قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ٧ فيها
_________________
(١) ٧ سورة آل عمران، الآية: ٧.
[ ١٢٠ / ٤٦ ]
قراءتان١: قراءة من يقف على قوله: ﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾، وقراءة من لا يقف عندها٢، وكلتا القراءتين حق، ويراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله، ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره، وهو تأويله. ولا يريد مَنْ وقف على قوله: ﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾ أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى، فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلامًا لا يعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لا حظ لهم في معرفة معناها سوى قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين، والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك٣، وقد قال ابن عباس ﵄: "أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله"٤ ولقد صدق ﵁ فإن النبي ﷺ دعا له وقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" رواه البخاري وغيره٥. ودعاؤه ﷺ لا يرد. قال
_________________
(١) ١ قول المؤلف «فيها قراءتان» فيه تجوز في العبارة، والأولى أن يقول: فيها وقفان. ٢ قوله «عندها» يريد عند كلمة «العلم» انظر المكتفى في الوقف والابتدا، ص (١٩٤-١٩٧)، وعلل الوقوف (١/٣٦١-٣٦٣) تجد أنهما قد ذكرا الوقفين. ٣ انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٥/٣٥، ٣٦، ٢٣٤) (١٣/١٤٣، ١٤٤) . وقول من صحح الوقفين هو جمع بين قول من قال: بالوقف على لفظ الجلالة (الله)، وقول من قال: ليس الوقف على لفظ الجلالة. انظر القولين في معاني القرآن للفراء (١/١٩١)، وجامع البيان (٦/٢٠١، ٢٠٣)، والبحر المحيط (٢/٤٠٠)، والدر المصون (٣/٢٩) . ٤ أخرجه الطبري في جامع البيان (٦/٢٠٣) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. ٥ أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح برقم (١٤٣) بلفظ: "اللهم فقهه في الدين"، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٤٧٧) بلفظ "اللهم فقهه"، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (١/٢٦٦) بلفظ المؤلف هنا، وأخرجه ابن ماجة (١/٥٨) في المقدمة بلفظ "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب" واللفظ الذي يفيد أنه دعا له بمعرفة التأويل لم يرد في الصحيحين - حسب ما رأيت - لكن الشيخ الألباني صحح حديث ابن ماجة. انظر صحيح سنن ابن ماجة (١/٣٣) .
[ ١٢٠ / ٤٧ ]
مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس، من أوله إلى آخره، أقفه عند كل آية وأسأله عنها"١. وقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع معاني القرآن، ولم يقل عن آية: إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا الله. وقول الأصحاب - ﵏ - في الأصول: إن المتشابه الحروف المقطَّعة في أوائل السور٢،ويُروى هذا عن ابن عباس٣.مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس٤، فإن كان معناها معروفًا، فقد عُرف معنى المتشابه، وإن لم يكن معروفًا، وهي المتشابه، كان ما سواها معلوم المعنى، وهذا المطلوب.
وأيضًا فإن الله قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادين٥.
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ
_________________
(١) ١ أخرجه الطبري في جامع البيان (١/٩٠) لكن بلفظ "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أقفه عند كل آية منه وأسأله عنها" وهو من طريق محمد بن إسحاق، وقد عنعن، لكن له شاهد عند الطبري بمعناه. انظر جامع البيان (١/٩٠) . ٢ انظر أُصول السرخسي (١/١٦٩) . ٣ ذكره عنه البغوي في معالم التنزيل (١/٢٧٨)، وأسانيد البغوي إلى ابن عباس منها ما يحتج به ومنها ما لا يحتج به، وأورده أيضًا ابن الجوزي في زاد المسير (١/٣٥٠) . ٤ انظر الأية رقم (١) من سورة البقرة في هذا البحث تجد المراجع في الحاشية عند تفسير تلك الآية. ٥ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٢٥٤، ٢٥٥) وانظر المحرر الوجيز في عد آي الكتاب العزيز، ص (٦٧) وما بعدها تجد فيه ما قال المؤلف في مسألة العدد.
[ ١٢٠ / ٤٨ ]
هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١ عبارات السلف في «شهد» تدور على الحكم، والقضاء، والإعلام، والبيان، والإخبار٢. وهذه الأقوال كلها حق، لا تنافي بينها، فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه. فلها أربع مراتب. فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته. وثانيها: تكلمه بذلك، وإن لم يُعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه، ويذكرها، وينطق بها، أو يكتبها. وثالثها: أن يُعلم غيره بها بما يشهد به، ويخبره به، ويبينه له. ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمُرَه به.
فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية، والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه، وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به. فأما مرتبة العلم، فإن الشهادة تضمنتها ضرورة، وإلا كان الشاهد شاهدًا بما لا علم له به، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣ وقال ﷺ: "على مثلها فاشهد" ٤ وأشار إلى الشمس. وأما مرتبة التكلم
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ١٨. ٢ الإعلام والإخبار متقاربان. وانظر ما يؤيد كلام المؤلف في مجاز القرآن (١/٨٩)، وتهذيب اللغة (٦/٧٢، ٧٣)، ومعجم مقاييس اللغة (٣/٢٢١) «شهد»، والبحر المحيط (٢/٤١٩)، وعمدة الحفاظ (٢/٣٤٢)، والنكت والعيون (١/٣٧٩)، والجواهر الحسان (١/٣٠٢) . ٣ سورة الزخرف، الآية: ٨٦. ٤ أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/١١٠) بنحوه من حديث ابن عباس، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: واه، فعمرو قال ابن عدي كان يسرق الحديث، وابن مسمول ضعفه غير واحد. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/١٥٦) وقال: محمد بن سليمان بن مسمول هذا تكلم فيه الحميدي، ولم يرو من وجه يعتمد عليه. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/١٨) بلفظ المؤلف وقال: غريب. وأخرجه العقيلي في كتاب الضعفاء الكبير (٤/٧٠) وذكر أن هذا الحديث لا يعرف إلا من طريق المسمولي. وأورده الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، ص (٢٩٠) وقال: أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف، وصححه الحاكم فأخطأ.
[ ١٢٠ / ٤٩ ]
والخبر، فقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ ١ فجعل ذلك منهم شهادة، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة، ولم يؤدوها عند غيرهم. وأما مرتبة الإعلام والإخبار، فنوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل، وهذا شأن كل مُعْلم لغيره بأمرٍ، تارةً يعلمه به بقوله، وتارةً بفعله؛ ولهذا كان من جعل داره مسجدًا، وفتح بابها، وأفرزها بطريقها، وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها، معلمًا أنها وقف، وإن لم يتلفظ به وكذلك شهادة الرب ﷿ وبيانه وإعلامه، يكون بقوله تارةً، وبفعله أخرى، فالقول ما أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، وأما بيانه وإعلامه بفعله، فكما قال ابن كيسان٢: شهد الله بتدبيره العجيب، وأموره المحكمة عند خلقه، أنه لا إله إلا هو٣. وقال آخر٤:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
ومما يدل على أن الشهادة تكون بالفعل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ ٥ فهذه شهادة منهم على أنفسهم
_________________
(١) ١ سورة الزخرف، الآية: ١٩. ٢ لعله: محمد بن أحمد بن كيسان البغدادي النحوي، له تصانيف في القراءات والغريب والنحو (ت: ٢٩٩؟) . انظر العبر (١/٤٣٧) . ٣ أورده ابن الجوزي في زاد المسير (١/٣٦٢) منسوبًا إليه. وباختصار شديد ذكره أبو حيان في البحر (٢/٤١٩) منسوبًا إليه، وابن القيم في مدارج السالكين (٣/٤٧٣) . ٤ هو أبو العتاهية. انظر أبا العتاهية أشعاره وأخباره، ص (١٠٤)، والأغاني (٤/٣٥)، والبحر المحيط (٢/٤١٩) . ٥ سورة التوبة، الآية: ١٧.
[ ١٢٠ / ٥٠ ]
بما يفعلونه. والمقصود أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه، ودَلالتها إنما هي بخلقه وجعله. وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به، وقضى وأمر، وألزم عباده به، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ٤ وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ٥. والقرآن كله شاهد بذلك٦
لما نزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ ٧ دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال لهم: "اللهم هؤلاء أهلي" ٨.
[قوله تعالى:] ﴿ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٩وذلك؛ لأن الجهال، يقولون: ما رجع هؤلاء عن دينهم الذي
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية: ٢٣. ٢ سورة النحل، الآية ٥١. ٣ سورة التوبة، الآية: ٣١. ٤ سورة الإسراء، الآية: ٣٩. ٥ سورة القصص، الآية: ٨٨. ٦ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٤٤-٤٧) وتركت بعض ما ذكره المؤلف في الآية؛ لأن مضمونه فيما نقلت. والمؤلف أخذه من كلام ابن القيم في مدارج السالكين (٣/٤٦٩) . ٧ سورة آل عمران، الآية: ٦١. ٨ شرح العقيدة الطح اوية، ص (٧٢٦) والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه تحت رقم (٢٤٠٤) . ٩ سورة آل عمران، الآية: ٧٢.
