من خلال النظر في المعاجم المعتمدة عند أهل اللغة، نجد أن معاني مادة العين والقاف والباء في الجملة تدور حول "تأخير الشيء وإتيانه بعد غيره" (^١).
ومنه "عَقَبَ" الليلُ النهارَ: جاءَ بعدَه. وعاقَبه أَي جاءَ بعَقِبه، فهو مُعاقِبٌ وعَقِيبٌ أَيضًا؛ والتَّعْقِيبُ مِثْلُهُ، وذَهَبَ فلانٌ وعَقَبَهُ فلانٌ بعدُ، واعْتَقَبَه أَي خَلَفَه، و(الْعَقِبُ) بكسر القاف مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ، و(الْعُقْبُ) و(الْعُقُبُ) العاقبة مثل عُسْرٍ وَعُسُرٍ ومنه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ [سورة الكهف: ٤٤] (^٢). وتَعقَّبت الرجل إِذا أخذتَه بذنب كان منه، وتَعَقَّبْتُ عَنِ الْخَبَرِ إِذا شَكَكْتَ فِيهِ، وعُدْتَ للسُّؤَال عَنْهُ (^٣).
والتَّعْقيبُ: انصرافك راجعًا من أمر أردتَه أو وجه. والمُعَقِّبِ: الذي يتتبع عَقِبَ إنسانٍ في طلب حق أو نحوه (^٤).
وقال الأزهري (^٥): "استعقبت الرجل وتعقبته، إذا طلبت عورته وعثرته. ويقال استعقب فلان من كذا وكذا خيرا وشرا" (^٦).
_________________
(١) مقاييس اللغة: ابن فارس (٤/ ٧٧) مادة (عقب).
(٢) انظر: العين: الفراهيدي (١/ ١٧٨)، وانظر: مختار الصحاح: الرازي (ص: ٢١٣)، وانظر: لسان العرب: ابن منظور (١/ ٦٠٦).
(٣) لسان العرب: ابن منظور (١/ ٦٠٦).
(٤) العين: الفراهيدي (١/ ١٧٨).
(٥) وهو: أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري الهروي اللغوي الشافعي، كان رأسا في اللغة والفقه، ثقة، ثبتا، دينا، مات سنة: ٣٧٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٦/ ٣١٥ - ٣١٧)، وينظر: طبقات الشافعية: السبكي (٣/ ٦٣).
(٦) تهذيب اللغة: الأزهري (١/ ١٨٥).
[ ١ / ٥٠ ]
قال ابن فارس (^١): "تعقبت ما صنع فلان، أي تتبعت أثره. ويقولون: ستجد عقب الأمر كخير أو كشر، وهو العاقبة" (^٢).
وقال الزمخشري: "تعقبت ما صنع فلان: تتبعته. ولم أجد عن قولك معقّبًا أي متفحّصًا يعني أنه من السداد والصحة بحيث لا يحتاج إلى تعقب" (^٣).
ومنه ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة الرعد: ٤١] أي: لا أحد يتعقب حكمه بنقض ولا تغيير (^٤).
وقال ابن منظور (^٥): "تَعَقَّبَ الخبر: تَتَبَّعَه. ويُقال: تَعَقَّبْتُ الأمر إِذا تدبرته. والتَّعَقُّبُ: التدبر، والنظر ثانية، (^٦).
وقال أبو حيان (^٧): "المعقب الذي يكر على الشيء فيبطله، وحقيقته الذي يعقبه أي: بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقِّب، لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب" (^٨).
ومما تقدم من كلام أهل اللغة يتلخص لنا أن التعقب يدور حول المعاني التالية، وهي:
الاتيان بعدُ، والتفحص، والرجوع، والمآل، والتدبر، إعادة النظر، والتتبع، وطلب العثرة، والإبطال، والنقض، والتغيير، ونحو ذلك مما ذكره اللغويون.
_________________
(١) وهو: أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن أحمد، المعروف بابن فارس اللغوي الرازي الشافعي ثم المالكي، الإمام، العلامة، اللغوي، مات سنة: ٣٩٥ هـ، ينظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي (١٧/ ١٠٣).
(٢) مقاييس اللغة: ابن فارس (٤/ ٧٧) مادة (عقب).
(٣) أساس البلاغة: الزمخشري (١/ ٦٦٧).
(٤) مختار الصحاح: الرازي (ص: ٢١٣).
(٥) وهو: محمد بن مكرّم بن علىّ بن منظور الأنصاري الإفريقي، المصري. صاحب «لسان العرب» في اللغة: جمع فيه بين التهذيب، والمحكم، والصحاح، وحواشيه، والجمهرة، والنهاية.، مات سنة: ٧١١ هـ. ينظر: المقفى الكبير: المقريزي (٧/ ١٥٧)، وينظر: درة الحجال: ابن القاضي (٢/ ٣١٥).
(٦) لسان العرب: ابن منظور (١/ ٦١٩).
(٧) وهو: محمد بن يوسف بن علي ين يوسف ابن حيان الغرناطي، نحوي عصره، ولغويه، ومفسره، ومحدثه، ومقرئه، ومؤرخه، وأديبه، مات سنة: ٧٤٥ هـ. ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (٢/ ٦٥٥)
(٨) البحر المحيط: أبو حيان (١٣/ ١١٨).
[ ١ / ٥١ ]