القاسمي ﵀ كغيره من المفسرين الذين يصيبون ويُخطئون في تفسيرهم وآرائهم، ومن رحمة الله تعالى بعباده أن يُهيئ لهم من يكشف عن أخطائهم وزلاتهم، كي لا يُتابعون عليها، ويَستغفر لهم من قرأها وأدرك مُجانبتها للصواب، ولعلي أذكر بعضًا مما يؤخذ على تفسيره بعد جولات فيه:
أولا: كثرة النقول في تفسيره عن كل من هب ودب، وتكاد تكون نسبة النقل عن من سبقه في تفسيره تُشكل النصف أو أكثر، وقد ينقل عبارات ويستطرد في مسائل لا علاقة لها في تفسير الآية، فليته لم يُكثر من هذه النقول التي تُسبب الملل للقارئ والتقليل من قدر هذا التفسير، وقد يكون هذا السبب هو الذي جعل كثير من الناس يزهدون في تفسيره، والله أعلم.
ثانيًا: وجود نقولات عن التوراة والإنجيل في تفسيره: من ذلك ما نراه عند تفسيره عند قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ
_________________
(١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٦٨، ٦٩).
[ ١ / ٤٣ ]
سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٨]، ينقل عن الأصحاح الخامس والعشرين من سفر الخروج (^١)، وكذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [سورة البقرة: ١٨٣] ينقل عن سفر عزرا، الإصحاح الثاني، وينقل عن إنجيل متى، الإصحاح السادس (^٢)، فهل يا تُرى نحن بحاجة إلى الاعتماد على نصوص تعرَّضت للتحريف والتغيير، وأين القاسمي من حديث جابر بن عبد الله رضي اللهـ تعالى عنه: أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبي ﷺ فغضب فقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذِّبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى ﷺ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني" (^٣).
ثالثًا: فيما يتعلق بالقراءات فإنه في بعض الأحيان يورد بعض القراءات دون نسبتها لقرائها فيذكرها بصيغة المبني للمجهول أو مالم يُسم فاعله، فيقول: قُرئ بكذا أو نحوه، فيتوهم القارئ أن هذه القراءة صحيحة، ثم يتبين له أنها شاذة، فيقع القارئ في اللبس، فيظن أنها صحيحة.
ومما يُمثل على ذلك: أن القاسمي ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [سورة البقرة: ١٣٢] قال: "وقرئ ويعقوبَ بالنصب عطفا على بنيه" (^٤)، وهذه قراءة طلحة وهي شاذة (^٥)، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [سورة البقرة: ١١١] قال: "وقرئ ﴿إلا من كان يهوديا أو
_________________
(١) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٣/ ٦٤٦، ٦٤٧).
(٢) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٤١٦ - ٤١٨).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢٣/ ٣٤٩) برقم: (١٥١٥٦)، وحسَّنه الألباني بمجموع طرقه في ظلال الجنة (١/ ٢٧).
(٤) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٢٦٤).
(٥) انظر: القراءات الشاذة: ابن خالويه (ص: ٢٥).
[ ١ / ٤٤ ]
نصرانيا﴾ " (^١)، وهي قراءة أبي بن كعب، من القراءات الشاذة (^٢).
رابعًا: يُلاحظ على القاسمي ﵀ في تفسيره لبعض الآيات التي تتعلق بالتفسير العلمي أنه يُفسرها بالنظريات العلمية، وهذا في الحقيقة مسلك خطير، لأن هذه النظريات العلمية لم تثبت صحتها يقينًا، بخلاف الحقائق الثابتة التي ثبتت يقينًا ولا أحد يُنكرها، وذلك أن المفسِّر قد يُصحح نظرية علمية استنادًا على آية من كتاب الله تفيد ذلك، ثم يتبين للعلماء بطلان هذه النظرية، فيؤدي إلى التشكيك في صدق كتاب الله تعالى وتكذيبه، والتعرض له بالطعن من قبل أعداء الدين.