[ ١٢٠ / ٥١ ]
صاروا إليه إلاَّ بعد أن ظهر لهم بطلانه١.
[قوله تعالى:] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ ٢ فأهانهم بترك تكليمهم، والمراد: أنه لا يكلمهم تكليم تكريم، هو٣ الصحيح٤؛ إذ قد أخبر في الآية الآخرى أنه يقول لهم في النار ﴿قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ ٥ فلو كان لا يكلم عباده المؤمنين، لكانوا في ذلك هم وأعداؤه سواء، ولم يكن في تخصيص أعدائه بأنه لا يكلمهم فائدة أصلًا٦.
وإنما تكون (من) للتبعيض إذا صلح في موضعها (بعض) كما في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ٧ فإنه يصح في موضعها بعض،
_________________
(١) ١ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٢٢١، ٢٢٢) تحقيق أنور. وانظر تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني (١/ ١٢٣)، وجامع البيان (٦/ ٥٠٧)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٣٩، ٣٤٠) تحقيق د. حكمت. تجد في هذه المؤلفات ما ذكره المؤلف هنا. ٢ سورة آل عمران، الآية: ٧٧. ٣ هكذا في النسخة المحققة التي بين يدي، ولعل الصواب: "وهو الصحيح" وقد أثبت الشيخ أحمد شاكر الواو بين قوسين. انظر تحقيقه لشرح العقيدة الطحاوية، ص (١١٥) . ٤ بهذا القول فسر الإمام الطبري الآية. انظر جامع البيان (٦/٥٢٨)، وكذلك الواحدي في الوسيط (١/٤٥٣)، وابن كثير في تفسيره (١/٣٧٦)، والبغوي في معالم التنزيل (١/٣١٩) قدمه في الذكر وحكى معه قولًا آخر بلفظ قيل. وهذا القول كما ترى من القوة بمكان. وهناك أقوال أُخر في معنى الآية: انظرها إن شئت في: بحر العلوم (١/٢٧٩)، والتفسير الكبير (٨/٩٣)، ومحاسن التأويل (٢/٧٨) . ٥ سورة المؤمنون، الآية: ١٠٨. ٦ شرح العقيدة الطحاوية، ص (١٧٨) . ٧ سورة آل عمران، الآية: ٩٢.
[ ١٢٠ / ٥٢ ]
وقد قُرئ شاذًا ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ١.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣ وأما الحياة التي اختص بها الشهيد، وامتاز بها عن غيره فهي أن الله تعالى جعل أرواحهم في أجواف طير خضر، كما في حديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لما أصيب إخوانكم - يعني يوم أحد - جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مذللة٤ في ظل العرش" الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود٥، وبمعناه في حديث ابن مسعود، رواه مسلم٦. فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله ﷿ حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبدانًا خيرًا منها، تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون تنعمها بواسطة تلك الأبدان، أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها. ولهذا كانت نسمة المؤمن في
_________________
(١) ١ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٧٠٥، ٧٠٦) تحقيق عبد الحكيم. وانظر الكشاف (١/٤٤٥)، والبحر (١/٥٤٦)، والدر المصون (٣/٣١٠) فقد ذكروا معنى (مِنْ) واحتجوا عليها بالقراءة بمثل ما فعل المؤلف هنا، إلا أن السمين قال: وهذه عندي ليست قراءة، بل تفسير معنى قلت: وإذا كانت قراءة فهي قراءة شاذة. ٢ سورة آل عمران، الآية: ١٦٩. ٣ سورة البقرة، الآية: ١٥٤. ٤ مذلَّلة يعني: مدلاه. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/١٦٦) «ذلل» . ٥ المسند (١/٢٦٥، ٢٦٦)، وسنن أبي داود برقم (٢٥٢٠)، وتفسير الطبري برقم (٨٢٠٥)، ومستدرك الحاكم (٢/٩٧) كلهم من حديث ابن عباس ﵄. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. ٦ صحيح مسلم الحدث رقم (١٨٨٧) .
[ ١٢٠ / ٥٣ ]
صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير١.
