روى عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ ٣ قال: ولم يستطع أن يقول: من فوقهم؛ لأنه قد علم أن الله سبحانه من فوقهم٤.
_________________
(١) ٣ سورة الأعراف، الآية: ١٧. ٤ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣٧٩) . والأثر أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/٣٩٦) من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة. وإبراهيم هذا ضعيف. انظر التقريب برقم (١٦٦) . وأبوه قال عنه الحافظ ابن حجر صدوق عابد وله أوهام. التقريب برقم (١٤٣٨) . وأخرجه الطبري في تفسيره برقم (١٤٣٨٢) عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ "ولم يقل من فوقهم؛ لأن الرحمة تنزل من فوقهم" وفي سند الطبري حفص بن عمر العدني ضعيف. انظر التقريب برقم (١٤٢٠) . والأثر أورده ابن قدامة في إثبات صفة العلو ص (١٠٦) بسند اللالكائي ولفظه، وأورده السيوطي في الدر المنثور (٣/٧٣) وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير واللالكائي.
[ ١٢٠ / ٧٥ ]
.. قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ ١كيف استوى؟ فقال٢: الاستواء معلوم والكيف مجهول٣. ويُروى هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا٤ ومرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم٥.
قال تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ ٦ يخبر سبحانه أنه استخرج ذريّة بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو.
وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ﵇، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين، وإلى أصحاب الشمال، وفي بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم٧.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ٥٤. ٢ يعني الإمام مالكًا رحمه الله تعالى. ٣ أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/٣٩٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/١٥٠) من طريق عبد الله بن وهب. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٣/٩١)، وعزى إخراجه إلى اللالكائي والبيهقي. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/٤٠٧): بسند جيد. يعني سند البيهقي. ٤ أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/٣٩٧)، وأورده السيوطي في الدر (٣/٩١) ونسب أخراجه إلى ابن مردويه واللالكائي. وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوي (٥/٣٦٥): وقد رُوي هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه. ٥ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣٧٢، ٣٧٣) وأشار إلى قول مالك أيضًا في ص (٩٦) . ٦ سورة الأعراف، الآية: ١٧٢. ٧ قول المؤلف: "وقد وردت أحاديث الخ" هو كلام شيخه ابن كثير في تفسيره (٢/٢٦٢) .
[ ١٢٠ / ٧٦ ]
فمنها: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان١ يعني عرفة أخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قُبُلًا ٢ قال: ﴿ألست بربكم قالوا: بلى، شهدنا﴾ .. إلى قوله: ﴿المبطلون﴾ . ورواه النسائي أيضًا، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه٣.
وروى الإمام أحمد أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه سُئل عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها، فقال: "إن الله خلق آدم ﵇، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون" فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال رسول الله ﷺ: "إن الله ﷿ إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل
_________________
(١) ١ نَعْمَان: بالفتح ثم سكون وآخره نون، هو واد بين مكة والطائف، بين أدناه ومكة نصف ليلة في قول الأصمعي. انظر معجم البلدان (٥/٣٣٩) . ٢ أي: عيانًا ومقابلةً، لا من وراء حجاب، ومن غير أن يولي أمرهم أو كلامهم أحدًا من ملائكته. انظر النهاية في غريب الحديث (٤/٨) "قبل". ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/٢٧٢)، والنسائي في التفسير (١/٥٠٦) وابن جرير في تفسيره برقم (١٥٣٣٨)، والحاكم في المستدرك (٢/٥٩٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/٢٥): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقد رجح الإمام ابن كثير في تفسيره (٢/٢٦٢) وقف هذا الحديث على ابن عباس. وناقش حكمه هذا الشيخان الفاضلان أحمد شاكر والألباني بما يفيد أن الحديث قد ثبت مرفوعًا، وأن الروايات الموقوفة لا تقدح في رفعه. انظر جامع البيان (١٣/٢٢٣) حاشيته. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/١٥٨-١٦٢) .
[ ١٢٠ / ٧٧ ]
الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخل به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار". ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن حبان في صحيحه١.
وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا٢ من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك؟ فرأى رجلًا منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي ربِّ من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له: داود، قال: ربِّ كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: أي ربِّ زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم، جاء ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال فجحد فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخطىء آدم، فخطئت ذريته". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه٣.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/٤٤، ٤٥)، وأبو داود في سننه برقم (٤٧٠٣)، والترمذي في سننه برقم (٣٠٧٥) وقال: هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر. وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلًا مجهولًا. وأخرجه النسائي في تفسيره (١/٥٠٤) وقال محققه: إسناده ضعيف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/١٦١٢)، وابن حبان في صحيحه مع الإحسان برقم (٦١٦٦) . وقال محققو المسند: (١/٤٠٠) صحيح لغيره. ٢ الوبيص البريق. انظر النهاية في غريب الحديث (٥/١٤٦) "وبص". ٣ أخرجه الترمذي في سننه برقم (٣٠٧٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/٣٥٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرك مسلم ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط مسلم. وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في السنة برقم (٢٠٥، ٢٠٦) مختصرًا. وأخرجه ابن حبان في صحيحه مع الإحسان برقم (٦١٦٧) .
[ ١٢٠ / ٧٨ ]
وروى الإمام أحمد أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم، قال: فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيت إلا أن تشرك بي". وأخرجاه في الصحيحين أيضًا١.
وفي ذلك أحاديث أُخر أيضًا كلها دالَّةٌ على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل النار وأهل الجنة٢
وأما الإشهاد عليهم هناك، فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمرو ﵃. ومن ثَمَّ قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه٣.
ومعنى قوله "شهدنا": أي قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا. وهذا قول ابن عباس٤ وأبي بن كعب٥. وقال ابن عباس أيضًا: أشهد بعضهم على بعض٦.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/١٢٧)، والبخاري في صحيحه مع الفتح برقم (٣٣٣٤)، ومسلم في صحيحه برقم (٢٨٠٥) . ٢ قول المؤلف: "وفي ذلك الخ" نحوه قال ابن كثير في تفسيره (٢/٢٦٥) . ٣ قول المؤلف: (وأما الإشهاد عليهم الخ" هو كلام شيخه ابن كثير في تفسيره (٢/٢٦٥) . ٤ أخرجه ابن جرير في جامع البيان برقم (١٥٣٤٠) وقال محمود شاكر: بإسناد صحيح. ٥ أخرجه ابن جرير في جامع البيان برقم (١٥٣٦٣) وقال محمود شاكر: إسناده صحيح. ٦ أخرجه ابن جرير في جامع البيان برقم (١٥٣٣٩) ضمن أثر عن ابن عباس وفيه "وأشهدهم على أنفسهم". وقال محمود شاكر: إسناده صحيح.
[ ١٢٠ / ٧٩ ]
وقيل: "شهدنا" من قول الملائكة، والوقف على قوله "بلى". وهذا قول مجاهد والضحاك والسدي١. وقال السدي أيضًا: هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم٢.والأول أظهر، وما عداه احتمال لا دليل عليه، وإنما يشهد ظاهر الآية للأول٣.
واعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن الله استخرج ذرية آدم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، كالثعلبي والبغوي٤ وغيرهما.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير في جامع البيان من طريق مجاهد والضحاك في حديث مرفوع برقم (١٥٣٥٤) وشيخ الطبري (عبد الرحمن بن الوليد الجرجاني) لم أقف له على ترجمة، وكذلك قال الشيخ محمود شاكر. وقد تكلم ابن كثير على هذا الحديث في تفسيره (٢/٢٦٣) وقال وقفه أصح. ٢ أخرجه ابن جرير في جامع البيان برقم (١٥٣٧٣) بإسناد رجاله ثقات غير شيخ الطبري فلم أقف له على ترجمة أجزم فيها بأنه شيخ الطبري. وقد قال أحمد شاكر: وما بنا من حاجة إلى ترجمته من جهة الجرح والتعديل، فإن هذا التفسير الذي يرويه عن عمرو بن حماد معروف عند أهل العلم بالحديث، وما هو إلا رواية كتاب، لا رواية حديث بعينه. انظر جامع البيان (١/١٥٦) حاشيته. ٣ يعني بالأول قول ابن عباس: إن بني آدم قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا. ويؤيد صحة هذا القول أن جميع الأقوال الأُخر لم تسلم أسانيدها من علة، غير قول ابن عباس الآخر: أشهد بعضهم على بعض، فهو موافق لهذا القول بحمد الله؛ لأن شهادة بعضهم على بعض تفيد أنهم هم الذين شهدوا على أنفسهم بأن الله ربهم. وقد ذكر السجاوندي في علل الوقوف (٢/٥٢٢، ٥٢٣) وقفين، الأول: على (شهدنا)، والثاني: على (بلى) ووصف الثاني بالبعد. قلت: قَوْلَيْ ابن عباس مع من وافقه تتركب على الوقف الأول. وبقية الأقوال تتركب على الوقف الثاني. ٤ انظر الكشف والبيان (٤/٥٤) مخطوط، صورة مكروفلم بالجامعة الإسلامية برقم (٩٧٨٦)، ومعالم التنزيل (٢/٢١١، ٢١٢) وممن اقتصر على هذا القول شيخ المفسرين ابن جرير، والنسائي، وابن أبي حاتم، وهود بن محكم، وأبو جعفر النحاس. انظر مؤلفات هؤلاء على الترتيب: جامع البيان (١٣/٢٢٢-٢٤٩)، وتفسير النسائي (١/٥٠٤-٥٠٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (٥/١٦١٢-١٦١٥)، وتفسير كتاب الله العزيز (٢/٥٨)، ومعاني القرآن الكريم (٣/١٠١، ١٠٣) .
