[قوله تعالى: ﴿الم﴾ ٢] وقعت الإشارة بالحروف المقطَّعة في أوائل السور، أي: أنه في أسلوب كلامهم، وبلغتهم التي يتخاطبون بها، ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن٣؟، كما في قوله تعالى: ﴿الم ذَلِك َ
_________________
(١) ٢ سورة البقرة، الآية: ١. ٣ هذا أحد الأقوال على قول من قال: إنه يُعرف تفسيرها وهو منسوب إلى قطرب والمبرد. انظر معاني القرآن وإعرابه (١/٥٥، ٥٦)، والمحرر الوجيز (١/٩٥)، والتفسير الكبير (٢/٧) . وإلى هذا القول ذهب الزمخشري في الكشاف (١/٩٥-٩٧) . قال الرازي: واختاره جمع عظيم من المحققين. انظر التفسير الكبير (٢/٧) . وإن أردت الاطلاع على جميع الأقوال في الحروف المقطعة فانظر التفسير الكبير (٢/٣-٨)، والبحر المحيط (١/١٥٦) وما بعدها، والبرهان في علوم القرآن (١/١٧٢-١٧٦)، والتحرير والتنوير (١/٢٠٧)، وقد ذكر العلامة ابن كثير في تفسيره (١/٣٩) ما يفيد ترجيح هذا القول أعني الذي ذكره المؤلف هنا ثم قال: "وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية".
[ ١٢٠ / ٢٩ ]
الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ١.
﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ﴾ ٢ الآية ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ٣ ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ٤. وكذلك الباقي يُنبِّههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه، بل خاطبكم بلسانكم٥.
[قوله تعالى]: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ ٦وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ ٧ هذا مرض الشبهة وهو أردأ من مرض الشهوة؛ إذ مرض الشهوة يُرجى له الشفاء بقضاء الشهوة، ومرض الشبهة لا شفاء له، إن لم يتداركه الله برحمته٨.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١، ٢. ٢ سورة آل عمران، الآية: ١-٣. ٣ سورة الأعراف، الآية: ١، ٢. ٤ سورة يونس، الآية: ١. ٥ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٢٠٥) . ٦ سورة البقرة، الآية: ١٠. ٧ سورة التوبة، الآية: ١٢٥. ٨ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٢٥٨) . وقد فسر المؤلف الآيتين في معرض بيانه أن النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب، فالنفاة والمشبهة خرجوا عن حد الاعتدال الصحيح بسبب الشبهة التي ألقاها إبليس في قلوبهم، فكان لهما نصيب مما تضمنته هاتان الآيتان. وقد قال السمعاني عند آية البقرة: أراد بالمرض الشك والنفاق بإجماع المفسرين. ونحو هذا ذكر الواحدي. انظر تفسير القرآن للسمعاني (١/٤٨)، والوسيط للواحدي (١/٨٧) . وكأن من حكى الإجماع لم يعتد بقول من قال: إن المقصود الزنا. انظر تفسير ابن أبي حاتم (١/٤٧) . ولا شك أن سياق الآية التي في سورة البقرة يشهد لقول من حكى الإجماع. وكذلك الآية التي في سورة التوبة المقصود بالمرض فيها مرض النفاق الاعتقادي، المخرج من الملة؛ ولذلك قال في آخرها: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ . وانظر في تفسير آية التوبة جامع البيان (١٤/٥٧٨)، وتفسير القرآن للسمعاني (٢/٣٦١) .
[ ١٢٠ / ٣٠ ]
.. قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ١ المراد المقارنة بالفعل، وهي الصلاة جماعة؛ لأن الأمر بالصلاة قد تقدم، فلا بد من فائدة أُخرى. وتخصيص الركوع؛ لأن بإدراكه تدرك الصلاة، فمن أدرك الركعة أدرك السجدة٢.