_________________
(١) ١ انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥٨٦، ٥٨٧) .
[ ١٢٠ / ٥٤ ]
.. قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١ المراد به النكاح الذي هو ضد السفاح، ولم يأت في القرآن النكاح المراد به الزنا قط، ولا الوطء المجرد عن عقد٢.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٣ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا إلى أوطاس٤ فلقي عدوًا لهم فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا سبايا، وكأن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله ﷿ ذلك ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٥.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٦ المراد استطاعة الآلات والأسباب. ومن ذلك قوله ﷺ لعمران
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٢٢. ٢ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٥٩٨، ٥٩٩) تحقيق عبد الحكيم. وانظر معاني القرآن وإعرابه (٤/٢٩) فقد ذكر الزجاج ما يفيد أن النكاح يطلق ويراد به الأمرين التزويج والوطء إلا أنه استبعد أن يراد به مطلق الوطء. وانظر أيضًا معاني القرآن الكريم (٤/٤٩٨) . والمؤلف يريد أن يرد على الذين يقولون بتحريم من غشيها الأبُ على الابن زنًا. وهي مسألة اختلف فيها العلماء على قولين. انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/٥٢-٥٤)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٢/ ٣٨٣ - ٣٩١)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٦٩) . ٣ سورة النساء، الآية: ٢٤. ٤ أوطاس: واد بديار هوازن. انظر ترتيب القاموس (٤/٦٢٨) «وطس» . ٥ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٦٤٨، ٦٤٩) تحقيق عبد الحكيم، وأشار المؤلف إلى هذا أيضًا في ص (٧٥٥) وهذا السبب أخرجه الإمام مسلم في صحيحه برقم (١٤٥٦) . ٦ سورة النساء، الآية: ٢٥.
[ ١٢٠ / ٥٥ ]
.. قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١ المراد به النكاح الذي هو ضد السفاح، ولم يأت في القرآن النكاح المراد به الزنا قط، ولا الوطء المجرد عن عقد٢.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٣ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا إلى أوطاس٤ فلقي عدوًا لهم فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا سبايا، وكأن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله ﷿ ذلك ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٥.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٦ المراد استطاعة الآلات والأسباب. ومن ذلك قوله ﷺ لعمران
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٢٢. ٢ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٥٩٨، ٥٩٩) تحقيق عبد الحكيم. وانظر معاني القرآن وإعرابه (٤/٢٩) فقد ذكر الزجاج ما يفيد أن النكاح يطلق ويراد به الأمرين التزويج والوطء إلا أنه استبعد أن يراد به مطلق الوطء. وانظر أيضًا معاني القرآن الكريم (٤/٤٩٨) . والمؤلف يريد أن يرد على الذين يقولون بتحريم من غشيها الأبُ على الابن زنًا. وهي مسألة اختلف فيها العلماء على قولين. انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/٥٢-٥٤)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٢/ ٣٨٣ - ٣٩١)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٦٩) . ٣ سورة النساء، الآية: ٢٤. ٤ أوطاس: واد بديار هوازن. انظر ترتيب القاموس (٤/٦٢٨) «وطس» . ٥ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٦٤٨، ٦٤٩) تحقيق عبد الحكيم، وأشار المؤلف إلى هذا أيضًا في ص (٧٥٥) وهذا السبب أخرجه الإمام مسلم في صحيحه برقم (١٤٥٦) . ٦ سورة النساء، الآية: ٢٥.
[ ١٢٠ / ٥٥ ]
ابن حصين: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" ١ وإنما نفى استطاعة الفعل معها٢.
قوله تعالى: ﴿ لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٣ الاستثناء هنا منقطعًا٤.
قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٥نزلت في أصحاب رسول ﷺ حين قدَّموا رجلًا منهم في الصلاة، فصلى بهم وترك في قرآنه ما غير المعنى٦.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٧ قال عمر بن الخطاب ﵁ وغيره: الجبت: السحر٨.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح الحديث رقم (١١٧) . ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٦٣٤، ٦٣٥) ويعني المؤلف بقوله "وإنما نفى استطاعة الفعل معها" أن الآلات والأسباب توجد ولا يستطيع الإنسان أن يقوم بالفعل، لمانع كالمرض ونحو ذلك. ٣ سورة النساء، الآية: ٢٩. ٤ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٦٨) تحقيق أنور. وما ذكره المؤلف في الاستثناء هو أصح الوجهين. انظر التبيان في إعراب القرآن (١/ ٣٥١)، والدر المصون (٣/ ٦٦٣) ويكون المعنى: ولكن أقصدوا كون تجارة عن تراض منكم. انظر الكشاف (١/ ٥٥٢)، أو يكون المعنى: لكن إن كانت تجارة فكلوها. انظر المحرر الوجيز (٤/ ٩١) . ٥ سورة النساء، الآية: ٤٣. ٦ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (١٢٧) تحقيق أنور. وهذا السبب أخرجه أبو داود في سننه برقم (٣٦٧١)، وابن جرير في التفسير برقم (٩٥٢٤)، والحاكم في المستدرك (٢/٣٣٦) كلهم أخرجوه من رواية علي بن أبي طالب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الأسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح. ٧ سورة النساء، الآية: ٥١. ٨ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٧٦٢)، والأثر أخرجه الطبري في جامع البيان برقم (٩٧٦٦)، قال حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد قال: قال عمر ﵀: الجبت السحر وذكره البخاري معلقًا فقال: وقال عمر: الجبت السحر. انظر صحيحه مع الفتح (٨/٢٥١) كتاب التفسير، باب ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ . وقال الحافظ في الفتح (٨/٢٥٢): وصله عبد بن حميد في تفسيره، ومسدد في مسنده، وعبد الرحمن بن رستة في كتاب الإيمان كلهم من طريق أبي إسحاق عن حسان بن فائد عن عمر مثله، وإسناده قوي. وقد وقع التصريح بسماع أبي إسحاق له من حسان، وسماع حسان من عمر في رواية رستة. وهذا التفسير أيضًا أخرجه الطبري في جامع البيان (٨/٤٦٢) عن مجاهد والشعبي. وذكر ابن كثير في تفسيره (١/٥١٣) أنه رُوي عن ابن عباس، وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي. وانظر الدر المنثور (٢/١٧٢)، فقد أورده وذكر من أخرجه عن عمر. وهناك أقوال كثيرة في معنى «الجبت والطاغوت» ساقها ابن جرير في تفسيره (٨/٤٦١-٤٦٥) ثم اختار أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظَّم من دون الله فيدخل في ذلك جميع الأقوال التي قيلت. ونقل هذا الاختيار الحافظ في الفتح (٨/٢٥٢) مقرًا له. وقال الجوهري في الصحاح ١/٢٤٥ «جبت»: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/٥١٣) كالراضي عنه المرجح به.
[ ١٢٠ / ٥٦ ]
.. قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ١ كيف قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ولم يقل (وأطيعوا أولي الأمر منكم)؟؛ لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول؛ لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر، فقد يأمر بغير طاعة الله فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله٢.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٥٩. ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥٤٢، ٥٤٣) وهذه النكتة التي ذكرها في عدم إعادة العامل مع أولي الأمر ذكر نحوها الطيبي في فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (١/١٢٨) ونقلها عنه القاسمي في محاسن التأويل (٢/٣٦١) ونحو هذا من النكتة في عدم إعادة العامل مع أولي الأمر قال أيضًا برهان الدين البقاعي في نظم الدرر (٥/٣١٠) .
[ ١٢٠ / ٥٧ ]
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ والمراد بالرد إلى الله الرد إلى كتابه، وبالرد إلى الرسول الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته١.
قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢ أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يُحكِّموا نبيه، ويرضوا بحكمه، ويسلموا تسليمًا٣.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ٤ فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وبين قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾؟. قيل: قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الخِصب والجدب، والنصر والهزيمة، كلها من عند الله، وقوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾: أي ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك، كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٥ يدل على ذلك ما
_________________
(١) ١ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٥٤٤، ٥٤٥) (تحقيق أنور)، والاتباع، ص (٣١) وهذا التفسير قاله الطبري في جامع البيان (٨/٥٠٤، ٥٠٥) وأسنده إلى بعض التابعين. ٢ سورة النساء، الآية: ٦٥. ٣ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٢٤٢)، ومعنى ما قال المؤلف هنا في كثير من كتب التفسير، منها تفسير القرآن العظيم (١/٥٢١)، والجواهر الحسان (١/٤٦١)، وبدائع التفسير (٢/٣٢) . ٤ سورة النساء، الآية: ٧٨، ٧٩. ٥ سورة الشورى، الآية ٣٠.
