نشأ القاسمي بداية عمره في بيئة صوفية أشعرية، فقد تتلمذ على الشيخ أحمد بن محمد الحلواني أحد شيوخ الأشعرية (^٥).
_________________
(١) وهو الشيخ محب الدين بن أبي الفتح محمد بن عبد القادر بن صالح الخطيب، من كبار الكتاب الإسلاميين، كانت له أيادي بيضاء في نشر العقيدة السلفية والدفاع عنها، شارك في إنشاء جمعية بدمشق سميت " النهضة العربية ". ينظر: الأعلام: الزركلي (٥/ ٢٨٢)، موسوعة مواقف السلف في العقيدة: المغراوي (٩/ ٤٩٧).
(٢) مقدمة كتاب اصلاح المساجد: القاسمي (ص: ٦).
(٣) مجلة المقتبس: محمد كرد علي (٨٥/ ٥١).
(٤) انظر: موقع الإسلام العتيق: د. عبد العزيز الريس www.islamancient.com، وانظر: مقال بعنوان: تحرير في سلفية جمال الدين القاسمي: وليد الوصابي، موقع صيد الفوائد www.saaid.net
(٥) الأشعرية: نسبة إلى أبي الحسن الأشعري، وهي فرقة كلامية تثبت لله تعالى سبع صفات عن طريق العقل وهي: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، ينظر: الموسوعة الميسرة: الجهني، وينظر: امتاع الفضلاء بتراجم القراء: الساعاتي (٢/ ٥٣)
[ ١ / ٢٩ ]
وكان مُتأثرا بأئمة الصوفية، فكان ينقل عنهم في تفسيره، كابن عربي (^١)، والشعراني (^٢) والقاشاني (^٣)، والمهايمي (^٤).
ومن سنة الله تعالى في عباده أنه يهدي من يشاء منهم ويُضل من يشاء، فرغم تأثر القاسمي بأئمة الصوفية إلا أنه رد من أقوالهم وعقائدهم التي تُخالف الكتاب والسنة وما عليه أهل السنة، فلا يقول بالاتحاد والحلول ولا بالتبرك بالمشايخ والتوسل بهم، حتى الكرامات فلا يعتبر بها إلا بعد عرض عمل صاحبها على الكتاب والسنة، ولعل السبب في عدم تأثره هو ما انتهجه من نهج اتباع الكتاب والسنة وذم التقليد.
ففي تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة يونس: ٦٢] نقل كلامًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية من كتابه: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان مفاده: أن الرجل لا يكون وليًا لله إلا إذا وافق عمله الكتاب والسنة.
وكان ينهى عن الاختلاط بشيوخ التصوف ولو من أجل الاطلاع على أحوالهم؛ فقد زجر تلميذًا له مرة حينما أحب الذهاب لمشاهدة حلقاتهم والسماع لأناشيدهم
_________________
(١) وهو: محمد بن علي الطائي، الحاتمي، المعروف بابن عربي، صوفي متكلم، أنكر عليه اهل مصر آراءه، فعمل بعضهم على اراقة دمه، مات بدمشق سنة: ٦٣٨ هـ. من تصانيفه: الفتوحات المكية وفصوص الحكم. ينظر: معجم المؤلفين: رضا كحالة (١١/ ٤٠)، قال عنه ابن حجر: "وقد كنت سألت شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني عن ابن عربي فبادر الجواب بأنه كافر" ينظر: لسان الميزان: ابن حجر: (٢/ ١٧٥٣).
(٢) وهو: عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحَنَفي الشعراني، وكان من أكابر مخرّفي الصوفية الذين تخرّج على أيديهم فئام من الجهلة، مات سنة: ٩٧٣ هـ. من مصنفاته: إرشاد الطالبين إلى مراتب العلماء العالمين والأنوار القدسية في معرفة آداب العبوديّة. ينظر: الأعلام: الزركلي (٤/ ١٨٠)، وينظر: موسوعة مواقف السلف: المغراوي (٨/ ٥٣٩).
(٣) وهو: محمد بن محمد الشهير بمؤمن القاشاني فاضل. من آثاره: كتاب منتخب من احياء العلوم للغزالي، مات سنة: ١٠٣٢ هـ، ينظر: معجم المؤلفين: رضا كحالة (١١/ ٣٠٥).
