في آية سورة الصافات:
المطلب الأول: في بيان الموضع الأوّل:
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ. سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ i.
- يخبر الله تعالى في الآية الكريمة الأولى (قبل آية التسبيح) أنّ المشركين جعلوا بقولهم بين الله -﷿- وبين الجنة قربًا ومصاهرة تعالى الله عمّا يقولون علوًا كبيرًا.
هذا وقد اختلف المفسرون في المراد بالجنّة والنسب اللْذين ذكرا في الآية. والأظهر أنّ المراد بالجنة أي الجماعة من الجنّ، والنسب - وهو ما أشرت إليه في مبحث سابق -بأنّ الملائكة- على زعم المشركين- هم بنات الله من سروات الجنّ أي من فريق من نساء الجنّ من أشرافهم.
والكلام على حذف مضاف أي ذوي نسب لله تعالى، وهو نسب البنوّة ويؤيدّ هذا القول سياق الآيات، فإنّ هذه الآية الكريمة ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبا..﴾ الواو فيها للعطف على ما يصلح العطف عليه ممّا قبلها وهو قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ. وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي وشفعوا قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ فجعلوا بين الله وبين الجنّة نسبًا بتلك الولادة، أي بيّنوا كيف حصلت تلك الولادة بأن جعلوها بين الله وبين الجنّة نسبًا.
ويؤيّده –أيضًا- تتمة الآية ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُون﴾ أي والحال أنّ الجنة قد علمت أنّ الذين نسبوا إليهم ذلك القول من المشركين لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم وافترائهم في ذلك وقولهم الباطل بلا علم ii.
_________________
(١) i سورة الصافات: الآيات (١٥٨_١٦٠) . ii انظر: تفسير ابن كثير ج٤ ص٢٣؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٣ ص١٨٥- ١٨٦ تفسير السعدي ج٦ ص٤٠٢.
[ ٩٨ ]
- ولمّا ذكر الله -﷿- قول المشركين وعرّض بالوعيد عليه أتبع ذلك باعتراض بين المستثنى منه والمستثنى يتضمّن إنشاء تنزيه له تعالى عمّا نسبوه إليه من الولد وهو قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ فهو إنشاء من جانب الله تعالى لتنزيهه، وتلقين للمؤمنين بأن يقتدوا بالله في ذلك التنزيه؛ وتعجيب من فظيع ما نسبوه إليه i.
- ومن بعد هذا التسبيح يأتي الاستثناء بقوله ﷿: ﴿إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ وهو إمّا أن يكون استثناءً منقطعًا والتقدير: لكن عباد الله المخلصين بريئون عن أن يصفوا الله بشيء من ذلك. وإمّا أن يكون متصلًا إذا كان استثناء من المحضرين، أي إنهم يحضرون العذاب إلاّ من أخلص ii. والله أعلم بمراده.
المطلب الثاني: في بيان الموضع الثاني:
قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ iii.
- إنّ موضع التسبيح –ههنا- يأتي أوّل ثلاث آيات كريمات شكّلت بمجموعها خاتمة لسورة الصافات بأجمل وأبدع ما يكون من ختام في تناسق نظمٍ ومعنى وبيان iv.
ولذلك سيكون بيان هذا الموضع على ما يلي:
_________________
(١) i انظر: التحرير والتنوير ج٢٣ ص١٨٨. ii فتح القدير للشوكاني: ج٤ ص٤٠٠. iii سورة الصافات: الآيات (١٨٠-١٨٢) . iv ومن اللطيف موافقة ختم هذه المباحث المتتابعة حول التسبيح بهذه الآيات العظيمة الخاتمة.
[ ٩٩ ]
أولًا: مناسبة تسبيح الله ذاته لما قبله من الآيات.
- في مناسبة مجيء تسبيح الله ذاته الكريمة-ههنا- وجهان ذكرهما المفسرون: وجه نُظِر فيه إلى مجمل سورة الصافات حيث جاء التسبيح في خاتمتها، ووجه روعي فيه النظر إلى أقرب الآيات مكانًا لآية التسبيح. وكلا الوجهين هما في محلّ الاعتبار.
- أمّا بالنظر إلى أقرب الآيات فوجهه: أنّه بعد أن أمر الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ بالإعراض عن المشركين والإغماض عمّا يصدر منهم من الجهالات والضلالات ومنها ما ادّعوه من نسبة الملائكة لله بالبنوة؛ مع التعريض لهم بالهلاك إن استمرّوا على شركهم وضلالهم وذلك قوله ﷿: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ. وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ. أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ. فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ. وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ. وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ i. بعد ذلك نزه الله ذاته العلية عن قبيح ما يصدر منهم ممّا يصفونه من نسبة الولد ومن كلّ ما لا يليق بجلاله وكماله وعظمته ii.
