في ظل الجمود الفكري والتعصب المذهبي الذي كان يطغى على الناس في ذلك الوقت وفي بلاد الشام، رأي القاسمي أنه من الواجب عليه أن يحث الناس بالرجوع إلى الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
ومن سنة الله في خلقه أنه يبتليهم بالخصوم والأعداء كما هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله في محكم تنزيله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ﴾ [سورة الفرقان: ٣١]، فاتهموه من كان في قلبهم مرض، وابتُلوا بالبدع والمحدثات، والتعصب والأهواء، أن هذا الشيخ يعمل ضد الحكومة العثمانية وضد المذهب الحنفي، وأخذوا يُحرِّضون عليه الوالي وأرباب المناصب بأن هذا الشيخ قد أنشأ مذهبًا جديدًا وهو: "المذهب الجمالي"، فقبضت عليه الحكومة وحققت معه، ولكنه ثبت بكل شجاعة، واستطاع بفضل الله تعالى أن يرد التهمة.
وذلك أنه عندما قالوا له: بلغنا عنك أنك تريد أن تجتهد وتؤسس مذهبًا خامسًا تسمِّه بالمذهب الجمالي. قال لهم: إنني أتمنى أن تكون المذاهب الأربعة ثلاثة، والثلاثة اثنين، والاثنين واحدًا لجمع كلمتهم. فهل يُتصور أن أزيد عليها خامسًا لتفريق المسلمين وجعلهم شيعًا وأحزابًا.
[ ١ / ٢٧ ]
ارتسمت الحيرة على وجوه المفترين، ووجدوا أنفسهم أمام عالم قوي الحجة، حاضر البديهة، سريع التخلص، ولكنهم بدلا من الرجوع إلى الحق والهدى بعد ما تبين لهم، لجأوا إلى سلاح العاجز فأغروا الوالي بسجنه، فسخَّر الله له أحد المصلحين وجاء إلى دار الوالي ليلًا وأقنعه أن سجن القاسمي ظلم، وهو لم يقم ضد الحكومة، فأطلق سراحه صباحًا وأقيمت له وليمة من قبل القاضي - وكيل الوالي- دعا إليها جمع من أصحاب القاسمي ممن اتهموا معه، واعتذر إليهم مما وقع، وأن الحكومة راضية عنهم (^١).