تسبيح الله ذاته إثر الوعد والوعيد في آية سورة الروم:
قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ i.
مطلب: في بيان مناسبة مجيء التسبيح في موضعه من السورة:
يأتي تسبيح الله ذاته العليّة (ههنا) بعد أن بيّن الله ﷿ في الآيات السابقة حال فريقي المؤمنين العاملين للصالحات والكافرين المكذبين بالآيات وما لهما من الثواب والعقاب وهي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ii؛ وذلك ليرشد عباده بما ينجيهم من العذاب ويفضي بهم إلى الثواب، وهو تنزيههم له -﷿- عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله؛ وحمدهم له على ما أنعم به عليهم من نعمه العظيمة وآلائه الجليلة فقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ iii.
- ويدلّ على هذه المناسبة اقتران التسبيح بالفاء وهي لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
_________________
(١) i سورة الروم: الآية (١٧) . ii سورة الروم: الآيات (١٤-١٦) . iii انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٥ ص١٠٤؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٥٤؛ حاشية الجمل على الجلالين ج٣ ص٣٨٧؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٢١٢؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٣ ص١٧٠.
[ ١٠٧ ]
- فقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ خبر في معنى الأمر بالتسبيح لخلقه. فإذا كان هو تعالى ينزه ذاته عن كلّ ما لا يليق بها فعباده مأمورون بلا ريب في تحقيق ذلك.
- وكذلك قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فإنّ الإخبار بثبوت الحمد له تعالى على المميزين من أهل السموات والأرض في معنى الأمر به على أبلغ وجه وآكده i.
مطلب: في بيان آية التسبيح ومابعدها:
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ .
- هذا ولقد جيء بالحمد -كما ذكرت- بعد التسبيح، ووُسِّط بين أوقات التسبيح للاعتناء بشأنه والإشعار بأن حقّهما أن يجمع مابينهما ii.
وإنما قدّم عليه التسبيح لما أنّ التخلية (التنزيه) متقدمة على التحلية (الحمد) iii.
- وأما تخصيص التسبيح والتحميد بتلك الأوقات ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ – وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ . فللدلالة على أنّ مايحدث فيها من آيات عظمة سلطانه وقدرته؛ وأحكام رحمته؛ وتجدّد نعمته لهي شواهد ناطقة على تنزهه تعالى واستحقاقه الحمد وموجبة لتسبيحه وتحميده حتمًا iv.
_________________
(١) i انظر: تفسير أبي السعود ج٧ ص٥٤. ii انظر: تفسير أبي السعود: ج٧ص٥٤. هذا ولقد أشرت إلى حكمة اقتران الحمد بالتسبيح في كثير من الآيات في الفصل السابق والحمد لله. iii المرجع السابق ج٧ص٥٤. iv انظر: تفسير ابن كثير ج٣ص٤٢٨؛ تفسير أبي السعود ج٧ص٥٤-٥٥.
[ ١٠٨ ]
- كما أنّ صاحب التحرير أشار إلى أن هذه الظروف متعلقة بما في إنشاء التنزيه من معنى الفعل، أي يُنشأ تنزيه الله في هذه الأوقات وهي الأجزاء التي يتجزأ الزمان منها، والمقصود: التأبيد أي على الدوام، وإنما سلك به مسلك الإطناب لأنّه مناسب لمقام الثناء.
وهذا الذي أشار إليه لايتعارض مع ماذُكر سابقًا i.
ثم إنّ تقديم ﴿عَشِيًّا﴾ على ﴿حِينَ تُظْهِرُونَ﴾ لمراعاة الفواصل وتغيير الأسلوب ولما أنه لايجيء منه الفعل بمعنى الدخول في العشي كالمساء والصباح والظهيرة ii.
_________________
(١) i انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢١ ص٦٥. ii تفسير أبي السعود: ج٢١ ص٦٥.
[ ١٠٩ ]