يحسن قبل الحديث عن القاسمي ﵀ ونشأته وحياته العلمية، أن نذكر على سبيل الإجمال الحالة السياسية في عصره، والحالة العلمية، والحالة الدينية، ليكون التعريف بالمؤلف شاملا بشكل أكبر.
أما عن الحالة السياسية: فعند البحث فيها نجد أن السلطة المتولية في ذلك الوقت هي الدولة العثمانية في القرن الثالث عشر، حيث كانت الشام - بلد القاسمي- تابعة لها.
فقد عاش القاسمي في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وقد توالى في هذه الفترة على الدولة العثمانية أربع سلاطين (^١)، وهم:
١ - السلطان عبد العزيز خان (^٢): (١٨٦١ م - ١٨٧٦ م).
٢ - السلطان مراد الخامس (^٣): (١٨٧٦ م - ١٨٧٦ م).
٣ - السلطان عبد الحميد الثاني (^٤): (١٨٧٦ م - ١٩٠٩ م).
٤ - السلطان محمد رشاد الخامس (^٥): (١٩٠٩ م - ١٩١٨ م).
_________________
(١) تاريخ الدولة العلية العثمانية: محمد فريد بك (ص: ٧٧٨).
(٢) هو ابن السلطان محمود الثاني، شهد عصره بإصلاحات في المجال الديني، إذ كان حريصًا على تطبيق الشريعة الإسلامية، توفي سنة: ١٨٧٦ م، بعد صدور فتوى بعزله. ينظر: تاريخ الدولة العثمانية: علي حسون (ص: ١٩٨ - ٢٠٠).
(٣) هو ابن السلطان عبد المجيد، توفي سنة: ١٣٢٢ هـ، وعزل بعد ٩٦ يومًا من توليه بفتوى من قبل شيخ الإسلام -وهو خير الله أفندي- في الدولة لخلل في عقله. ينظر: تاريخ الدولة العثمانية: علي حسون (ص: ٢٠٩).
(٤) هو ابن عبد المجيد من زوجته الثانية، توج عام: ١٢٩٣ هـ، بقي في الحكم ٣٣ عامًا، توفي عام: ١٣٣٧ هـ، تلقى تعليمًا منتظمًا في القصر السلطاني، وتدرب على استخدام الأسلحة، وكان مُهتمًا بالسياسة العالمية. ينظر: تاريخ الدولة العثمانية: علي حسون (ص: ٢٢٩).
(٥) تولى السلطنة العثمانية من عام: ١٣٢٨ هـ إلى ١٣٣٧ هـ وبها توفي، وامتاز حكمه بسيطرة جماعة الاتحاد والترقي- وهي منظمة ثورية سرية أسسها مجموعة من طلبة الطب في مدرسة الطب العسكرية- وانهزام تركيا في الحرب العالمية الأولى، بعد أن أمضى حياته في معزل. ينظر: تاريخ الدولة العثمانية: علي حسون (ص: ٢٧١).
[ ١ / ١٣ ]
وفي هذه المدة الزمنية أصبحت الأوضاع في الدولة العثمانية متدهورة حتى أصبح يُطلق عليها اسم: "الرجل المريض"، ففي عهد السلطان عبد العزيز، كانت الدول الأوروبية تقوم بالضغط عليها، وتتدخل في الشؤون الداخلية بزعم الإصلاح والنهوض والتقدم على النهج الغربي والفكر الأوروبي والمبادئ العلمانية اللادينية بفرض القوانين والأنظمة والعادات المخالفة لدين الإسلام (^١).
ومن أهم العهود التي عاش فيها القاسمي ﵀ هو عهد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي تولى الحكم بعد مراد الخامس، وهو ابن السلطان عبد المجيد من زوجته الثانية، تزوج وعمره أربع وثلاثون سنة، تسلم السلطة والدولة محفوفة بالمخاطر العظيمة، والثورات الأهلية، فحرص على الإصلاح وإعادة الأمور إلى مجاريها الطبيعية، فسدد معظم الديون التي بلغت أكثر من ٢٥٢ مليون ليرة عثمانية، وألغى الدستور، وشرَّد زعماء التغريب، وشرع في إصلاح الدولة وفق المبادئ الإسلامية، إلا أن هذا الجو لم يدم طويلا فروسيا أعلنت الحرب على الدولة العثمانية وكان النصر حليفها، وذلك سنة: ١٨٧٧ م (^٢)، وفرنسا احتلت تونس وبريطانيا مصر (^٣)، وفي الأحوال الداخلية نجد هيمنة المحافل الماسونية (^٤) على عقول زعماء التوجه القومي في داخل الشعوب الإسلامية، الشيء الذي نتج عنه الفتن والقلاقل والثورات الشعبية (^٥).