- كما أنّ أسلوب الخطاب في تنزيه الله ذاته للنبي ﷺ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ يشير إلى مناسبة التذييل لخطابه تعالى المبتدأ قبله بقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ iii. (قاله ابن عاشور) iv.
_________________
(١) i سورة الصافات: الآيات (١٧٤_١٧٩) . وتكرار قوله تعالى في الآيات ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ. وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ بقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ. وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ للتأكيد وحذف مفعول (وأبصر) في المرة الثانية لدلالة ما في نظيرها عليه. (انظر: التحرير والتنوير ج٢٣ ص١٩٨) . ii انظر: فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٤٠١. iii سورة الصافات: الآية (١٤٩) . iv انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٣ ص١٩٨.
[ ١٠٠ ]
- وأمّا بالنظر إلى مجمل ما حوته السورة فإنّه لمّا ذكر الله تعالى فيها كثيرًا من أقوال المشركين الشنيعة التي وصفوا الله تعالى بها -ومنها وصفهم له بالولد- نزه الله نفسه الكريمة عنها وعن كل ما لا يليق به سبحانه i.
ثانيًا: بيان آية التسبيح:
- تعدّ هذه الآية الوحيدة في القرآن الكريم التي اقترن فيها تسبيح الله ذاته العليّة بخطاب رسول الله ﷺ إذ قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .
- ووصفه تعالى بـ ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ في مقام تنزيه ذاته الشريفة مبالغة وتأكيد للتنزيه. فمعنى ربّ العزة أي مالكها، والمنفرد بالعزة الحقيقية التي لا يشوبها افتقار ولا نقص. وبالتالي فهي تشير إلى توصيفه بجميع صفات الكمال النفسية والمعنوية وهو الذي عزّ فقهر كلّ شيء واعتزّ عن كل سوء يصفونه به ii.
ثالثًا: بيان وجه اقتران آية التسبيح بما بعدها.
- لمّا نزه الله ذاته عما لا يليق به ممّا يصفه المشركون أثنى على عباده وملائكته المرسلين بسلام منه -تعالى- عليهم في الدنيا والآخرة وذلك لسلامتهم من الذنوب والآفات وسلامة ما وصفوا به ربّ العزّة والجلال.
وتنكير (سلام) للتعظيم والتفخيم، وفيه إشارة إلى الثناء على كلّ من تبع المرسلين سلامة من الذنوب وقيامًا بتنزيه الله تعالى حقّ التنزيه iii.
- ولمّا كان التسبيح -أيضًا- يتضمّن التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة ويستلزم إثبات الكمال، كما أنّ الحمد يدلّ على إثبات صفات
_________________
(١) i انظر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري ج٢٣ ص٧٢؛ تفسير السعدي ج٦ ص٤٠٤. ii انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٦ ص١٧٣؛ تفسير السعدي ج٦ ص٤٠٤؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٣ ص١٩٩. iii انظر: تفسير السعدي ج٦ ص٤٠٥.
[ ١٠١ ]
الكمال مطابقة ويستلزم التنزيه من النقص قرن بينهما في هذا الموضع فقال بعده: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا متكرر في مواضع أخرى من القرآن الكريم i.
- ولابن عاشور كلام في وجه اقتران هذه الآيات الثلاث في خاتمة السورة بالنظر إلى مجمل ما حوته السورة، وهو كلام وجيه حسن معتبر. إذ قال: "هذه الآيات فذلكة لما احتوت عليه السورة من الأغراض، إذ جمعت تنزيه الله والثناء على الرسل والملائكة وحمد الله على ما سبق ذكره من نعمه على المسلمين من هدى ونصر وفوز بالنعيم المقيم"ii.
* لطيفة:
إنّ في الانتقال من الآيات السابقة إلى التسبيح والتسليم والحمد إيذانًا بانتهاء السورة على طريقة براعة الختم مع كونها من جوامع الكلم iii.
-وبهذه اللطيفة يتم الحديث عن آخر موضعي تسبيح الله ذاته في سورة الصافات، وبه يتمّ الكلام عن هذا الفصل ولله الحمد والمنّة.
_________________
(١) i انظر: تفسير ابن كثير ج٤ ص٢٥. ii التحرير والتنوير: ج٢٣ ص١٩٨_١٩٩. iii انظر: التحرير والتنوير ج٢٣ ص١٩٩.
[ ١٠٢ ]