(٤) وهو: على بن احمد بن إبراهيم بن إسماعيل المهائمي، الدكني، الهندي، الحنفي، فقيه، متكلم، مفسر، صوفي، كان يقول بوحدة الوجود، مات سنة: ٨٣٥ هـ. من تصانيفه: الزوارف في شرح عوارف المعارف، شرح فصوص الحكم لابن عربي. ينظر: معجم المؤلفين: رضا كحالة (٧/ ٩) وينظر: الأعلام: الزركلي (٤/ ٢٥٧).
[ ١ / ٣٠ ]
وموسيقاهم، وقال له: "لا تكثر سواد المبتدعة، ولاتكن قدوة سيئة لغيرك" (^١).
وقد آلمه كثيرًا تصرفات مشايخ الطرق في دمشق وأعمالهم وادعاءاتهم وكثرة بدعهم، فشنَّع عليهم وبيَّن ضلالهم، وقد وصف ما يفعلون من منكرات أنها تضر بالدين، ففي حديثه عن مواكبهم التي كانت تخرج في الربيع، يقول: "لا تزال هذه الطوائف تبتدع أمورًا تُضحك السفهاء وتُبكي العقلاء وتحتال لمطامعها البهيمية ما جلب العار على الأمة وسلط عليها الأجنبي يهزأ بديننا ويقبح أعمالنا ظنًا منه أن ما يجريه هؤلاء الجهلة من الدين الخ" (^٢).
وكان مُتأثر بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله التي كانت سببًا لتنوير بصيرته وصفاء فؤاده.
يقول القاسمي: "إني -ولله الحمد- نشأت على حب مؤلفات شيخ الإسلام، والحرص عليها، والدعوة إليها، وأعتقد أن كل من لم يطالع فيها .. لم يشم رائحة العلم الصحيح، ولا ذاق لذة فهم العقل، وهم يعلمون ما ندعو إليه، وما نسعى لإشهاره. فطورًا يرموننا بالاجتهاد، وطورا بما قدمنا، وسيأخذ الحق بناصيتهم إن شاء الله" (^٣).
وكان يُكثر من النقل عن ابن تيمية وابن القيم في تفسيره وخصوصًا في آيات الصفات لتقرير عقيدة السلف، كما سيأتي في الحديث عن منهجه في التفسير.
ويُبين القاسمي عقيدته في أسماء الله وصفاته فيقول: "أعدل المذاهب مذهب السلف؛ فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه، وذلك أن المعطلين لم يفهموا من أسماء الله تعالى وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوقات، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فجمعوا بين التمثيل والتعطيل، فمثّلوا أولا، وعطّلوا آخرا، فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته تعالى بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، فعطلوا ما يستحقه ﷾ من الأسماء والصفات اللائقة به ﷿، بخلاف سلف الأمة، وأجلاء الأئمة، فإنهم
_________________
(١) شيخ الشام: الإستانبولي (ص: ٩١).
(٢) إصلاح المساجد: القاسمي (ص: ٢٤٨)
(٣) جمال الدين القاسمي وعصره: ظافر القاسمي (ص: ٥٩٦).
[ ١ / ٣١ ]
يصفون الله ﷾ بما وصف به نفسه، وبما وصفه نبيه من غير تحريف ولا تشبيه" (^١).
ولكنه عفا الله عنه كان مما آخر ما ألف كتاب: تاريخ الجهمية والمعتزلة الذي لم يُوَفّق لتأليفه لما تضمنه من الثناء على رأس الضلالة الجهم بن صفوان والدفاع عنه، والتشنيع على الأمير خالد بن عبد الله القسري، إضافة على ذلك أنه في هذا الكتاب رمى أهل الحديث والأثر بالتعصب المذموم، وعد الجهمية والمعتزلة من أهل الاجتهاد (^٢)، وقد فرغ من تأليفه قبل وفاته بنحو سنتين، فهو من آخر رسائله (^٣).
ونحن إذا نظرنا في مواقف السلف مع المبتدعة نجد أنهم ينهون عن مجالستهم والاستماع لهم، فكيف بمن أثنى عليهم أو دافع عنهم؟!
يقول أبو داود السجستاني قلت: لأبي عبد الله أحمد بن حنبل أرى رجلا من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟ قال: لا أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه فكلمه وإلا فألحقه به (^٤).
وقال الفضيل بن عياض (^٥): "من عظم صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام، ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله ﷿ على محمد ﷺ، ومن زوج كريمته مبتدع فقد قطع رحمها، ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع" (^٦).