[ ١٢٠ / ٨٠ ]
ومنهم من لم يذكره، بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها الله فيهم، كالزمخشري١ وغيره.
ومنهم من ذكر القولين، كالواحدي والرازي والقرطبي٢ وغيرهم، لكن نسب الرازي القول الأول إلى أهل السنة، والثاني إلى المعتزلة٣. ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم٤، وإنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض الأحاديث، وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة، وبعضهم إلى النار، كما في حديث عمر ﵁، وفي بعضها الأخذ وإراءة آدم إيّاهم من غير قضاء ولا إشهاد، كما في حديث أبي هريرة. والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها أهل القول الأول موقوف على ابن عباس وابن عمرو٥،
_________________
(١) ١ انظر الكشاف (٢/١٢٩) . وانظر أيضًا أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (١/٣٧٦)، ومدارك التنزيل للنسفي (٢/٨٥)، وإرشاد العقل السليم لأبي السعود (٣/٢٩٠) فإن هؤلاء لم يذكروا إلا هذا القول. ٢ انظر الوسيط (٢/٤٢٤-٤٢٦)، والتفسير الكبير (١٥/٣٩، ٤١)، والجامع لأحكام القرآن (٧/٣١٤)، وممن ذكر القولين أيضًا السمرقندي في تفسير القرآن (١/٥٧٩، ٥٨٠)، وابن عطية في المحرر الوجيز (٧/١٩٨، ٢٠٠) . ٣ انظر التفسير الكبير (١٥/٣٩، ٤١) فقد نسب الأول للمفسرين وأهل الأثر، والثاني لأصحاب النظر وأرباب المعقولات. وهو معنى ما نسب إليه المؤلف. ٤ انظر التوفيق بين الآية والحديث في التفسير الكبير (١٥/٤٣)، ولباب التأويل (٢/٣١٠) . ٥ أما حديث ابن عباس فقد تقدم الكلام عليه، وأنه قد ثبت مرفوعًا. وأما حديث عبد الله ابن عمرو فأخرجه ابن جرير في تفسيره برقم (١٥٣٥٤) ورقم (١٥٣٥٥) ورقم (١٥٣٥٦) الأول منها مرفوعًا، والآخران موقوفان. وتكلم ابن جرير عليه وكذلك ابن كثير بما يفيد عدم صحة رفعه. انظر جامع البيان (١٣/٢٥٠) وتفسير القرآن العظيم (٢/٢٦٣) .
[ ١٢٠ / ٨١ ]
بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك إلى آخر كلامه١.
وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول حديث أنس المخرج في الصحيحين، الذي فيه: "قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي" ٢.
ولكن قد رُوي من طريق أُخرى: "قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إلى النار" ٣. وليس فيه (في ظهر آدم) وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم على الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول. بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين:
أحدهما: كون الناس تكلموا حينئذ، وأقروا بالإيمان، وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يوم القيامة.
والثاني: أن الآية دلت على ذلك، والآية لا تدل عليه لوجوه:
أحدها: أنه قال: ﴿من بني آدم﴾، ولم يقل: من آدم.
الثاني: أنه قال: ﴿من ظهورهم﴾ ولم يقل: من ظهره، وهذا بدل بعض، أو بدل اشتمال٤، وهو أحسن.
