في آية سورة يونس (﵇):
قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
مطلب: في بيان ما قبل التسبيح:
- في هذه الآية الكريمة يبيّن الله ﷿ - حال المشركين في عبادة غيره وافترائهم عليه، وينكر من بعد عليهم ذلك؛ ويبطل دعواهم بالحجة والبرهان، فتفنيد الدعاوى الباطلة والردّ عليها هو أسلوب قرآني فريد غايته بيان الحق وردّ الناس إليه وتثبيت القائمين عليه؛ ودحض الباطل ونقض عراه وصدّ الناس عنه.
- وتبتدئ هذه الآية الكريمة التي ينزه الله تعالى ذاته العلية في خاتمتها بمقدِّمة وتمهيد معطوفة بالواو على ما قبلها من قوله ﷿ عن المشركين: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ الآية٢ وذلك لما فيها من حكاية جناية أخرى من جناياتهم نشأت عنها جنايتهم الأولى٣.
_________________
(١) ١ سورة يونس ﵇: الآية (١٨) . وقرأ حمزة والكسائي وخلف بالخطاب في (عما يشركون) . وقرأ الباقون بالغيبة (عما يشركون. انظر النشر في القراءات العشر لابن الجزري ج٢ص٢٨٢. ٢ سورة يونس: الآية (١٥) . ٣ انظر: تفسير أبي السعود ج٤ ص١٣١؛ فتح القدير للشوكاني: ج٢ ص٤٤٩؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج١١ ص١٢٥.
[ ٢٦ ]
ويجوز أن تكون معطوفة على الآية قبلها مباشرة ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ الآية١.
إذ إنّ عبادتهم ما لا ينفع ولا يضر وادّعاءهم أنهم شفعاء لهم عند الله هو من ضمن افترائهم على الله سبحانه٢.
- قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي عبدوا متجاوزين الله ﵎ إلى عبادة غيره ما ليس من شأنه الضرر ولا النفع، فإنّ من حق المعبود أن يكون مثيبًا لمن أطاعه معاقبًا لمن عصاه٣.
وإنّما قدّم نفي الضرر لأنّ أدنى أحكام العبادة دفع الضرر الذي هو أوّل المنافع، كما أنّ العبادة أمر حادث مسبوق بالعدم الذي هو مظنة الضرر، فحيث لم تقدر الأصنام على الضرر لم يوجد لإحداث العبادة سبب٤.
وهذه أوّل حجة في الآية على نقض وإبطال دعوى شركهم بالله تعالى؛ فإنّ الذي لا يملك ضرًا ولا نفعًا لا يستحق أن يُعبد؛ بل الذي يملكهما هو الذي ينبغي أن تصرف العبادة إليه، وما ذاك إلاّ الله -﷿ - وهي حجة جدّ قوية في بابها. ألا نسمع لقول إبراهيم - ﵇ - محاجًا قومه في عبادتهم للأوثان من دون الله ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة يونس: الآية (١٧) . ٢ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج١١ ص١٢٥. ٣ انظر فتح القدير للشوكاني ج٢ ص٤٤٩. ٤ تفسير أبي السعود: ج٤ ص١٣١. ٥ سورة الأنبياء: الآيتان (٦٦،٦٧) .
[ ٢٧ ]
- وحكاية لفرط ضلالهم وجهلهم بالله مع عبادتهم غيره، وتسفيهًا وتحقيرًا لرأيهم قال الله عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ زعموا أنهم يشفعون لهم عند الله فلا يعذبهم بذنوبهم إنْ كان هناك يوم آخر يرجعون فيه إليه فيحاسبهم بما قدّموا. وهذا غاية - بلا شك - في الجهالة والافتراء حيث إنّهم ينتظرون الشفاعة في المآل ممّن لا يوجد منه نفع ولا ضرّ في الحال١ هذا مع اعترافهم في مقالتهم - هذه - بأنّ المتصرّف هو الله تعالى وحده؛ حيث جعلوا لهم شفعاء عنده٢.فدعواهم تحمل في طيّاتها ماينقضها بسبب تناقضها واعتمادها على أساس غير صحيح ولا مقبول عقلًا ولا واقعًا.. ولذلك جاء التعبير بالمضارع في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ و﴿يَقُولُونَ﴾ لاستحضار حالتهم العجيبة في استمرارهم على عبادتهم غير الله وافترائهم عليه تعجيبًا من تصميمهم وعنادهم على ضلالهم الذي لا يقوم على دليل ولا حجة بل هو ينقض بعضه بعضًا٣.
