[١/ب] الحمد لله.
* [البقرة: ٢٨]: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ بأن خلقها، وجعل فيها رواسي، وبارك فيها، وقدَّر فيها أقواتها؛ كما تبيِّنه آية حم السجدة (^١)، وسيأتي تفسيرها إن شاء الله.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي وهي دخان، فقال لها وللأرض: ائتيا طائعين؛ كما في آية حم السجدة.
﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ هو كقوله في آية [حم] السجدة: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [١٢]، وكقوله في آية النازعات: ﴿بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [٢٧ - ٢٨].
* [فصلت: ٩ - ١٢]: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾ ظاهره أنَّه سبحانه خلقها قطعة واحدة في هذين اليومين، وأنَّ خلق الجبال هو فيما بعد ذلك لقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ أي أوجد فيها الجبال بأن أمر بعضها أن يرتفع ويصلب إلى غير ذلك. وهذا وما بعده يستلزم دحوَ الأرض بمعنى بسطها.
﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ بأن جعلها صالحة لعيش الحيوانات، وتوليد المعادن، وإنبات النباتات، وغير ذلك.
﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ بأن خصَّ كلَّ قطعة بالصلاحية لتوليد معدن
_________________
(١) يعني سورة فصلت، وكذا تسمى في المصاحف الهندية.
[ ٧ / ٢٨٣ ]
خاصٍّ، وإنبات نبات خاصٍّ، ونحو ذلك، بالقدر الذي اقتضته حكمته. وهذا كلُّه قدَّره في باطن الأرض، لم يبرز منه شيء، وإنما أبرزه تعالى بعد خلق السماوات، كما سيأتي.
﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قال المفسرون: أي في تمام أربعة أيام، ليكون اليومان اللذان خلق فيهما السماء تمام ستِّ، فتوافق قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [٤].
قال صاحب «الأضداد» (^١): «فإن قال قائل: كيف يدخل يومَا الخلق في هذه الأربعة حتى يصيرا بعضَها، وقد فصَل الله اليومين من الأربعة؟
قيل له: لما كان الإرساء من الخلق، وانضمَّ إليه تقدير الأقوات؛ نُسِقَ الشيءُ على الشيء للزيادة الواقعة معه، كما يقول الرجل للرجل: قد بنيتُ لك دارًا في شهر، وأحكمتُ أساساتها، وأعليتُ سقوفها، وأكثرتُ ساجَها، ووصلتُها بمثلها في شهرين؛ فيدخل الشهر الأول في الشهرين، ويعطف الكلام الثاني على الأول لما فيه من معنى الزيادة. أنشد الفرَّاء (^٢):
فإنَّ رُشَيدًا وابنَ مروان لم يكن لِيفعلَ حتى يُصدر الأمرَ مُصْدَرا
فرُشَيد هو ابن مروان، نُسِق عليه لما فيه من زيادة المدح.
_________________
(١) يعني محمد بن قاسم الأنباري. انظر كتابه «الأضداد» (ص ١٠٩ - ١١٠).
(٢) في «معاني القرآن» (٢/ ٣٤٥) ومنه في «تفسير الطبري» - هجر (١٩/ ١٣١) و«الضرائر» لابن عصفور (ص ٧١).
[ ٧ / ٢٨٤ ]
وقال الآخر (^١):
يظنُّ سعيدٌ وابنُ عمرو بأنني إذا سامني ذُلًّا أكون به أرضى
فلستُ براضٍ عنه حتى يُنيلني كما نال غيري من فوائده خفضا
فسعيد هو ابن عمرو (^٢)، نُسِق عليه لما فيه من زيادة المدح (^٣)» هـ.
قال الشَّرْبيني (^٤): «فإن قيل: إنَّه تعالى ذكر خلق الأرض في يومين، فلو ذكر أنه خلق هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين [آخرين] كان أبعد عن الشبهة وعن الغلط، فلم ترك التصريح بذكر الكلام الجمل؟
أجيبَ بأنَّ قوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ أي استوت الأربعة استواءً لا يزيد ولا ينقص= فيه فائدة زائدة على ما إذا قال: خلقت هذه الثلاثة في يومين؛ لأنه لو قال تعالى: خلقت هذه الأشياء في يومين لا يفيد هذا الكلام كونَ اليومين مستغرقين بتلك الأعمال، لأنه قد يقال [٢/أ]: عملتُ هذا العمل في يومين، مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل، بخلافه لما ذكر خلق الأرض وخلق هذه الأشياء، ثم قال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ = دلَّ على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة في تلك الأعمال من غير زيادة ولا نقصان» هـ.
وقد يقال: كان يمكن أن يقال عند ذكر اليومين الأولين: «سواء»، ثم
_________________
(١) نقل ابن الجوزي في «زاد المسير» (٤/ ٩٥) البيت الأول.
(٢) في «زاد المسير» أنه سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان.
(٣) في مطبوعة «الأضداد»: «نُسِق عليه لأن فيه زيادة مدح».
(٤) في «السراج المنير» (٣/ ٥٩٩).
[ ٧ / ٢٨٥ ]
يقال بدل «في أربعة»: «في يومين سواءً»، فتحصل الفائدتان:
والجواب: أنَّ خلق الأرض كان في اليومين الأولين غير مستغرقين، ثم كان جعلُ الرواسي في بقية اليومين وفيما بعدهما. فلا يصح أن يقال في اليومين الأولين «سواء» لوجود النقص، ولا أن يقال بدل «أربعة أيام»: «يومين سواءً» لوجود الزيادة.
فإن قيل: فلمَ لم يقل بدل ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾: «في يومين»، ثم يقال: «فتلك أربعة سواء»؛ كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]؟
فالجواب: أنَّ هذه العبارة لا تدل على أنَّ خلق الأرض في اليومين الأولين غير مستغرقين، إلى آخر ما مرَّ، فتعيَّن للتعبير عنه ما في الآية فتأمَّلْ.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي سوَّاهن.
﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ هذان اليومان تمام الستة الأيام المذكورة في سورة السجدة وغيرها.
﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ الظاهر أنَّ هذا كان بعد انتهاء الستة الأيام.
قال في «الجلالين» (^١): «﴿أَمْرَهَا﴾ الذي أمَرَ به مَن فيها من الطاعة والعبادة».
والظاهر أنَّه أعمُّ من ذلك، وأنَّ المراد: أوحى في كلِّ سماء شأنَها الذي
_________________
(١) (ص ٤٧٨).
[ ٧ / ٢٨٦ ]