هو أبو الفرج محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر المعروف بالقاسمي، نسبة إلى جده المذكور، وهو الإمام، فقيه الشام وصالحها في عصره، الشيخ قاسم المعروف بالحلاق (^١).
ولد العلامة جمال الدين القاسمي في ضحوة يوم الاثنين لثمان خلت من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ومئتين وألف، بدمشق، وقد رآه جده المتقدم (الشيخ قاسم)، ووضعه في حجره، ودعا له بما يرجو حصول بركته (^٢).
نشأ القاسمي ﵀ في بيت عرف بالعلم والتقوى، فقد كان جده الشيخ قاسم (^٣) فقيه الشام وصالحها، وكان أبوه فقيهًا أديبًا (^٤)، وكان لا ينقطع من الدعاء لابنه، وإهدائه الكتب (^٥).
تربى في كنف والده، وقرأ القرآن على الحافظ المعمَّر الشيخ عبد الرحمن بن علي بن شهاب المصري نزيل دمشق، وكان يُعلم الأطفال في حجرة قبالة الشاذبكية (^٦) في محلة القنوات إلى أن توفي سنة (١٣١٦ هـ)، ودفن بمقبرة الدحداح، وبعد أن كبُر القاسمي حضر دروسه الفقهية والحديثية والتفسيرية كثير.
بعد أن ختم القرآن، أخذ في تعلم الكتابة عند الأستاذ الكامل، الشيخ محمود أفندي بن محمد بن مصطفى القرصي نزيل دمشق، من صُلحاء الأتراك وكرامهم، كان قاطنًا في تربة درويش باشا في القبة التي على الساباط، جوار جامع الدرويشية على الجادة، وبها كان
_________________
(١) جمال الدين القاسمي وعصره: ظافر القاسمي (ص: ٢٠)، وانظر: شيخ الشام جمال الدين القاسمي: الإستانبولي (ص: ١٥)، وانظر: الأعلام: الزركلي (٢/ ١٣٥)، وانظر: معجم المؤلفين: عمر كحالة (٣/ ١٥٧).
(٢) جمال الدين القاسمي وعصره: ظافر القاسمي (ص: ٢٢). بتصرف.
(٣) وهو قاسم بن صالح (ت: ١٢٨٤). ينظر: أعيان دمشق: محمد جميل الشطي (ص: ٢٢١).
(٤) وهو محمد سعيد القاسمي (ت: ١٣١٧). ينظر: أعيان دمشق: محمد جميل الشطي (ص: ٣٩٥).
(٥) جمال الدين القاسمي وعصره: ظافر القاسمي (ص: ٢٣). بتصرف
(٦) أشار إلى هذا الجامع محمد أسعد طلس في "تذييله على ثمار المقاصد في ذكر المساجد" لابن عبد الهادي (ص: ٢٣٠)، وذكر أن في الجامع كُتَّاب أطفال.
[ ١ / ١٩ ]
يُعلّم الأطفال وغيرهم.
فمكث عنده نحوًا من ثلاث سنين، إلى أن أتقن الخط بالقلمين (^١)، وذلك في سنة خمس وتسعين ومئتين وألف.
ثم انتقل القاسمي إلى مكتب في المدرسة الظاهرية، في إيوانها القبلي، وكان معلمه الفاضل الشيخ رشيد قزِّيها، الشهير بابن سنان. فقرأ عنده في المكتب المذكور مقدمات فنون شتى، قراءة جد واجتهاد، من توحيد وصرف ونحو، ومنطق وبيان وعَروض وغيرها
وكان القاسمي خلال ذلك شارعًا في قراءة المختصرات الفقهية والنحوية أيضًا عند والده مع طلبة كثيرين.
ثم جوَّد القرآن المجيد على شيخ القراء بالشام، الشيخ أحمد الحلواني ﵀ (^٢)، فقرأ عليه ختمة وأكثر من نصف أخرى، على رواية الإمام حفص عن عاصم عليه رحمة الله.
وكان يخرج من دار الأستاذ المذكور إلى دار الشيخ الفاضل سليم بن ياسين العطار (^٣)، لقراءة حصة من الكتب المعينة وقتئذ، وقد حضر عنده في شرح الشذور للمصنف، مع مراجعة الحواشي، وابن عقيل، وشرح القطر للفكاهي، ومختصر السعد التفتازاني، وجمع الجوامع للسبكي، وتفسير البيضاوي.
وحضر عنده في حصة وافرة من صحيح البخاري رواية، وسمع منه مجالس من البخاري أيضًا دراية.
وحضر عنده في كتب وافرة بالجامع الأموي، منها حصة من الموطأ والشفا بتمامه، ومعظم مصابيح السنة للبغوي، والجامع الصغير للسيوطي، والطريقة المحمدية للبركلي، وغيرها.
_________________
(١) أي الرقعة والفارسي.
(٢) ستأتي ترجمته.
(٣) وهو: محمد سليم بن ياسين بن حامد العطار: من أعيان دمشق وعلمائها، ومن مدرسي التفسير والحديث بها، كان الناس يتسابقون ويتزاحمون لسماع درسه في التفسير، مات سنة: ١٣٠٧ هـ ينظر: معجم المفسرين: عادل نويهض (٢/ ٥٣٤).
[ ١ / ٢٠ ]
وكتب له الشيخ إجازة عامة بجميع مروياته سنة إحدى وثلاثمائة وألف (^١).
وكان القاسمي منذ وعى على نفسه يعمل على تهذيبها، ولا يكاد يمضي عليه يوم لم يستفد منه فائدة ولم يقيد شاردة، فظهرت عليه مخايل النبوغ ولم يبلغ العشرين، فما بالك به وقد نيف على الأربعين وقارب أن يتم العقد الخمسين (^٢).