﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشًا﴾ وهو في محل النصبِ على أنَّه صفةٌ ثانيةٌ لربكم موضحة أو مادحة أو على تقدير أخُص أو أمدَح أو في محلِ الرفعِ
[ ٦٠ ]
على المدح والتعظيم بتقدير المبتدأ قال ابن مالك التُزم حذفُ الفعل في المنصوب على المدح إشعارًا بأنه إنشاء كما في المنادى وحُذف المبتدأ في المرفوع إجراءً للوجهين على سَننٍ واحد وأما كونُه مبتدأً خبرُه فلا تجعلوا كما قيل فيستدعي أن يكونَ مناطُ النهي مَا في حيزِ الصِّلةِ فقط من غيرِ أن يكون لما سلف من خلقهم وخلقِ مَنْ قبلهم مدخلٌ في ذلك مع كونه أعظمَ شأنًا وجعل بمعنى صيّر والمنصوبان بعده مفعولاه وقيل هو بمعنى خلق وانتصابُ الثاني على الحالية والظرفُ متعلقٌ به على التقديرين وتقديمُه على المفعولِ الصريحِ لتعجيل المسَرَّة ببيان كونِ ما يعقُبه من منافع المخاطبين وللتشويق إليه لأن النفسَ عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ لا سيَّما بعد الإشعار بمنفعته مترقبةً له فيتمكن لديها عند ورودِه عليها فضلُ تمكن أو لما في المؤخَّر وما عُطف عليهِ من نوع طول فلو قدُم لفات تجاوبُ أطرافِ النظم الكريم ومعنى جعلها فراشًا جعل بعضَها بارزًا من الماء مع اقتضاء طبعها الرسوبَ وجعلها متوسطةً بين الصلابة واللين صالحةً للقعود عليها والنوم فيها كالبساط المفروش وليس من ضرورة ذلك كونُها سطحًا حقيقيا فإن كرية شكلِها مع عظم جِرْمها مصححة لافتراشها وقرئ بساطًا ومِهادًا ﴿والسماء بِنَاء﴾ عطفٌ على المفعولين السابقين وتقديمُ حالِ الأرض لما أن احتياجَهم إليها وانتفاعَهم بها أكثرُ وأظهر أي جعلها قُبة مضروبةً عليكم والسماءُ اسم جنسٍ يُطلق على الواحد والمتعدد أو جمع سماوة أو سماءة والبناء في الاصل مصدرسمى به المبنيُّ بيتًا كان أو قُبةً أو خِباءً ومنه قولُهم بنى على امرأته لما أنهم كانوا إذا تزوجوا امرأةً ضربوا عليها خِباءً جديدًا ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء﴾ عطفٌ على جعل أي أنزل من جهتها أو منها إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض كما رُوي ذلك عنه ﵊ أو المرادُ بالسماء جهةُ العلو كما بنبئ عنه الإظهارُ في موضع الإضمار وهو على الأولين لزيادة التقرير ومن لابتداء الغايةِ متعلقةٌ بأنزل أو بمحذوفٍ وقعَ حالًا من المفعول أي كائنًا من السماء قُدِّم عليه لكونه نكرةً وأما تقديمُ الظرفِ على الوجه الأول مع أنَّ حقَّهُ التأخيرُ عن المفعول الصريح فإما لأن السماءَ أصلُه ومبدؤه وإما لما مر من التشويق إليه مع ما فيه من مزيد انتظامٍ بينه وبينَ قولِهِ تعالى ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ أي بسبب الماء ﴿مِنَ الثمرات رِزْقًا لَّكُمْ﴾ وذلك بأن أوْدَعَ في الماء قوةً فاعلةً وفي الأرض قوةً منفعلة فتولَّد من تفاعُلِهما أصنافُ الثمار أو بأن أجرى عادتَه بإفاضة صورِ الثمار وكيفيتها المتخالفة على المادة الممتزجة منها وإن كان المؤثرَ في الحقيقة قدرتُه تعالى ومشيئتُه فإنه تعالى قادر على أن يوجِدَ جميعَ الأشياء بلا مباد وموادَّ كما ابدع نفوس المبادي والاسباب لكن له ﷿ في إنشائها متقلبةً في الأحوال ومتبدلةً