الثالث: أنه قال: ﴿ذريتهم﴾ ولم يقل: ذريته.
الرابع: أنه قال: ﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾ أي جعلهم شاهدين على أنفسهم، ولابد أن يكون الشاهد ذاكرًا لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار، كما تأتي الإشارة إلى ذلك، لا يذكر شهادة قبله.
_________________
(١) ١ انظر المرجع نفسه (٧/٣١٤-٣١٦) . ٢ تقدم تخريجه قريبًا. ٣ انظر فتح الباري (١١/٤٠٣) فقد قال الحافظ: "في رواية ثابت (قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل فيؤمر به إلى النار") . ٤ انظر الدر المصون (٥/٥١١) .
[ ١٢٠ / ٨٣ ]
الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم، لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿إنا كنا عن هذا غافلين﴾ والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فُطروا عليها، كما قال تعالى: ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ ١.
السادس: تذكيرهم بذلك، لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿إنا كنا عن هذا غافلين﴾، ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم، وإشهادهم جميعًا ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم.
السابع: قوله تعالى: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم﴾ ٢ فذكر حكمتين في هذا الأخذ والإشهاد: ألا يدعوا الغفلة، أو يدعوا التقليد، فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره. ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا على ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة.
الثامن: قوله: ﴿أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ ٣ أي: لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل، لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه، وقد أخبر سبحانه٤ أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ١٦٥. ٢ سورة الأعراف، الآية: ١٧٣. ٣ سورة الأعراف، الآية: ١٧٣. ٤ في قوله تعالى: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون﴾ سورة الأنعام، الآية: ١٣١.
[ ١٢٠ / ٨٤ ]
التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليه بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ ١، فهذه هي الحجة التي أشهدهم على أنفسهم بمضمونها، وذكرتهم بها رسله، بقولهم: ﴿أفي الله شك فاطر السماوات والأرض﴾ ٢.
العاشر: أنه جعل هذا آية، وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها، بحيث لا يتخلف عنها المدلول، وهذا شأن آيات الرب تعالى، فإنها أدلة معينة على مطلوب معين، مستلزمة للعلم به فقال تعالى: ﴿وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون﴾ ٣، وإنما ذلك بالفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، فما من مولود إلا يُولد على الفطرة، لا يولد مولود على غير هذه الفطرة، هذا أمر مفروغ منه، لا يتبدل ولا يتغير. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا. والله أعلم.
وقد تفطن لهذا ابن عطية٤ وغيره، ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم. وكذلك حكى القولين الشيخ أبو منصور الماتريدي في شرح التأويلات، ورجح القول الثاني، وتكلم عليه ومال إليه٥.
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآية: ٢٥. ٢ سورة إبراهيم، الآية: ١٠. ٣ سورة الأعراف، الآية ١٧٤. ٤ انظر المحرر الوجيز (٧/١٩٨، ٢٠٠) . ٥ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣٠٢-٣١٤) ولم أستطع الوقوف إلا على أوّل الكتاب المذكور، الذي ليس فيه سورة الأعراف. وما قاله المؤلف من تضعيف للقول الذي فسر به أهل الأثر الآية الكريمة تابع فيه هو وشيخه ابن كثير الإمام ابن القيم وتأثرا بما قال في كتابه الروح، ص (١٦١-١٦٨) فإن ابن القيم على غير عادته رام فيه تضعيف القول الذي فسر به رسول الله ﷺ الآية، وذكر عليه هذه الاعتراضات العشرة، وتناول بعض =
[ ١٢٠ / ٨٥ ]
_________________
(١) الأحاديث بالنقد. وهذه الاعتراضات العشرة أكثرها من كلام المعتزلة، كما في نقل الرازي عنهم في التفسير الكبير (١٥/٣٩-٤١) ومن قبله نقل أبو الليث في بحر العلوم (١/٥٨٠) إلا أنه لم يصرح أن المخالف هم المعتزلة. والحق في تفسير الآية هو ما ذهب إليه أهل الأثر؛ للأسباب التالية:
(٢) أن هذا التفسير قد ثبت عن رسول الله ﷺ، ومن طعن في رواية ابن عباس المرفوعة فقوله مرجوح، كما ذُكر ذلك عند تخريج الحديث، بل قد قال ابن عطية: "تواترت الأحاديث في تفسير هذه الآية عن النبي ﷺ من طريق عمر ﵁، وعبد الله بن عباس وغيرهما" المحرر الوجيز (٧/١٩٨، ١٩٩) . وقال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن (٣/١٠١): "أحسن ما قيل في هذا ما تواترت به الأخبار عن النبي ﷺ (إن الله جل وعز مسح ظهر آدم، فأخرج منه ذريته أمثال الذر، فأخذ عليهم الميثاق") . وقد أشار إلى تواتر الحديث تواترًا معنويًا العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/١٦٢) ولهذا هاب ابن عطية مخالفة الأحاديث، وليت الإمام ابن القيم فعل مثله، لا سيما وأنه من شيوخ أهل الأثر المتأخرين.
