في آية سورة يونس - ﵇:
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ i.
مطلب: في بيان التسبيح وصلته بما قبله وبما بعده:
لمّا أخبر الله -﷿- عن قول مشركي العرب ii باتخاذ iii الله ولدًا نزه ذاته العلية عمّا قالوا فقال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، ثم برهن عن ذلك بثلاثة براهين على ما يلي:
- البرهان الأول: قوله تعالى: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي الموصوف بالغنى المطلق، ذلك أنّ الإلهية تقتضي الغنى المطلق عن كلّ احتياج إلى مُكمِّل نقص في الذات أو الصفات أو الأفعال. فالله ﷾ له الغنى المطلق؛ وأنواع الغنى
_________________
(١) i سورة يونس: الآية (٦٨) . ii الضمير في قوله: ﴿قَالُوا﴾ راجع إلى المشركين من أهل مكة والعرب الذين قالوا إنّ الملائكة بنات الله، وليس المراد من الضمير غيرهم من النصارى لأنّ السورة مكية والقرآن المكي لم يتصدّ لإبطال زيغ عقائد أهل الكتاب. (انظر تفسير البغوي ج ٢ ص٣٦١) . iii الاتخاذ: جعل شيء لفائدة الجاعل، وهو مشتق من الأخذ لأن المتخذ يأخذ الشيء الذي يصطفيه، فالاتخاذ يصدق على أخذ شيء موجود للاستئثار به، ويصدق على تكوين شيء للانتفاع به، وهو هنا صالح للمعنيين لأنّ منهم من يعتقد تولّد الولد عن الله، ومنهم من يعتقد أنّ الله تبنّى بعض مخلوقاته (التحرير والتنوير ج١١ ص٢٢٩) .
[ ٧٩ ]
كلّها مستغرقة فيه، وله الغنى التام بكل وجه واعتبار من جميع الوجوه، فإذا كان غنيًا من كلّ وجه فلأي شيء يتخذ الولد؟! i.
- ومن جهة أخرى لهذا النصّ الكريم في إثباته انتفاء الولد لله يقول صاحب محاسن التأويل (القاسمي): " ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي الذي وجوده بذاته، وبه وجود كلّ شيء، فكيف يماثله شيء؟ ومن له الوجود كلّه فكيف يجانسه شيء؟! "ii.
والبرهان الثاني في قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ . وقد تقدم الكلام عنه فيما قبل بما فيه الكفاية والحمد لله.
أما البرهان الثالث فهو خطابه تعالى لهم بقوله: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾؟.
والمراد: هل عندكم من حجة وبرهان على أنّ لله تعالى ولدًا. فلو كان لهم دليل لأظهروه. فلمّا تحدّاهم وعجّزهم على إقامة الدليل عُلِم بطلان ما قالوه، وأنّه قول بلا علم. ولهذا وبّخهم ﷿ بقوله بعد ذلك: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ فالاستفهام -هنا- مستعمل في التوبيخ والتقريع لأنّ المذكور بعده شيء ذميم واجتراء عظيم وجهل مركّب كبير iii.
* لطيفة:
دلّت الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ على تسمية الحجة والبرهان سلطانًا؛ وذلك لما يكسب المستدلّ بهما سلطة واقتدارًا على مخالفيه ومجادليه.
والذي يلحظ من كلام المفسرين أنّ أكثر ما جاء في القرآن في معنى السلطان فهو الحجة والبرهان iv.
_________________
(١) i انظر: تفسير الطبري ج١١ ص٩٨؛ تفسير السعدي ج٣ ص٣٧١؛ تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ج١١ ص٢٣٠. ii محاسن التأويل للقاسمي ج٩ ص٦٢. iii انظر: تفسير السعدي ج٣ ص٣٧٢؛ التحرير والتنوير ج١١ ص٢٣٢. iv انظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي ص ٣٤٤-٣٤٥؛ قاموس القرآن أو إصلاح الوجوه والنظائر للدامعاني ص ٢٤٢-٢٤٣؛ محاسن التأويل للقاسمي ج٩ ص٦٢-٦٣.
[ ٨٠ ]
* لطيفة أخرى: في قوله: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ .
قال أبو السعود: "فيه تنبيه على أنّ كلّ مقالة لا دليل عليها فهي جهالة، وأنّ العقائد لابدّ لها من برهان قطعيّ، وأنّ التقلّيد بمعزل من الاعتداد به"i.
_________________
(١) i تفسير أبي السعود: ج٤ ص١٦٣.
[ ٨١ ]