الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله ﷿ في سورة الأنبياء ﵈: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ * مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء:٤ - ٩].
يخبرنا الله ﷾ في هذه الآيات وما قبلها عن تعنت المشركين مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكيف أنهم أنكروا أن يرسل الله ﷿ بشرًا رسولًا، فربنا ﵎ يرد على هؤلاء: لو جعلنا هذا الرسول الذي تريدونه ملكًا لقضي الأمر، فلو كان ملكًا كما تريدون لقضي الأمر ولم تنظروا بعد ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩].
فكون الرسول يكون بشرًا فهذا مقتضى حكمة الله ﷾، لو لم يكن الرسول بشرًا وكان ملكًا من الملائكة كما يريدون هم، فإذًا الملك سيبلغ الرسالة وهم من خوفهم من الملك سيستجيبون مباشرة لكلامه، وهذا غير ما أراده الله ﷾، فإنه أراد أن يكتسبوا أمر الإيمان ويستشعر أحدهم أنه مؤمن مكلف، وأن الله ﷿ جعل له الاختيار هل يأخذ هذا الدين فيثاب عليه أم يتولى فيعاقب عليه يوم القيامة، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]، أي: مرتهن بكسبه في اختياره لهذه الدنيا، فالله سبحانه ﵎ خلقهم، وجعل منهم مؤمنًا، وجعل منهم كافرًا، والله عليم حكيم سبحانه بمن يستحق أن يكون مؤمنًا ومن يستحق أن يكون كافرًا.
المشركون أسروا فيما بينهم هذا الكلام، فقالوا: إن هذا كاهن، وشاعر، ويتكلم بأضغاث أحلام ليس له معنى، وكذبوا في هذا الذي يقولونه على النبي صلوات الله وسلامه عليه وقد عرفوا ذلك.
ولذلك كان الكفار عندما يجلسون يتشاورون: ماذا نقول لهذه القبائل عندما تأتي؟ فيقول بعضهم لبعض: قولوا شاعر، فيرد الآخر ويقول لهم: لقد درسنا الشعر وقلناه وسمعناه فما هو بكلام الشعراء، قالوا: إذًا نقول عنه: كاهن، فهم كانوا يقترحون أشياء ويعتقدون أن ما يقولونه كذب، فهم كذابون فيما يقولون، فلذلك ربنا ﷾ قال عن هؤلاء: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء:٥].
قال تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٦].
يعني: هم قالوا هذا الكلام وهم يعرفون أنه كذب، فعندما يطلبون الآيات مع كذبهم وتخرصهم على النبي ﷺ فأي آية يطلبون؟ وهل هناك أعظم من هذا القرآن الذي أعجبهم وعرفوا أنه حق من عند الله، ومنعهم الحسد من أن يؤمنوا بالنبي ﷺ؟
[ ٢ / ٢ ]