[قوله تعالى]: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٣ والأماني: التلاوة المجردة٤ أي: إلاَّ تلاوة من غير فهم معناه. وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به، واشتبه عليه بعضه، فوكل علمه إلى الله، كما أمره النبي ﷺ بقوله: "فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" ٥ فامتثل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم٦.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٧ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس٨
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٤٣. ٢ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٢٢٠) تحقيق عبد الحكيم. وانظر المحرر الوجيز (١/ ٢٠٣)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٤٨، ٣٤٩) ففيهما ما ذكر المؤلف من الاحتجاج بالآية على الصلاة جماعة. ٣ سورة البقرة، الآية:٧٨. ٤ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥٠٤) . وهذا أحد الأقوال، التي قيلت في معنى «أماني» . انظر هذا القول وغيره في تفسير القرآن لأبي الليث (١/١٣١)، وتفسير القرآن للسمعاني (١/٩٩)، ومعالم التنزيل (١/٨٨)، والمحرر الوجيز (١/٢٧١) . ٥ هذا اللفظ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/١٨١)، والبخاري في خلق أفعال العباد، ص (٤٣)، والبغوي في شرح السنة (١/٢٦٠) كلهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحكم محققا شرح السنة بأن إسناده حسن. انظر شرح السنة الموضع المتقدم. ٦ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٧٨٥، ٧٨٦) . ٧ سورة البقرة، الآية: ١٤٣. ٨ يشهد لهذا القول بالصحة ما أخرجه الإمام الترمذي، عن ابن عباس ﵄ قال: لما وُجِّه النبي ﷺ إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. سنن الترمذي الحديث رقم (٢٩٦٤) وقد أخرجه غيره من الأئمة، وكلهم أخرجوه من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس. وإن كان في رواية سماك عن عكرمة شيء، فهناك شواهد للحديث، لا ينزل بمجموعها عن درجة الحسن. وقد قال الإمام ابن القيم: "وفيه قولان يعني في معنى ﴿إِيمَانُكُمْ﴾ أحدهما: ما كان ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس والثاني: ما كان ليضيع إيمانكم بالقبلة الأولى، وتصديقكم بأن الله شرعها ورضيها. وأكثر السلف والخلف على القول الأول، وهو مستلزم للقول الآخر". بدائع التفسير (١/٣٤٢) .
[ ١٢٠ / ٣١ ]
سميت إيمانًا مجازًا١؛ لتوقف صحتها على الإيمان، أو لدلالتها على الإيمان؛ إذ هي دالة على كون مؤديها مؤمنًا؛ ولهذا يُحكم بإسلام الكافر إذا صلى كصلاتنا٢.
عن عروة قال: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ٣ فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت بئسما قلت ياابن أختي، إن هذه الآية لو كانت على ما أوّلتها كانت: لا جناح عليه ألا يطوّف بهما، ولكنها أُنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يُهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي ﷺ عن ذلك، فقالوا يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أنطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا
_________________
(١) ١ انظر التفسير الكبير (٤/٩٨)، وروح المعاني (٢/٧) . ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٤٤٥)، وأحسن من تعليل المؤلف هنا ما ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٢/١٥٧) بقوله: "فسمّى الصلاة إيمانًا لاشتمالها على نية وقول وعمل". ٣ سورة البقرة، الآية: ١٥٨.
[ ١٢٠ / ٣٢ ]
وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية١
[قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ٢] لمَّا قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ قال بعده: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٣ وقد اعترض صاحب المنتخب٤ على النحويين في تقدير الخبر في ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ فقالوا: تقديره لا إله في الوجود إلا الله. فقال: يكون ذلك نفيًا لوجود الإله، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصِّرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره، والإعراض عن هذا الإضمار أولى٥.
وأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي٦ في «ري الظمآن» فقال:
هذا كلام من لا يعرف لسان العرب، فإن «إله» في موضع المبتدأ على قول سيبويه، وعند غيره اسم «لا» وعلى التقديرين، فلابد من خبر للمبتدأ،
_________________
(١) ١ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٤٨٦، ٤٨٧) تحقيق عبد الحكيم. وسبب النزول هذا أخرجه الإمام البخاري في صحيحه مع الفتح برقم (١٦٤٣) ومسلم في صحيحه تحت رقم (١٢٧٧) . ٢ سورة البقرة، الآية: ١٦٣. ٣ ذكر أبو حيان هذا منسوبًا إلى صاحب المنتخب. انظر البحر (١/٦٣٧) . ٤ لعله: الحسن بن صافي بن عبد الله الملقب بملك النحاة (ت: ٥٦٨؟) ذكر القفطي في مؤلفاته «المنتخب» . انظر معجم الأدباء (٢/٨٦٦)، وإنباه الراوة (١/٣٤٠)، وبغية الوعاة (١/٥٠٤) . ٥ نحو هذا الاعتراض في التفسير الكبير (٤/١٥٧) من غير نسبة. وهو بتمامه في البحر (١/٦٣٧) منسوبًا لصاحب المنتخب. ٦ محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل المرسي، العلامة شرف الدين، النحوي الأديب، الزاهد المفسِّر، المحدث الفقيه الأصولي، (ت: ٦٥٥؟) . انظر بغية الوعاة (١/١٤٤) .
