في آية سورة مريم:
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ i.
مطلب: في بيان الآية السابقة لآية التسبيح وصلتها:
- جاءت هذه الآية الكريمة أي قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ الآية بعد بيان الله تعالى لحقيقة عيسى ﵇ من قوله ﷿: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ii.
والمراد من قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ . أي ذلك الذي ذكرناه هو عيسى ابن مريم لاكما تزعم اليهود إنّه لغير رشدة وأنه ابن يوسف النجار، ولاكما تقول النصارى إنه إله أو ابن الإله iii.
﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ iv من قرأ برفع اللام على أنّه نعت لعيسى ﵇ كما سمي كلمة الله، والحق هو الله ﷿. وقيل: التقدير: هذا الكلام قولُ الحق.
_________________
(١) i سورة مريم: الآيتان (٣٤_٣٥) . ii سورة مريم: الآيات (٣٠-٣٣) . iii انظر: تفسير القرطبي ج١١ ص١٠٥. iv قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بنصب اللام ﴿قولَ الحق﴾ وقرأ الباقون برفعها (انظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري ج٢ ص٣١٨) .
[ ٨٤ ]
ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي أقول قول الحق i. ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ فمن قائل إنه ابن الله ومن قائل إنه هو الله وغير ذلك من الأقوال التي اختلفوا فيها وتجادلوا وناقض فيها بعضهم بعضًا.
مطلب: في بيان موضع التسبيح وآيته:
- لمّا ذكر الله ﷿ فيما قبل حقيقة عيسى ﵇ وأنّه خلقه عبدًا نبيًا نفى عن ذاته الكريمة اتخاذ الولد ردًّا على النصارى الذين قالوا ببنوّته - ﵇ - تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا –فقال ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ أي ما يصحّ ولا يليق ولا يتأتّى ولا يُتصوّر في حقه جلّ وعلا أن يتخذ ولدًا ii. وكما قال الجمل iii في حاشيته على الجلالين: "والمعنى أنّ ثبوت الولد له محال"iv. وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ v.
وهذه الجملة الكريمة تفيد انتفاء الولد عنه تعالى بأبلغ وجه؛ وذلك لأنّ لام الجحود تفيد مبالغة النفي، وأنّه ممّا لايلاقي وجود المنفي عنه ولأن في قوله:
_________________
(١) i انظر: تفسير البغوي ج٣ ص١٩٥؛ تفسير القرطبي ج١١ ص١٠٥؛ حجة القراءات لابن زنجلة ص٤٤٣. ii انظر: تفسير البغوي ج٣ ص١٩٥؛ تفسير القرطبي ج١١ ص١٠٦؛ تفسير الخازن ج٤ ص٢٤٥؛ فتح القدير للشوكاني ج٣ ص٣٣٦؛ تفسير السعدي ج٥ ص١٠٤ أضواء البيان ج٤ ص٢٧٧. iii هو سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري الشافعي، المعروف بالجمل: فاضل من أهل مدينة عجيل (إحدى قرى الغربية بمصر) انتقل إلى القاهرة. له مؤلفات منها: الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية (حاشية على الجلالين)، وفتوحات الوهاب (حاشية على شرح المنهج في فقه الشافعي، توفي عام ١٢٠٤هـ (انظر: الأعلام للزركلي ج٣ ص١٣١) . iv حاشية الجمل على الجلالين: ج٣ ص٦٢. v سورة مريم: الآية (٩٢) .
[ ٨٥ ]
﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ إشارة إلى أنّه لو كان له ولد لكان هو خلقه واتخذه؛ فلم يَعْدُ أن يكون من جملة مخلوقاته، فإثبات البنوّة له خُلْف من القول، وكذلك فإن الإتيان بـ (مِن) مزيدة قبل المفعول في قوله: ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾ يفيد تأكيد عموم النفي ومبالغته i.
- وبعد أن نفى الله تعالى عن ذاته العليّة الولديّة أكّده – أي النفي- بتنزيهها عنه وعن كلّ ما لايليق بكماله وجلاله إذ قال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ثمّ جاء بحجة تعدّ بمنزلة علّة لهذا التنزيه ii وهي قوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . وقد تقدم في المبحث الأول الكلام عن هذه الحجة بما فيه الكفاية، والإتيان بها – ههنا - مع مافيها من عدّة التنزيه فإنّها تفيد –أيضًا- تبكيتًا للنصارى ببيان أنّ شأنه تعالى إذا قضى أمرًا من الأمور أن يعلّق به إرادته فيكون حينئذ بلا تأخير؛ فمن هذا شأنه كيف يتوهّم أن يكون له ولد iii.
* لطيفة:
ذكر صاحب أضواء البيان iv فائدة لطيفة في لفظ ﴿مَا كَانَ﴾ الدالّ على النفي من جهة المعنى.
_________________
(١) i انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج١٦ ص١٠٢-١٠٣؛ أضواء البيان للشنقيطي ج٤ ص٢٧٧-٢٧٨. ii انظر: حاشية الجمل على الجلالين ج٣ ص٦٢. iii انظر: تفسير أبي السعود ج٥ ص٢٦٥. iv هو محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥-١٣٩٣هـ): ولد عند ماء يسمى (تنبه) من أعمال مديرية (كيفا) من القطر المسمى بشنقيط وهو دولة موريتانيا الإسلامية الآن. حفظ القرآن وعمره عشرسنوات، وطلب العلم على عدد من علماء بلده، خرج من بلاده لأداء الحج ومن ثمّ استقر في المدينة المنورة ودرّس بالمسجد النبوي الشريف وتلقى الناس عنه. له مؤلفات عدة أهمها: أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، مذكرة الأصول على روضة الناظر، دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب. (انظر: ترجمة الشيخ عطية سالم له في أول كتاب أضواء البيان ١/٧-٦٤) .
[ ٨٦ ]
فقال: "اعلم أنّ لفظ ﴿مَا كَانَ﴾ يدل على النفي، فتارة يدلّ ذلك على النفي من جهة المعنى على الزجر والردع كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ الآية، وتارة يدلّ على التعجيز كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ. أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ﴾ الآية. وتارة يدلّ على التنزيه كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَد ﴾ الآية"i.
_________________
(١) i أضواء البيان للشنقيطي: ج٤ ص٢٧٧.والآيات على الترتيب: سورة التوبة (١٢٠)، سورة النمل (٦٠)، سورة مريم (٣٥) .
[ ٨٧ ]