ولما وصل مدحت باشا (^٦) إلى الصدارة العظمى: انحرف في القيادة العثمانية على
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في كتاب: تاريخ الدولة العثمانية: د. علي حسون (ص: ١٩٩ - ٢٠٢).
(٢) انظر تفصيل ذلك في كتاب: تاريخ الدولة العثمانية: د. علي حسون (ص: ٢٢٩ - ٢٣٥).
(٣) انظر تفصيل ذلك في كتاب: تاريخ الدولة العثمانية: د. علي حسون (ص: ٢٣٥ - ٢٣٨).
(٤) الماسونية: منظمة يهودية سرية تعمل في خفاء على تحقيق مصالح اليهود الكبرى، وتمهد لقيام دولة اليهود العظمى، ويُرجح كثير من الباحثين أنها تأسست في القرن الأول، أي: ٤٣ م. ينظر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة: د. ناصر العقل (٥٠ - ٥٩) وينظر: الماسونية بين الشيوعية والصهيونية: د. عفيفي (ص: ٨).
(٥) انظر: المصدر السابق.
(٦) مدحت باشا: ابن حاجي حافظ أشرف أفندي العثماني، عُين تولى منصب الصدارة العُظمى، وأصدر الدستور العثماني، وكانت نظرته تغريبية، فلم يتفق مع السلطان عبد الحميد، توفي عام ١٣٠١ هـ. ينظر: الأعلام: الزركلي (٧/ ١٩٥).
[ ١ / ١٤ ]
المستوى العسكري والعلمي، حيث كان حريصًا على تطبيق السياسة التغريبية بقيادة جمعية العثمانيين الجدد (^١).
وفي عهد السلطان محمد رشاد الخامس، ازداد تكالب الدول الأوروبية للإطاحة بالدولة وقسمة أراضيها، مع ذلك لم يمنعه هذا الوضع من القيام بإصلاحات سياسة داخلية وحربية ومالية كان لها أثر في تأخر سقوط الدولة العثمانية (^٢).
فنلاحظ من خلال هذه الأحوال اضطراب الحياة السياسية مما أثر سلبًا على الحالة الدينية، وعلى الحالة العلمية ونهضتها بشكل نسبي.
أما عن الحالة العلمية: فقد بدأت في عصر القاسمي بدمشق وما حولها نهضة علمية ثقافية على المستوى العام، تعد نقلة نوعية بالنظر لما مضى من أيام، وقد تجلى ذلك بتأسيس المدارس الحكومية، وظهور المطابع، وإنشاء دور الكتب.
ففي عهد الوالي مدحت باشا تم تأسيس مدارس حكومية تُدرَّس فيها العلوم بالعربية، وتُعنى بتدريس آداب هذه اللغة.
وفي عهد الوالي حمدي باشا أنشأت جمعية باسم (الجمعية الخيرية) أعانتها الحكومة بالمال، وخصصت لها أبنية وقفية وحكومية تفتح فيها المدارس، وألحقت بها مطبعة لطبع الكتب المدرسية وغيرها من أجل نهضة المعارف.
وفي هذا العهد افتتح المكتب الإعدادي الملكي سنة ١٣٠٥ هـ، وهو المدرسة التجهيزية الثانوية الأولى في دمشق التي اشتهرت فيما بعد باسم مكتب عنبر، وبه تخرّج رجال البلد ومثقفوه ووطنيوه فيما بعد (^٣).
على أن إنشاء المدارس الحكومية النظامية بدأ بعد خروج جيش إبراهيم باشا حين تبين للدولة العثمانية أن سر نجاح جيش المصريين كان بسبب أخذهم بالعلم، فعملت على إنشاء
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في كتاب: تاريخ الدولة العثمانية: د. علي حسون (ص: ٢٤١ - ٢٥٤).
(٢) انظر تفصيل ذلك في كتاب: تاريخ الدولة العثمانية: د. علي حسون (ص: ٢٧١ - ٢٧٢).
(٣) انظر ما كتبه ظافر القاسمي إجمالا في كتابه (مكتب عنبر).
[ ١ / ١٥ ]
المدارس وخاصة بعد أن كثرت مدارس الإرساليات الأجنبية، فأحدثت في دمشق مدارس عدة منها: المكتب الرشدي (المدرسة الابتدائية) في جامع يلبغا (^١)، والإعدادية العسكرية في جامع تنكز (^٢)، ومكتب الصنائع بحلب (^٣)، وغيرها (^٤).