ومما يُمثّل على ذلك: أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٩] ذكر أن بعض علماء اللغة يرى أن العرب تستعمل لفظ سبع، وسبعين، وسبعمائة للمبالغة في الكثرة. فالعدد إذن غير مراد. وذهب بعض علماء الفلك إلى أن الحصر في السبع حقيقي وأن المراد: العالم الشمسي وحده دون غيره وبذلك تتجلّى الآن معجزة واضحة جليّة. لأنه في عصر التقدّم والمدنية العربية، حينما كان العلم ساطعا على الأرض بعلماء الإسلام، كان علماء الفلك لا يعرفون من السيارات إلّا خمسا- بأسمائها العربية إلى اليوم- وهي: عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل ولمّا اكتشف بعد (بالتلسكوب) سيّار لم يكن معلوما، دعوه «أورانوس» ثم سيّر آخر سمّوه «نبتون» - صارت مجاميع السيارات سبعا، فهذا الاكتشاف- الذي ظهر بعد النبي ﷺ بألف ومائتي سنة- دلّ على معجزة القرآن، ونبوّة المنزل عليه ﷺ (^٣).
وينقل عن بعض علماء الفلك: "إن المراد بالسموات السبع العالم الشمسي وحده دون غيره" (^٤).
_________________
(١) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٢٢٣).
(٢) انظر: معاني القرآن: الفراء (١/ ٧٣).
(٣) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٩١ - ٩٤).
(٤) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٩١).
[ ١ / ٤٥ ]
ثم يأتي من بعد ذلك من يرد على هذا الكلام وأنه يُخالف العلم الحديث، ولا يتفق مع وصف القرآن لهذه السموات بأنها (طباقا) و(شدادا)، ذلك أن الكواكب ليست مصطفة أفقيًا كما يُفهم من الوصف (طباقا) بسبب تباين فترات دورانها، وليست ثابتة كما يُفهم من وصفها بأنها شداد، فهي معرّضة للتأثر بأجرام سماوية أخرى أكثر ثباتًا منها إلخ (^١).
خامسًا: مما يلاحظ على القاسمي ﵀، أنه خالف جمهور أهل العلم في مسألة مهمة وهي: إتيان المرأة في دبرها، فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٣] أورد فيها روايات وآثارًا تبيح ذلك وتجيزه، بل وينتقد الإمام ابن القيم ويقول عنه إنه أوَّل في هذه المسألة، وأن الأحاديث التي استدل بها على التحريم ضعيفة، لا تقوى للاحتجاج بها، ويمكن أن يكون هناك حديث صحيح في هذا الباب (^٢)، فإيراده لهذه الآثار دون تعقب عليها يدل على أنه إن لم يرى بجواز هذا الفعل، فإنه يعتد بالخلاف فيه، والحق الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة خلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀ وغفر له.
سادسًا: يفهم من كلام القاسمي ﵀ أنه ينكر أن القمر انشق في عهد رسول الله ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [سورة القمر: ١]، يخطئ الحافظ ابن كثير في قوله بتواتر حديث انشقاق القمر، حيث يقول: " وزعم ابن كثير أن أحاديثه متواترة" (^٣)، ويأتي بنقولات في غير محلها تسوِّغ الخلاف في حجية خبر الآحاد (^٤). ولم يعلم القاسمي ﵀ أنه إن رد الخبر بكونه آحادًا أنه يُوافق أهل البدع، فإن السلف مجمعون على حجية خبر الآحاد، وأن الخلاف في قبول خبر الآحاد من رده خلاف بين أهل
_________________
(١) محاسن التأويل: القاسمي (٢/ ٩١).
(٢) انظر: السماوات السبع بين أقوال المفسرين وعلماء الفلك: د. سليمان الشعيلي، د. صالح الشيذاني (ص: ١٠).
(٣) محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٥٩٣)
(٤) انظر: محاسن التأويل: القاسمي (١٥/ ٥٥٩٣)
[ ١ / ٤٦ ]
السنة وأهل البدع (^١).
فهذه عبارة عن لمحات وقبسات ومُلاحظات من هذا التفسير القيم، الذي امتاز بالفوائد الجمة في شتى الفنون الشرعية المختلفة من سلامة العقيدة وتوضيح للأحكام ومسائل في علوم القرآن ولغة وبلاغة وغير ذلك من النقولات المفيدة.
وما أُخذ عليه في تفسيره لا يقدح في منزلة القاسمي ويُقلل من قدره، فهو عالم جليل ذو اطلاع وعلم واسع، وذو عمل خالص كما نحسبه بذلك والله حسيبه.
* * *
_________________
(١) انظر: مختصر الصواعق المرسلة: البعلي (ص: ٥٨٥).
[ ١ / ٤٧ ]