[ ١٢٠ / ٣٣ ]
وإلا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد.
وأما قوله: إذا لم يضمر يكون نفيًا للماهية، فليس بشيء؛ لأن نفي الماهية هو نفي الوجود لا تتصور الماهية إلا مع الوجود، فلا فرق بين لا ماهية، ولا وجود وهذا مذهب أهل السنة، خلافًا للمعتزلة١ فإنهم يثبتون ماهية عارية من الوجود. و«إلا الله» مرفوع، بدلًا من «لا إله» لا يكون خبرًا لـ «لا»، ولا للمبتدأ، وذكر الدليل على ذلك٢.
_________________
(١) ١ المعتزلة فرقة نشأت إثر قول واصل بن عطاء: إن فاعل الكبيرة لا مسلم ولا كافر، واعتزل مجلس شيخه الحسن البصري، فسُمي معتزليًا، وأتباعه معتزلة، ولهم أصول خمسة خالفوا فيها الكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة. انظر الفرق بين الفرق، ص (١٤، ١٨، ١٩)، والملل والنحل، ص (٤٨)، والمعتزلة وأصولهم الخمسة، ص (١٤) . ٢ جواب أبي عبد الله المرسي منقول بتمامه في البحر (١/٦٣٧) وعقب عليه أبو حيان بما يُفهم موافقته لأبي عبد الله المرسي. انظر البحر (١/٦٣٧، ٦٣٨) . وتقدير خبر (لا) بكلمة «في الوجود» قد قاله أيضًا أبو البركات ابن الأنباري في كتابه، البيان في غريب إعراب القرآن (١/١٣١) . وقد قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى: إن التقدير بكلمة «في الوجود» لا يحصل به المقصود من بيان أحقية ألوهية الله سبحانه وبطلان ما سواها؛ لأن لقائل أن يقول: كيف تقولون: (لا إله في الوجود إلا الله)؟ وقد أخبر سبحانه عن وجود آلهة كثيرة للمشركين، كما في قوله سبحانه: ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانًا آلهة﴾ فلا سبيل إلى التخلص من هذا الاعتراض، وبيان عظمة هذه الكلمة إلا بتقدير الخبر بغير ما ذكره النحاة، وهو كلمة «حق»؛ لأنها هي التي توضح بطلان جميع الآلهة، وتبين أن الإله الحق والمعبود الحق هو الله وحده انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص (٧٤) حاشية (٢) . قلت ذكر الشيخ ابن باز أن شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم قد نبها على ما قاله هنا. وقد تنبه بعض المفسرين إلى هذا فقال العلامة الألوسي في روح المعاني (٢/٢٩): «وإضافة إله) إلى ضمير المخاطبين باعتبار الاستحقاق، لا باعتبار الوقوع؛ فإن الآلهة الغير مستحقة كثيرة". وقال الخفاجي في عناية القاضي وكفاية الراضي (٢/٤٣٤): " ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ خطاب عام أي المستحق منكم العبادة واحد لا شريك له". وانظر أيضًا: التحرير والتنوير (٢/٧٤) .
[ ١٢٠ / ٣٤ ]
وليس المراد هنا ذكر الإعراب، بل المراد دفع الإشكال الوارد على النحاة في ذلك، وبيان أنه من جهة المعتزلة، وهو فاسد؛ فإن قولهم: «في الوجود» ليس تقييدًا؛ لأن العدم ليس بشيء؛ قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ ١.
ولا يقال: ليس قوله: «غيره» كقوله: «إلا الله»؛ لأن «غيرًا» تعرب بإعراب الاسم الواقع بعد «إلا» فيكون التقدير للخبر فيهما واحدًا؛ فلهذا ذكرتُ هذا الإشكال وجوابه هنا٢.