ولا ننسى أن في هذه الفترة الزمنية تأسست الجامعة الإسلامية على يد جمال الدين الأفغاني (^٥)، الذي استعان به السلطان عبد الحميد مع الأسف للم شمل المسلمين (^٦).
وفي هذه الفترة تقدمت وسائل الاتصالات بين العالم الاسلامي، وانتشرت الحركة الصحفية، إلا أن السلطان عبد الحميد الثاني فرض قيودا ورقابة على الصحافة، لأنه شَعر بتحريض بعض الصحف ضده، فلم يستطع الكُتاب أن يكتبوا صراحة عن السياسة بسبب الرقابة الشديدة، بل جنحوا إلى استخدام لغة ألطف وتعابير غير مباشرة، فأصبحت الصحافة تُنور الناس بالشؤون الاجتماعية، ولم يُسمح للصحافة إلا نشر القصائد والأدب، مما أدى إلى زيادة الثروة المعرفية وإنعاشها (^٧).
وما ذكر في الحالة العلمية من مظاهر النهضة، إنما هو في العلوم الدنيوية، وليس في العلوم الدينية.
أما عن الحالة الدينية: فقد ابتعد كثير من الناس أبعد عن دينهم الصحيح، فقد اهتم السلاطين بزخرفة المساجد وتشييدها على الأضرحة والقبور في أقاليم الدولة، وانتشار
_________________
(١) وهو: جامع يقع في سوق الخيل بدمشق. ينظر: أعيان العصر: الصفدي (٥/ ٤٤٤).
(٢) وهو: جامع أنشأه الأمير سيف الدين تنكز بدمشق سنة ٧١٧ هـ. ينظر: البداية والنهاية: ابن كثير (١٨/ ١٦٣).
(٣) وهو: مكتب أسس في مدينة حلب سنة ١٣١٩ هـ. يُعنى بصنعة الحدادة والنجارة. ينظر: نهر الذهب: الغزي (١/ ١٣٩).
(٤) انظر: جمال الدين القاسمي أحد علماء الإصلاح: د. نزار أباظة (ص: ٤٨ - ٥٢).
(٥) وهو: جمال الدين بن صفدر الحسيني، وهو إيراني الأصل لا أفغانيًا وإنما آثر أن ينسب نفسه إلى أفغانستان لأسباب سياسية، وكان من أجلاف الشيعة ومن خَدَمة الماسونية، تلقى علومًا جمة كعلوم الشريعة والعلوم العقلية وعلوم رياضية، مات سنة ١٨٩٧ م ينظر: تاريخ الشعوب: كارل بروكلمان (ص: ٦١٧)، وينظر: تاريخ الأستاذ الإمام: محمد رشيد رضا (١/ ٩٢).
(٦) انظر: مذكرات السلطان عبد الحميد: محمد حرب (ص: ٢٥).
(٧) انظر: دراسات التطور التاريخي للصحافة التركية: محمد الرميزان (ص: ١٥، ١٦).
[ ١ / ١٦ ]
التصوف البدعي والشركي.
وقد تعددت طرق التصوف، وانتشرت انتشار النار في الهشيم، فلا تكاد تجد عالمًا من غير طريقة، وكان من أكثر الطرق رواجًا الرفاعية (^١)، والنقشبندية (^٢)، والشاذلية (^٣)، والسبب في انتشار التصوف هو أن الدولة العثمانية كانت تؤيد التصوف، وتبني لأربابه الزوايا والتكايا (^٤).
ففي سنة ١٢٩٣ هـ ورد أمر من السلطان عبد الحميد الثاني بتعمير المراقد الشريفة على نظارة والي البصرة (ناصر باشا السعدون).
ثم في سنة ١٣٠٥ هـ، أمر السلطان عبد الحميد أيضًا بتبييض القبب وتعمير المساجد، وأمر أيضًا بكسوتين للضريحين (الزبير وعتبة بن غزوان) من الحرير الأحمر المفتخر المطرز بالفضة، وأمر أيضًا بوضع مباخر وقماقم من الفضة عند الضريحين (^٥).
وفي الشام كانت هناك عشرات من الأضرحة والمزارات المشهورة، فقد ذكر صاحب كتاب القول الحق في بيروت ودمشق أنه قام بزيارة إلى الشام عام ١٨٩٠ م الترب والأضرحة والمزارات فبلغت مائة وأربعة وتسعين موضعًا (^٦).