- وبعد تلك المقدمة المفيدة للتدرّج في نقض شركهم ودعواهم يأتي الأمر من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ بالردّ عليهم ومحاجّتهم. ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ أي أتخبرونه أنّ له شركاء في ملكه يُعبدون كما يُعبد، أو أتخبرونه أنّ لكم شفعاء عنده بغير إذنه؛ والله سبحانه لا يعلم لنفسه شريكًا ولا شفيعًا بغير إذنه من جميع مخلوقاته الذين هم في أرضه وسمائه.
فلمّا كان كلامهم الباطل شيئًا اخترعوه وهو غير واقع جعل الله اختراعه بمنزلة أنهم أعلموه به.
_________________
(١) ١ انظر: فتح القدير للشوكاني ج٢ ص٤٤٩. ٢ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج١١ ص١٢٥. ٣ انظر: المرجع السابق ج١١ ص١٢٥.
[ ٢٨ ]
وهذا الردّ حاصله وغايته عدم وجود من هو كذلك أصلًا، إذ لو كان لعلمه الله- تعالى - وهو علام الغيوب.
ولا ريب أنّ في الردّ والإنكار عليهم بهذه الصورة تقريعًا لهم وتهكمًا بهم وبما يدعونه من المحال الذي لا يكاد يدخل تحت الصحة والإمكان١.
لطيفة: أعيد حرف النفي بعد العاطف في قوله ﴿وَلا فِي الأَرْضِ﴾ وذلك لزيادة التنصيص على النفي وتأكيده٢.
مطلب: في بيان موضع التسبيح وغايته:
ومن بعد الردّ على المشركين بما يبطل شركهم وينقض دعواهم وافتراءاتهم وبما يثبت إلاهيته سبحانه ووحدانيته ينزّه الله تعالى ذاته العليّة عمّا يفعله هؤلاء المشركون في عبادتهم مالا يضر ولا ينفع، أو عن شركائهم الذين يعتقدونهم شفعاءهم عند الله٣.وتنزيهه تعالى ذاته بعد إثبات حجته وبرهانه على لسان رسوله ﷺ لهو دليل على شناعة مقالتهم من جهة وعلى عظيم الإنكار عليهم من جهة أخرى. وكما يدلّ على أنّ قضية التوحيد له هي أسّ
_________________
(١) ١ انظر: تفسير البغوي ج٢ ص٣٤٨؛ تفسير ابن كثير ج٢ ص٤١١؛ تفسير أبي السعود ج٤ ص١٣١؛ تفسير زاد المسير لابن الجوزي ج٤ ص١٦؛ فتح القدير للشوكاني ج٢ ص٤٤٩؛ تفسير النسفي ج٢ ص١٥٧؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج١١ ص١٢٦. ٢ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج١١ ص١٢٦. ٣ انظر: تفسير الطبري ج١١ ص٦٩؛ تفسير أبي السعود ج٤ ص١٣٢؛ فتح القدير للشوكاني ج٢ ص٤٤٩.
[ ٢٩ ]
القضايا وعمادها، وهو - سبحانه - الذي يتولىّ تنزيه ذاته بذاته من كل ما لايليق بها، ومع تنزيه رسله وأوليائه وملائكته؛ والكون كلّه في أرضه وسمائه.
مطلب: في تأكيد ما بعد التسبيح لموضوعه وغايته:
يُتبع الله - ﵎ - الآية السابقة التي ختمها بتنزيه ذاته بما يؤكِّد موضوع التنزيه وغايته أي أَمْرَ توحيد الله إذ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١ فأخبر الله ﷿ - ههنا - أنّ التوحيد والإسلام لله ملّة قديمة أجمعت عليها الناس قاطبة فطرةً وتشريعًا؛ وأنّ الشرك وفروعه جهالات ابتدعها الغواة الضالون٢ وفي هذا تثبيت للمؤمنين ودعوة للمشركين للخروج من ربقة العبودية لغير الله تعالى وترك سبيل الغواة الضالين المنحرفين فطرة وشرعًا.
_________________
(١) ١ سورة يونس: الآية (١٩) . ٢ تفسير أبي السعود: ج٤ ص١٣٢.
[ ٣٠ ]