ذُكر في أسباب النزول أنهم سألوا عن الإيمان فأنزل الله هذه الآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ ٣ الآيات٤.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ٥ إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخًا لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب٦، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية: ٩. ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٧٣-٧٥) . ٣ سورة البقرة، الآية: ١٧٧. ٤ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٤٨٥) وانظر أسباب النزول للواحدي، ص (٤٩)، ولباب النقول في أسباب النزول، ص (٤٩) ففيهما أن سبب نزول الآية أنهم سألوا عن البر. ٥ سورة البقرة، الآية: ١٧٨. ٦ انظر الوسيط (١/٢٦٥)، وتفسير القرآن للسمعاني (١/١٧٤)، وزاد المسير (١/١٨٠)، والتفسير الكبير (٥/٤٧) فقد ذكروا نحو ما قال المؤلف.
[ ١٢٠ / ٣٥ ]
بَيْنَهُمَا﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ١.
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ ٢ الآية معنى ﴿﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ فرض عليكم وألزمكم٣
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ٤قيل: معناه لا يطيقونه٥ هذا التقدير على قول من قال من النحاة: بتقدير (لا) في مثل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ ٦ والمبرد وغيره يأبون ذلك ويقدرون فيه كراهية أن تضلوا. وقولهم أولى؛ لأن تقدير العامل المناسب أولى من تقدير حرف النفي، مع أنه ليس قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ نظير قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ ٧ لأن هنا قرينة تدل على المقدر وهي قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وليس في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ما يدل عليه ولا يجوز في مثله تقدير ما لايدل عليه من اللفظ دليل. وإلا لم يثق أحد بنص مثبت لاحتمال أن تكون (لا) مقدرة فيه. وقيل: معناه كانوا يطيقونه أي في حال الشباب فعجزوا عنه بعد الكبر، والآخر ظاهر
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية: ٩، ١٠. وانظر شرح العقيدة الطحاوية، ص (٤٤٢) ومقصود المؤلف من إيراد آية الحجرات أنها دلت على ما دلت عليه آية البقرة من بقاء أخوة الإسلام مع وجود الكبيرة وهي القتل، فدل ذلك على أن الكبيرة لا تخرج صاحبها من الإسلام. ٢ سورة البقرة، الآية: ١٨٠. ٣ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٤٨٥) (تحقيق عبد الحكيم) وانظر هذا المعنى في جامع البيان (٣/٣٨٤) وتفسير القرآن لأبي الليث (١/١٨١)، والنكت والعيون (١/٢٣١)، والوسيط (١/٢٦٨)، وتفسير القرآن للسمعاني (١/١٧٤) . ٤ سورة البقرة، الآية: ١٨٤. ٥ انظر الدر المصون (٢/٢٧٣) فقد ذكر السمين هذا القول وقال: إنه بعيد. ٦ سورة النساء، الآية: ١٧٦. ٧ سورة النساء، الآية: ١٧٦.
[ ١٢٠ / ٣٦ ]
الضعف. وأقوى منه ما روى البخاري في صحيحه عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ (وعلى الذي يطوقونه فدية طعام مسكين) قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا١. مع أن هذه القراءة يمكن أن ترد إلى معنى القراءة الأخرى فإن معنى (يطوَّقونه) يكلفونه. وأكثر السلف على أن الآية منسوخة. عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ متفق عليه٢. وأخرجه البخاري أيضًا عن ابن عمر٣ وأخرج أيضًا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب محمد أنهم قالو ذلك٤. وحكى البغوي عن قتادة أنها خاصة في الشيخ الكبير الذي يطيق الصوم لكنه يشق عليه، رخص له أن يفطر ويفتدي ثم نسخ٥.