_________________
(١) محاسن التأويل: القاسمي (٤/ ٥٢٢٧).
(٢) كل ذلك مبثوث في كتابه: تاريخ الجهمية والمعتزلة. وقد قام بالرد عليه الشيخ عبد الحميد الرفاعي في كتاب سماه: الصواعق المرسلة على تاريخ الجهمية والمعتزلة.
(٣) ذكر ذلك الشيخ بهجت البيطار في رسالة عزاء أرسلها إلى العلامة محمود شكري الآلوسي. ينظر: الرسائل المتبادلة بين القاسمي والآلوسي (ص: ٢٣٩).
(٤) طبقات الحنابلة: أبو يعلى (١/ ١٦٠).
(٥) وهو: أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي، الزاهد المشهور، نشأ بأبيورد وقدم الكوفة وسمع الحديث بها، ثم انتقل إلى مكة شرفها الله تعالى وجاور بها إلى أن مات في المحرم سنة ١٨٧ هـ، ينظر: وفيات الأعيان: ابن خلكان (٤/ ٤٧).
(٦) شرح السنة: البربهاري (ص: ١٣٩).
[ ١ / ٣٢ ]
وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: الذي يثني على أهل البدع ويمدحهم، هل يأخذ حكمهم؟
فأجاب: "نعم ما فيه شكٌّ، من أثنى عليهم ومدحهم هو داعٍ لهم، يدعو لهم، هذا من دعاتهم، نسأل الله العافية" (^١).
والقاسمي له مواقف وجهود عظيمة في نشر السنة وقمع البدعة وتقرير عقيدة السلف لمن اطلع على ما كتبه في كتاب إصلاح المساجد، ودلائل التوحيد، والرسائل المُتبادلة بينه وبين الآلوسي، إلا أن كتاب تاريخ الجهمية الذي ألفه يُعد نقطة سوداء في صفحاته البيضاء، فليس من العدل والانصاف أن تُنسف جهوده في تقرير عقيدة أهل السنة، بسبب ما وقع منه في هذا الكتاب.
ولعل السبب في وقوع القاسمي في مثل هذا الزلل ما يلي:
أولا: أنه قد نشأ على خلاف منهج السلف ثم تعرف عليه في وقت غربة وشدة، فكان ما وقع فيه من اللوث الذي بقي فيه، والله أعلم.
ثانيا: أنه مات شابًا فلم تمتد به الحياة ليدرك خطأه في تلك المسائل، وكان في وقت لا زالت فيه كثير من المخطوطات التي تبين الصواب والحق، فلعله لم يتمكن من الوقوف عليها.
ثالثًا: أن ما ذكره في هذا الكتاب من مسائل لم تكن العمدة في منهجه، فهو مقابل الثناء على الجهمية والمعتزلة كان ينقل عن ابن تيمية وغيره أقوالا تقضي بضلالهم وتضليلهم، دون ردٍ لهذه الأقوال.
رابعً: لم يثبت عن أحدٍ أنه نصح القاسمي بالرجوع عما كتبه في هذا الكتاب، أو أقام عليه الحجة، حتى يُحكم عليه بالتضليل والالحاق بأهل البدع.
خامسًا: أن حب القاسمي للتقريب، والاتحاد بين الفرق الإسلامية ربما هو الذي دفعه
_________________
(١) التعليق على كتاب فضل الإسلام: ابن باز (ص: ٢٩).
[ ١ / ٣٣ ]
إلى مثل هذا الثناء، لكنه أخطأ في سلوك هذا المسلك، فكم من مريد للخير لا يُصيبه، والله أعلم.
سادسًا: يحتمل أنه كان يلتمس المعاذير لأصحاب المذاهب المخالفة فيما ذهبوا إليه؛ بغية هداية أتباعهم إلى عقيدة السلف، وتحبيبهم لذلك، وهذا اجتهاد منه لا يُتابع عليه.
الخلاصة:
أن القاسمي كان على عقيدة السلف في أصول المعتقد، كما هو مقرر في مؤلفاته وكتاباته، وجهوده في نشر العلم والصبر على الأعداء، وثناء الناس عليه، إلا أنه وقع في زلل عظيم عندما ألف كتاب تاريخ الجهمية الذي خالف فيه منهج أهل السنة مع أهل البدع عفا الله عنه.