وكانت الحالة الدينية في جمود على القديم، وكتب صفراء يتداولها الطلاب، ومتون
_________________
(١) الرفاعية: وهي تنسب إلى أحمد الرفاعي (ت: ٥٨٠ هـ) من بني رفاعة أحد قبائل العرب، وجماعته يستخدمون السيوف ودخول النيران في إثبات الكرامات. وهم أعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين، يتفقون مع الشيعة في أمور عدة منها: إيمانهم بكتاب الجفر، واعتقادهم في الأئمة الاثني عشر. ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والأحزاب: د. مانع الجهني (١/ ٢٦٦).
(٢) النقشبندية: قرقة تنسب إلى الشيخ بهاء الدين محمد بن محمد البخاري الملقب بشاه نقشبند (ت: ٦٩١ هـ) وهي طريقة سهلة كالشاذلية، انتشرت في فارس وبلاد الهند وآسيا الغربية. ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان: د. مانع الجهني (١/ ٢٦٧).
(٣) الشاذلية: نسبة إلى أبي الحسين الشاذلي (ت: ٦٥٦ هـ)، قيل عنه: (إنه سهّل الطريقة على الخليقة) لأن طريقته أسهل الطرق وأقربها، فليس فيها كثير مجاهدة، انتشرت طريقته في مصر واليمن وبلاد العرب، وأهل مدينة مخا يدينون له بالتقدير والاعتقاد العميق في ولايته. ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان: د. مانع الجهني (١/ ٢٦٧).
(٤) انظر: إمام الشام في عصره جمال الدين القاسمي: محمد بن ناصر العجمي (ص: ٢٠).
(٥) انظر: الانحرافات العقدية والعلمية: علي بن بخيت الزهراني (ص: ٢٩٢).
(٦) انظر: القول الحق في بيروت ودمشق: عبد الرحمن بك سامي (ص: ٩٧).
[ ١ / ١٧ ]
كثيرًا ما يحفظونها بدون فهم، وحواش وشروح وتقريرات وتعليقات تزيد في اضطراب عقول الطلاب وتشويشها، وتقليد أعمى غُلّت منه العقول، فكتب الحديث لا تُقرأ إلا للتبرك، وكتب التفسير ممتنعة عند العامل بل الخاصة، وأما كتب اللغة والأدب فقد كان يقرؤها الطلاب على أنها أداة لفهم الكتاب والسنة لا لذاتها (^١).
وهذا ليس بمستغرب، فإن طرق التصوف كان مُنتشرة في تلك الفترة الزمنية، وأسلافهم يُقررون مشروعية قراءة كتب الحديث للتبرك (^٢)، وأن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق (^٣).
ويُصور لنا القاسمي ﵀ هذا الحال في مقالة بعنوان: "أعداء الإصلاح" حيث قال: "وأصبح العلماء حملة أهواء لا حملة شريعة، غرضهم أن تُفَخَّم ألقابهم، وتملأ كراشهم وعبابهم، وترفع بين الغاغة - وهو ضرب من النبات- منازلهم" (^٤).
وكذلك ما سطره في كتابه القيم "إصلاح المساجد من البدع والحوادث" الذي كان غرضه من تأليفه بيان ما آل إليه المجتمع من الضلال وما انتشر في أوساطهم من البدع التي أبعدت الناس عن العلم الشرعي الصحيح، فسعى في تجلية المسائل وإيضاحها بأقوى الدلائل.
إن هذه الأوضاع المتردية كان لها الأثر البارز في حياة القاسمي ﵀ ومنهجه الشرعي الذي ينطلق منه، حيث علم أن ما عليه الناس ليس هو الدين الصحيح، ولا هو النهج المستقيم، فوضع الإصلاح نصب عينيه، وتوخى الرفق في الدعوة إليه، معتمدًا على الكتاب والسنة، ومتأسيًا بمن سبقه من المصلحين من سلف هذه الأمة، متحمّلا أعباء الدعوة وقائمًا بواجبه الإصلاحي.
_________________
(١) انظر: مقدمة ظافر القاسمي لكتاب قواعد التحديث للقاسمي (ص: ٢٢).
(٢) انظر ما ذكره السخاوي في كتابه الضوء اللامع (١/ ١٤٢)، من أن حلب عندما حوصرت لجأ الناس إلى قراءة كتاب عمدة الأحكام ليفرج الله عنهم.
(٣) انظر ما قرره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأصل السادس من الأصول الستة (ص: ٣).
(٤) مجلة المقتبس (العدد الثاني عشر): محمد كرد علي (ص: ٧٤١ - ٧٤٢).
[ ١ / ١٨ ]