[ ١٢٠ / ٥٨ ]
رُوي عن ابن عباس ﵄: أنه قرأ: "وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وأنا كتبتها عليك"١. والمراد بالحسنة - هنا - النعمة، وبالسيئة البلية٢، في أصح الأقوال.
وقد قيل: الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية٣. وقيل: الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد٤. والقول الأول شامل لمعنى القول الثالث. والمعنى الثاني ليس مرادًا دون الأول - قطعًا - ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدَّر، فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى، فتكون من سيئات الجزاء، مع أنها من سيئات العمل، والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، كما دل على ذلك الكتاب والسنة٥.
_________________
(١) ١ انظر معالم التنزيل (١/٤٥٤، ٤٥٥) فهو نقل البغوي بحروفه، إلا بعض الكلمات فالمؤلف أخذه منه، أو أخذه ممن أخذه منه. وأثر ابن عباس أخرجه البغوي في معالم التنزيل ١/٤٥٥، من طريق مجاهد عن ابن عباس. وفي سنده مسلم بن خالد الزنجي فقيه صدوق كثير الأوهام. انظر التقريب الترجمة رقم (٦٦٢٥) . وأورد الأثر السيوطي في الدر المنثور (١/١٨٥)، ونسب إخراجه لابن المنذر. وأورده أيضًا عن مجاهد، قال: هي في قراءة أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود، ونسب إخراجه لابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف. ولا تصح هذه الرواية؛ لأن مجاهدًا لم يدرك أبيًا ولا ابن مسعود. ٢ انظر النكت والعيون (١/٥٠٨) فقد أورد هذا القول الماوردي، ونسبه لبعض البصريين. ٣ انظر جامع البيان (٨/٥٥٩) فقد أخرجه الطبري عن أبي العالية. وذكره الماوردي في النكت والعيون (١/٥٠٩) منسوبًا لأبي العالية. ٤ أخرجه الطبري في جامع البيان (٨/٥٥٨)، من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/١٠١٠) . وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها الماوردي كلها من غير ترجيح. انظر النكت والعيون (١/٥٠٨، ٥٠٩) . ٥ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥١٥، ٥١٦) . وانظر الحسنة والسيئة لشيخ الإسلام، ص (٢٢-٢٥) ويبدو أن المؤلف أخذ أقوال المفسرين مع ما بعد ذلك من الجمع من هذا الكتاب.
[ ١٢٠ / ٥٩ ]
وفي قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ من الفوائد: أن البد لا يطمئن إلى نفسه ولا يسكن إليها، فإن الشر كامن فيها، لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساؤوا إليه، فإن ذلك من السيئات التي أصابته، وهي إنما أصابته بذنوبه، فيرجع إلى الذنوب، ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله، ويسأل الله أن يعينه على طاعته. فبذلك يحصل له كل خير، ويندفع عنه كل شر؛ ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١. فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر، لا في الدنيا ولا في الآخرة٢.
قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ ٣ أي على القاعدين من أولي الضرر٤، بدليل قول الله تعالى: ﴿وَكُلاَّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الفاتحة، الآية: ٦، ٧. ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥١٨، ٥١٩) ومن قوله: "وفي قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ " إلى أخر الكلام منقول من كتاب الحسنة والسيئة لشيخ الإسلام، ص (٨٣) . ٣ سورة النساء، الآية: ٩٥. ٤ انظر جامع البيان (٩/ ٩٥)، والمحرر الوجيز (٤/٢٢١) فقد فسّر ابن جرير الآية به ولم يذكر غيره، ونقله ابن عطية أيضًا. وذكر ابن الجوزي في زاد المسير (٢/١٧٤) قولين في الآية. هذا الذي ذكره المؤلف. والثاني: أن التفضيل بالدرجة على القاعدين من غير ضرر. وأرجح القولين ما ذهب إليه المؤلف، لما ذكر، ولأن الله ذكر في أخر الآية التفضيل على القاعدين من غير عذر بقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ انظر زاد المسير (٢/١٧٥) . ٥ التنبيه على مشكلات الهداية ص (٢٢٠، ٥٥٦) تحقيق أنور.
[ ١٢٠ / ٦٠ ]
..قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ١ المراد هو، أو من يقوم مقامه، كما في قوله تعالى٢: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٣.