في الأطوار من بدائعَ حِكَمٌ باهرةٌ تُجَدِّدُ لأولي الأبصار عِبرًا ومزيدَ طُمَأنينة إلى عظيم قدرتِه ولطيفِ حكمتِه ما ليس في إبداعها بغتة ومن للتبعيض لقوله تعالى ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ ولوقوعها بين مُنكَّرين أعني ماءً ورزقًا كأنه قيل وأنزل من السماء بعضَ الماء فأخرج به بعضَ الثمرات ليكون بعضَ رزقكم وهكذا الواقعُ إذ لم ينزل من السماء كلُّ الماء ولا أخرج من الأرض كل الثمرات ولا جعل كلَّ المرزوق ثمارًا أو للتبيين ورزقًا مفعول بمعنى المرزوق ومن الثمرات بيانٌ له أو حال منه كقولك أنفقت من الدراهم ألفًا ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ الثمرات مفعولًا ورزقًا حالًا منه أو مصدرًا من أخرج لأنه بمعنى رزق وإنما شاع ورودُ الثمرات دون الثمار مع أن الموضع موضعُ
[ ٦١ ]
كثرة لأنه أريد بالثمرات جماعة الثمرة في قولك أدركتْ ثمرةُ بستانه ويؤيده القراءة على التوحيد أو لأن الجموعَ يقعُ بعضها موقعَ بعض كقوله تعالى ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ﴾ وقوله تعالى ﴿ثلاثة قُرُوء﴾ أو لأنها مُحلاة باللام خارجةٌ عن حد القِلة واللامُ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع صفة لرزقا على تقدير كونه المرزوق أي رزقًا كائنًا لكم أو دِعامةً لتقوية عمل رزقًا على تقدير كونِه مصدرًا كأنه قيل رزقاٍ إياكم ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا﴾ إما متعلقٌ بالأمر السابق مترتِّبٌ عليه كأنه قيل إذا أمرتم بعبادة مَنْ هذا شأنه من التفرد بهذه النعوت الجليلة والأفعال الجميلة فلا تجعلوا له شريكًا وإنما قيل أندادًا باعتبار الواقع لا لأن مدارَ النهي هو الجمعية وقرئ نِدّا وإيقاعُ الاسم الجليل موقعَ الضمير لتعيين المعبودِ بالذاتِ إثرَ تعيينه بالصفات وتعليلِ الحُكمِ بوصفِ الألوهيةِ التي عليَها يدورُ أمرُ الوحدانية واستحالةُ الشِّرْكة والإيذانِ باستتباعها لسائر الصفات وإما معطوفٌ عليهِ كما في قولِهِ تعالى اعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا والفاء للإشعار بعِلّية ما قبلها من الصفات المُجراة عليه تعالى للنهي أو الانتهاء أو لأن مآلَ النهْي هو الأمر بتخصيص العبادة به تعالى المترتبُ على أصلها كأنه قيل اعبدوه فخُصُّوها به والإظهارُ في موضعِ الإضمارِ لما مر آنفًا وقيل هو نفيٌ منصوبٌ بإضمار أن جوابًا للأمر ويأباه أن ذلك فيما يكون الأول سببًا للثاني ولا ريب في أن العبادة لا تكون سببًا للتوحيد الذي هو أصلُها ومبناها وقيل هو منصوبٌ بلعل نصبَ فَأَطَّلِعَ في قوله تعالى لَّعَلّى أَبْلُغُ الاسباب أسباب السموات فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى أي خلقكم لتتقوا وتخافوا عقابه فلا تُشْبِهوه بخلقه وحيث كان مدارُ هذا النصب تشبيهَ لعل في بُعْد المرجوِّ بليت كان فيه تنبيهٌ على تقصيرهم بجعلهم المرجوِّ القريبَ بمنزلة المتمنى البعيد وقيل هو متعلِّق بقولِه تعالى الذى جَعَلَ الخ على تقدير رفعِه على المدح أي هو الذي حفكم بهذه الآياتِ العظامِ والدلائل النيِّرة فلا تتخذوا له شركاءَ وفيه ما مر من لزوم كون خلقهم وخلقِ أسلافِهم بمعزل من مناطية النهي مع عراقتهما فيها وقيل هو خبرٌ للموصول بتأويل مَقولٍ في حقه وقد عرفتَ ما فيه مع لزوم المصير إلى مذهب الأخفش في تنزيل الاسم الظاهرِ منزلةَ الضمير كما في قولك زيدٌ قام أبو عبد الله إذا كان ذلك كنيتَه والند المثل المساوي من ندّ ندُودًا إذا نفر ونادَدْتُه خالفته خُص بالمخالف المماثل بالذات كما خص المساوي بالمماثل في المقدار وتسميةَ ما يعبده المشركون من دون الله أندادًا والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله تعالى في صفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله لما أنهم لما تركوا عبادته تعالى إلى عبادتها وسمَّوْها آلهةً شابهتْ حالُهم حالَ من يعتقد أنها ذواتٌ واجبةُ بالذات قادرة على أن تدفع عنهم بأسَ الله ﷿ وتمنحهم ما لم يُرد الله تعالى بهم من خير فتهكّمٌ بهم وشُنِّع عليهم أن جعلوا أندادًا لمن يستحيل أن يكونَ له ندٌّ واحد وفي ذلك قال موحِّد الجاهلية زيدِ بنِ عمروِ بن نفيل
أربًّا واحدًا أم ألفَ رب أدينُ إذا تقسَّمت الأمورُ
تركتُ اللاتَ والعزّى جميعا كذلك يفعل الرجلُ البصير
وقوله تعالى ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حالٌ من ضميرِ لا تجعلوا بصرف التقييد إلى ما أفاده النهي من قُبح المنهي عنه ووجوبِ الاجتنابِ عنه ومفعول تعلمون مطروحٌ بالكُلِّية كأنَّه قيل لا تجعلوا ذلك فإنه قبيحٌ واجبُ الاجتناب عنه والحال أنكم من اهل العلم بدقائق الأمورِ وإصابة الرأي أو مقدرٌ حسبما يقتضيه المقام نحو وأنتم تعلمون بطلان ذلك أو تعلمون انه لا يماثله شئ أو تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت أو
[ ٦٢ ]
البقرة (٢٣)
تعلمون أنها لا تفعل مثلَ أفعاله كما في قوله تعالى ﴿هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء﴾ أو غير ذلك وحاصلُه تنشيطُ المخاطبين وحثُّهم على الانتهاءِ عمَّا نُهوا عنْهُ هذا الذي يستدعيه عمومُ الخطاب في النهي بجعل المنهي عنه القدرَ المشتركَ المنتظِمَ لإنشاء الانتهاءِ كما هو المطلوبُ من الكفرة وللثبات عليه كما هو شأن المؤمنين حسبما مر مثلُه في الأمر وأما صرفُ التقييد إلى نفس النهي فيستدعي تخصيصَ الخطاب بالكفرة لا محالة إذ لا يتسنى ذلك بطريق قصرِ النهي على حالة العلمِ ضرورةَ شمولِ التكليفِ للعالم والجاهلِ المتمكنِ من العلم بل إنما يتأتى بطريق المبالغة في التوبيخ والتقريع بناءً على أن تعاطيَ القبائحِ من العالمِين بقُبحها أقبحُ وذلك إنما يُتصور في حق الكفرة فمَنْ صرف التقييد إلى نفس النهي مع تعميم الخطاب للمؤمنين أيضًا فقد نأى عن التحقيق إن قلت أليس في تخصيصه بالكفرة في الأمر والنهي خلاصٌ من أمثالِ ما مر من التكلفات وحسنُ انتظامٍ بين السباقِ والسياق إذ لا محيدَ في آية التحدي من تجريد الخطابِ وتخصيصُه بالكفرة لا محالة مع ما فيه من رِباء محل المؤمنين ورفع شأنهم عن جبر الانتظام في سلك الكفرة والإيذان بأنهم مستمرون على الطاعة والعبادة حسبما مر في صدرِ السورةِ الكريمةِ مستغنون في ذلك عن الأمر والنهي قلت بلى إنه وجهٌ سَرِيٌّ ونهج سوي لا يضِلُّ من ذهب إليه ولا يزِلُّ من ثبَّت قدمَه عليه فتأمل
[ ٦٣ ]