قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
مطلب في بيان ما قبل التسبيح بالآية.
- في هذه الآية الكريمة يخاطب الله - ﷿- المشركين معرّفًا لهم قبح فعلهم وخبث صنيعهم، وذلك بأن أثبت لوازم ألوهيته وخواصّها التي لا ينبغي أن تكون إلاّ له؛ وهم يجعلون معه غيره ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾، ثمّ يقول مؤكِّدًا هذا المعنى بإنكار عليهم وتقريع لهم على جهة الاستفهام٢ ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؟!. وهو في معنى النفي٣. ومعلوم أنّهم يقولون إجابة عن هذا الاستفهام: ليس منهم من يفعل شيئًا من ذلك، وبذلك تقوم عليهم الحجة بما دلّ عليه البرهان والعيان ووقع عليه الوفاق٤ فإذن كيف يُعبد من دون الله من لايفعل شيئًا من ذلك؟!
_________________
(١) ١ سورة الروم: الآية (٤٠)، وقرأ حمزة والكسائي ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء على الخطاب، وقرأ الباقون بالياء على الغيبة (انظر: حجة القراءات لابن زنجلة ص٥٥٩-٥٦٠) . ٢ انظر: تفسير الطبري ج٢١ ص٣١؛ تفسير القرطبي ج١٤ ص٤٠؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٦٢؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٢٢٠. ٣ يقول ابن عاشور: "استفهام إنكاري في معنى النفي، ولذلك زيدت (من) الدالة على تحقيق نفي الجنس كلّه في قوله (من شيء) والمعنى: ما من شركائكم من يفعل شيئًا من ذلكم" (التحرير والتنوير: ج٢١ ص١٠٧) . ٤ انظر: تفسير أبي السعود ج٧ ص٦٢.
[ ٥٢ ]
لطيفة:
أضيف (شركاء) إلى ضمير المخاطبين من المشركين في قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾؛ لأنّ المخاطبين هم الذين خلعوا عليهم وصف الشركاء لله تعالى؛ فكانوا شركاء بزعم المخاطبين وليسوا شركاء على الحقيقة، وهذا جارٍ أيضًا مجرى التهكّم بهم١.
ولطيفة أخرى:
ذكرت في هذه الآية الكريمة (مِن) ثلاث مرات، فالأولى في قوله (هل من شركائكم) بيانية، وهي بيان للإبهام الذي في قوله (من يفعل) . أو هي تبعيضية صفة لمقدّر أي هل أحد من شركائكم؟.والثانية في قوله (من ذلكم) تبعيضية في موضع الحال. وأمّا الثالثة فهي في قوله (من شيء) مزيدة لتعميم المنفي واستغراق النفي له٢.
مطلب: في بيان موضع التسبيح وغايته:
بعد أن أقام الله تعالى الحجة على المشركين - بما ذكره من خوّاص إلهيته ولوازمها ومن الإنكار عليهم باستفهام معنيّ به النفي وهم يعلمون حقيقة ما فيه في أنفسهم وواقع حياتهم- نزه سبحانه نفسه عن شركهم وأتبعه بمزيد التنزيه من ذكر علوّها عنه وعمّا يفترونه عليه بزعمهم أنّ آلهتهم له شركاء إذ قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢١ ص١٠٨. ٢ انظر: تفسير أبي السعود ج٧ ص٦٢؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢١ ص١٠٧_١٠٨. ٣ انظر: تفسير الطبري ج٢١ ص٣١.
[ ٥٣ ]
- وعلى هذا فموقع التسبيح هنا موقع النتيجة لما قبلها.
يقول أبو السعود في تفسيره: "ثمّ استنتج منه تنزهه عن الشركاء بقوله ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤.
وقال ابن عاشور أيضًا بما يشير إلى هذه العلاقة عن جملة التسبيح أنها "مستأنفة لإنشاء تنزيه الله تعالى عن الشريك في الإلهية، وموقعها بين الجملتين السابقتين موقع النتيجة من القياس"١.
لطيفة:
ذكر الآلوسي٢ لطيفة في وجه التعبير بالمضارع في قوله ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ حيث قال: "والتعبير بالمضارع لما في الشرك من الغرابة، أو للإشعار باستمراره وتجدده منهم"٣
_________________
(١) ١ تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: ج٢١ ص١٠٨. ٢ هو محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي، شهاب الدين، أبو الثناء: مفسر ومحدث وأديب، من أهل بغداد مولده ووفاته بها، كان سلفي الاعتقاد مجتهدًا تقلد الإفتاء ببلده عام ١٢٤٨هـ، وعزل فانقطع للعلم ثم سافر في ١٢٦٢هـ إلى الموصل فالآستانة ومرّ بماردين وسيواس ثم عاد إلى بغداد إلى أن توفي بها، ونسبته إلىجزيرة (آلوس) في وسط الفرات. ولد عام ١٢١٧هـ وتوفي عام ١٢٧٠هـ من أشهر كتبه: روح المعاني، المقامات (انظر الأعلام للزركلي: ج١ ص١٧٦) . ٣ تفسير الآلوسي (روح المعاني): ج٢١ ص٤٧،
[ ٥٤ ]