(٣) أن التفسير بما ثبت عن رسول الله ﷺ هو مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم، كما نقل ذلك ابن القيم في كتاب الروح، ص (١٦٣)، بل هو قول جمهور المفسرين. انظر النكت والعيون (٢/٢٧٨)، والوسيط (٢/٤٢٥)، ولباب التأويل (٢/٣١٠)، والروح، ص (١٦٣) .
(٤) لا تعارض ببن آية أخذ الميثاق وبين الحديث الثابت في تفسيرها، وما قد يظهر فيه من تعارض أجاب عنه العلماء، كما نقل ذلك ابن القيم نفسه عن ابن الأنباري وغيره في كتاب الروح، ص (١٦٣)، وكذلك أجاب الرازي عن بعض الإشكالات في التفسير الكبير (١٥/٤٢، ٤٣)، والشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/١٦١-١٦٣) .
(٥) تتابعت أقوال العلماء في الرد على من رد هذا التفسير، ومنهم أبو الليث في تفسير القرآن (١/٥٨٠-٥٨٢)، والرازي في التفسير الكبير (١٥/٤٢-٤٣)، والخازن في لباب التأويل (٢/٣١٠)، والشوكاني في فتح القدير (٢/٢٧٦)، والهندي في فتح البيان (٣/٤٥٢-٤٥٤) .
[ ١٢٠ / ٨٦ ]
قوله: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ ١ قال ليث عن مجاهد: "هو الرجل يهم بالذنب، فيذكر الله فيدعه"٢.
والشهوة والغضب٣ مبدأ السيئات، فإذا أبصر رجع، ثم قال تعالى: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ ٤ أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي، ثم لا يقصرون٥.
قال ابن عباس ﵄: "لا الإنس تُقصر عن السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم"٦.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ٢٠١. ٢ لم أقف على هذا الأثر مسندًا من طريق ليث عن مجاهد. وأورده الواحدي في الوسيط (٢/٤٣٨) عن ليث عن مجاهد. ونسبه جماعة من المفسرين إلى مجاهد بدون ذكر ليث. انظر معالم التنزيل (٢/٢٢٥)، وزاد المسير (٣/٣١٠)، والبحر المحيط (٤/٤٤٦) . وليث - وهو ابن أبي سُليم - الراوي عن مجاهد قال فيه الحافظ: صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فتُرك. تقريب التهذيب رقم (٥٦٨٥) . قلت: لكن يتقوى إن شاء الله تعالى بما عند البغوي، فإنه ذكر في مقدمة تفسيره (١/٢٨)، سنده إلى مجاهد من غير طريق "ليث" وإن كانت لا تسلم من ضعف. ٣ قد جاء عن مجاهد من طرق تفسير الطائف بالغضب. انظر جامع البيان (١٣/٣٣٦) . وانظر تفسير ابن أبي حاتم (٥/١٦٤٠) فقد ذكره عن مجاهد وغيره أيضًا. ٤ سورة الأعراف، الآية: ٢٠٢. ٥ نحو هذا التفسير أسنده ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/١٦٤١) إلى ابن عباس من طريق علي ابن أبي طلحة. والمقصود بإخوان الشياطين هم أتباعهم المستمعون لهم القابلون لأوامرهم. انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/٢٨٠) . ٦ أخرجه ابن جرير في جامع البيان برقم (١٥٥٦٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره أيضًا برقم (٨٧٠٩) كلاهما من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄، وهي طريق مشهورة بالصحة والقبول بين العلماء. انظر الإتقان (٢/٥٣٢، ٥٣٣)، والتفسير والمفسرون (١/٧٧، ٧٨) .وتفسير المؤلف في شرح العقيدة الطحاوية، ص (٤٦٨، ٤٦٩) .
[ ١٢٠ / ٨٧ ]