في المسند أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ٤ قال أبو بكر يا رسول الله نزلت قاصمة الظهر، وأيُّنا لم يعمل سوءًا؟. فقال "يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست يصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به" ٥.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ١٠٢. ٢سورة التوبة، الآية: ١٠٣. ٣ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٣٣٢) تحقيق عبد الحكيم. والمؤلف يريد أن يرد بهذا التفسير على قول من قال: إن صلاة الخوف لا تُصلى بعد النبي صلى الله عليه وسلمبإمام واحد وإنما تُصلى بإمامين. انظر أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٢٣٧)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٩٣) . ٤ سورة النساء، الآية: ١٢٣. ٥ شرح العقيدة الطحاوية ص، (٤٥٣، ٤٥٤) والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/١١)، وابن جرير في التفسير برقم (١٠٥٢٣)، وأبو يعلى في مسنده (١/٩٧، ٩٨)، وابن حبان في صحيحه مع الإحسان (٧/١٧٠، ١٧١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/١٠٧١)، والحاكم في المستدرك (٣/٧٨)، والبيهقي في السنن (٣/٣٧٣)، كلهم من طريق أبي بكر بن أبي زهير، عن أبي بكر الصديق. والحديث قال عنه الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتابعه الذهبي فقال: صحيح. انظر الموضع المتقدم من المستدرك. ومع ذلك فقد أعله كل من حقق الكتب السابقة بالانقطاع. فإن أبا بكر بن أبي زهير لم يدرك أبا بكر الصديق ﵁. وهو كما قالوا فإن الحافظ ابن حجر قد نص على أنه أرسل عن أبي بكر الصديق ﵁. انظر تهذيب التهذيب (١٢/٢٤) . وانظر أيضًا تقريب التهذيب برقم (٧٩٦٥) . وللحديث شاهد في صحيح مسلم برقم (٢٥٧٤) من حديث أبي هريرة ﵁. وكذلك له أكثر من شاهد عند ابن أبي حاتم في تفسيره انظر منه (٩/٢٤٤-٢٤٦) . قال شعيب الأرنؤوط: الحديث صحيح بطرقه وشواهده. انظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (٧/١٧١) حاشيته. وقد عد شيخ الإسلام هذا الحديث مما استفاض من وجوه متعددة. انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٤/٤٢٧) .
[ ١٢٠ / ٦١ ]
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ١ الخلة كمال المحبة٢، وأنكرت الجهمية٣ حقيقة المحبة من الجانبين، زعمًا منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمُحْدَث توجب المحبة٤.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ٥ شهادة المرء على نفسه هي إقراره بالشيء٦ ليس إلا، وليس المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا، بل من أقر بشيء فقد شهد على
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ١٢٥. ٢ انظر الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص (١٩٩)، وانظر محاسن التأويل (٢/٥٠١) . ٣ الجهمية فرقة ضالة، تُنسب إلى جهم بن صفوان السمرقندي، الضال المبتدع، قتله سلم بن أحوز المازني سنة ١٢٨؟. انظر في شأن هذه الفرقة ومؤسسها مقالات الإسلاميين، ص (٢٧٩، ٢٨٠)، والفرق بين الفرق، ص (٢١١)، والملل والنحل، ص (٨٦) . ٤ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣٩٤) . وانظر الكشاف (١/٥٦٦) فقد أوَّل الزمخشري المحبة فقال: "مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله". وانظر نكت القرآن الدالة على البيان (١/٢٤١، ٢٤٤) تجد فيه نسبة هذا القول إلى الجهمية والرد عليه. ٥ سورة النساء، الآية: ١٣٥. ٦ انظر جامع البيان (٩/٣٠٢) فقد فسَّره الطبري بما قاله المؤلف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/١٠٨٧) عن سعيد بن جبير. وبهذا فسّره غير من ذكرت، انظر مثلًا النكت والعيون (١/٥٣٥)، والوسيط (٢/١٢٦)، ومعالم التنزيل (١/٤٨٩)، والمحرر الوجيز (٤/٢٧٩)، وتفسير القرآن للسمعاني (١/٤٨٨) وذكر الرازي قولًا ثانيًا في معنى الآية، حاصله أن المراد وإن كانت الشهادة وبالًا على أنفسكم وأقاربكم وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم وغيره. انظر التفسير الكبير (١١/٥٨) . قلت: والمعتمد في معنى الآية ما ذكره المؤلف.
[ ١٢٠ / ٦٢ ]
نفسه به١.
_________________
(١) ١ انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣١٥) وأورد هذا التفسير أيضًا في التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٣٨٥) تحقيق أنور.
[ ١٢٠ / ٦٣ ]