في آية سورة النِّساء:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ . ١.
مطلب: في بيان ما قبل التسبيح:
- في هذه الآية الكريمة ينهى الله - ﷿- أهل الكتاب من النصارى خاصة عن الغلوّ والإطراء ومجاوزة الحدّ، وهذا كثير فيهم حيث رفعوا عيسى ﵇ فوق المنزلة التي أعطاه الله إيّاها، فنقلوه من حيّز النبوة إلى الألوهية، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه فادّعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه وذلك قوله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ .. ونهاهم أيضًا ألاّ يفتروا عليه ويجعلوا له صاحبة وولدًا وهو قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ﴾، ولهذا قال بعده ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ﴾ . أي إنّما هو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه قال له كن فكان، رسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربّه ﷿، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم والجميع مخلوق لله ﷿ فهو مخلوق من روح مخلوقة، وإضافة الروح إلى الله على وجه التشريف.
_________________
(١) ١ سورة النساء: الآية (١٧١) .
[ ٧٢ ]
- وبعد أن بيّن الله حقيقة عيسى ﵇ أمرهم بالإيمان به وبرسله ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي فصدقوا بأنّ الله واحد أحد لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله، ولهذا قال تعالى بعد ذلك ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أي لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين.
ومن جهل النصارى وكفرهم أنهم اختلفوا على طوائف في شأن عيسى ﵇ فمنهم من يعتقده إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكًا ومنهم من يعتقده ولدًا.. فهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أجاد أحد المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا عن أحد عشرة قولًا.
- ثمّ أكد الله تعالى نهيه بقوله: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي اتركوا وتخلوا عن اعتقاداتكم الباطلة وادّعاءاتكم الفاسدة يكن خيرًا لكم.
- ونزه الله تعالى من بعد ذلك ذاته عن قول النصارى بالتثليث فأثبت وحدته في الإلهية بأسلوب القصر ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١.
مطلب: في بيان موضع التسبيح وصلته بما بعده:
- وبعد أن نزه الله نفسه عن الشريك بقوله ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ نزه نفسه عن الولد الذي هو منشأ التثليث عند النصارى فقال: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ومع ما تفيده كلمة (سبحانه) من قوة التنزيه لله تعالى، فإنها تدلّ أيضًا على غلط من قال بأنّ لله ولدًا٢.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير ابن كثير ج١ ص٥٨٩-٥٩١؛ تفسير القرطبي ج٦ ص٢٥؛ تفسير الخازن ج١ ص٦٢٧-٦٢٨. ٢ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٦ ص٥٨.
[ ٧٣ ]
والتعبير بهذه الجملة في التنزيه عن الولد ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ يشعر باستحالة هذا الأمر على الله ﷿، فإنّ الإلهية تنافي الكون أبًا واتخاذ ابن لاستحالة الفناء والاحتياج والانفصال والمماثلة للمخلوقات عن الله تعالى. والبنوة تستلزم ثبوت هذه المستحيلات لأنّ النسل قانون كوني للموجودات لحكمة استبقاء النوع، والناس يتطلبونه لذلك، وللإعانة على لوازم الحياة، وفيها انفصال المولود عن أبيه، فأبوه مماثل له لا محالة١. وفي معنى هذا قال البغوي٢: "اعلم أنّ التبنيّ لا يجوز لله تعالى؛ لأنّ التبني إنما يجوز لمن يتصور له ولد"٣.ومن ثم تنوعت الحجج في نفي الولد عن الله ودارت حول هذه الأمور.
- وههنا تتكرر الحجة التي سبق ذكرها في آية سورة البقرة، وهي في موضع التعليل لجملة التنزيه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ فمادام أنّ له ما في السموات وما في الأرض فإنه قد استغنى عن الولد، ولأنّ من يزعم أنّه ولد له هو ممّا في السموات والأرض كالملائكة أو عيسى ﵇ فالكل عبيده وليس الابن بعبد؛ إذ الولادة تنافي الملكية كما بينا في المبحث السابق٤.
- وختمت الآية بحجة ثانية وهي ما جاءت في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ وذلك أنّ الذي بيده حفظ السموات والأرض وما فيهما؛ وإليه تصريف أمورهما وتدبيرهما، والخلق كلّهم أمورهم إليه، وهم لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا..
_________________
(١) ١ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٦ ص٥٨. ٢ هو الحسين بن مسعود بن محمد، الفرّاء، أبو محمد، ويلقب بمحيي السنة (٤٣٦-٥١٠؟): فقيه، محدث، مفسر، نسبته إلى "بغا" من قرى خراسان، ومن أشهر كتبه: " شرح السنة – لباب التأويل في معالم التنزيل". (انظر: وفيات الأعيان ج١ ص١٤٥؛ الأعلام للزركلي ج٢ ص٢٥٩) . ٣ تفسير البغوي: ج١ ص٥٠٢. ٤ انظر: المرجع السابق ج٦ ص٥٨.
[ ٧٤ ]
فمن كان شأنه ذلك هل يحتاج إلى ولد يعينه، بل الخلق العاجزون عن كفاية أمرهم هم الذين يحتاجون إلى من يعينهم ويساعدهم. وهذه الحجة التي عبّر عنها النسفي في تفسيره موجزًا حيث قال: " ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ حافظًا ومدبرًا لهما ولما فيهما، ومن عجز عن كفاية أمر يحتاج إلى ولد يعينه؟! "١. ولله الحمد والمنّة.
_________________
(١) ١ تفسير النسفي: ج١ ص٢٦٥.
[ ٧٥ ]