
تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
ومنها ما رواه البخاري (أيضًا) بسنده أنّ أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملِك، أين ملوك الأرض؟ " ٢.
وهذان الحديثان الشريفان وغيرهما ممّا ورد في معناهما وبما يقارب نصّهما نؤمن بما جاء فيها ونمرّها كما جاءت على مثل ماهو الشأن في نصّ الآية الكريمة. وهذا هو ما عليه مذهب أهل السنة والجماعة. والله أعلم بمراده.
لطيفة: تأكيد الأرض بقوله (جميعًا) ٣ لأنّ المراد بها الأرضون السبع مطابقة لما قال بعدها (والسموات)، أو المراد جميع أبعاضها البادية والغائرة٤.
مطلب: في وجه ختم الآية بتسبيح الله ذاته:
- ختم الله هذه الآية الكريمة بتسبيح ذاته العليّة لما فيه من التأكيد لمعنى ما جاء فيها من قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ فإنّه ﵎ ينزه ذاته عن المعبودات التي
_________________
(١) ١ فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب التفسير _باب (وما قدروا الله حق قدره) حديث ٤٨١١، ج٨ ص٥٥٠_٥٥١. ٢ فتح الباري: كتاب التفسير _باب (والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) _حديث (٤٨١٢)، ج٨ ص٥٥١. ٣ في التحرير والتنوير لابن عاشور: (جميع: أصله اسم مفعول مثل قتيل، وبذلك استعمل توكيدًا مثل (كلّ) و(أَجمعَ) [ج٢٤ ص٦١] . ٤ انظر: تفسير أبي السعود ج٧ ص٢٦٢_٢٦٣.
[ ٥٧ ]
يجعلونها شركاء له أو عن شركهم مع كونه سبحانه صاحب القدرة العظيمة والحكمة الباهرة، أي فما أبعد وما أعلى من هذه قدرته وعظمته عن إشراكهم أو عمّا يشركونه من الشركاء١.
- ثمّ إنّ ما جاء بعد التسبيح من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ الآيات٢.
يدلّ على معنى التأكيد المراد وذلك لما فيها من الانتقال من إجمال عظمة القدرة الإلهية يوم القيامة إلى تفصيلها٣.. ولا ريب أنّ هذا داعٍ إلى مزيدٍ من تنزيهه سبحانه عما يشركون. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير أبي السعود ج٧ ص٢٦٣؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٤٥٨؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٤ص ٦٤. ٢ سورة الزمر: الآيات (٦٨_٧٥) . ٣ انظر: التحرير والتنوير ج٢٤ ص٦٤.
[ ٥٨ ]