وحكي أيضا عن الحسن أن هذا في المريض الَّذِي به ما يقع اسم المرض وهو مستطيع للصوم، خُيّر بين أن يصوم وبين أن يفطر ويفدي ثم نسخ٦.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح برقم (٤٥٠٥) والقراءة المذكورة عن ابن عباس قراءة شاذة. انظر مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه، ص (١١) . ٢ صحيح البخاري مع الفتح برقم (٤٥٠٧)، وصحيح مسلم برقم (١١٤٥) . ٣ صحيح البخاري مع الفتح برقم (١٩٤٩) . ٤ صحيح البخاري مع الفتح (٤/١٨٧) والخبر ذكره الإمام البخاري معلقًا. وقال ابن حجر في الفتح (٤/١٨٨) وصله أبو نعيم في المستخرج والبيهقي من طريقه واختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا، وطريق ابن نمير هذه أرجحها. ٥ معالم التنزيل (١/١٥٠) وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني عن قتادة بإسناد صحيح. انظر تفسير القرآن لعبد الرزاق (١/٦٩، ٧٠) . ٦ معالم التنزيل (١/١٥٠) وقد ذكر البغوي في مقدمة تفسيره (١/٢٨) أنه يروي تفسير الحسن من طريق عمروبن عبيد. ومعلوم أن عمرو بن عبيد أحد رؤوس المعتزلة الدعاة إلى بدعتهم.
[ ١٢٠ / ٣٧ ]
وإذا عرف هذا فالمسألة مسألة نزاع بين الصحابة ﵃. ومن ادعى النسخ معه زيادة إثبات. كيف وهو قول جمهور الصحابة؟ ولعل قول ابن عباس ﵄ عن اجتهاد، وقول غيره عن نقل وهو الظاهر، فإن النسخ كان قبل ابن عباس رضي الله عنهما١.
قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ٢شاة. وعليه جمهور العلماء٣، وجماعة الفقهاء٤.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ٥المخاطبون بالنهي هم المحرمون، والضمير في قوله:"رؤوسكم" عائد إليهم، أي: لا يحلق بعضكم رؤوس بعض، كما في قَوْله تَعَالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى
_________________
(١) ١ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٤٢٩،٤٣٢) تحقيق عبد الحكيم. وما ذهب إليه المؤلف هو الراجح، لأن الآية صريحة في التخيير بين الصيام والإطعام لمن يطيق الصوم، وقد رُفع هذا التخيير باتفاق على وجوب الصوم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقد رجح القول بالنسخ جماعة من الأئمة، منهم أبو عبيد والطبري والنحاس ومكي وابن حزم وابن العربي وابن الجوزي وابن كثير. انظر جامع البيان (٣/٤٣٤)، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد، ص (٤٧)، والناسخ والمنسوخ للنحاس (١/٥٠١،٥٠٢)، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، ص (١٢٥)، والإحكام في أصول الأحكام (٤/٦٢)، وأحكام القرآن (١/٧٩)، ونواسخ القرآن، ص (١٧٧)، وتفسير القرآن العظيم (١/٢١٦) . ٢ سورة البقرة، الآية: ١٩٦. ٣ انظر الجامع لأحكام القرآن (٢/٣٧٨) . ٤ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٥٨٨) تحقيق عبد الحكيم. ٥ سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
[ ١٢٠ / ٣٨ ]
أَنْفُسِكُمْ﴾ ١ الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢ وفي قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٣ هذا هو الظاهر في الآيات كلها، وإن كانت تحتمل أن المحرم لا يحلق رأس نفسه، أو لا يُمكّنُ من يحلقه، أو أن أحدًا منكم لا يقتل نفسه، وأن من تمام توبتكم يا بني إسرائيل إن كل إنسان منكم يقتل نفسه، لكنه خلاف الظاهر، والقول بشمول كل من الآيات للمعنيين أحسن٤.
قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ ٥ البغي مجاوزة الحد٦
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ٧قال مجاهد: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ حتى ينقطع الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ اغتسلن بالماء٨.
_________________
(١) ١ سورة النور، الآية: ٦١. ٢ سورة النساء، الآية: ٢٩. ٣ سورة البقرة، الآية: ٥٤. ٤ انظر التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٥٤٤، ٥٤٥) . تحقيق عبد الحكيم. وانظر جامع البيان (١٩/ ٢٢٥، ٢٢٦)، وتفسير القرآن للسمعاني (١/٤١٨، ٤١٩)، والنكت والعيون (١/٤٧٥)، والمحرر الوجيز (٤/٩٤)، وفتح القدير (١/٥٤٤) تجد أن أصحاب هذه المؤلفات قد ذكروا المعنيين. عند بعض هذه الآيات. وطائفة من المفسرين اقتصروا على ذكر المعنى الذي قال المؤلف إنه الظاهر، وذلك عند بعض هذه الآيات أيضًا انظر تفسير القرآن لأبي الليث (١/١١٩، ٣٤٩)، وزاد المسير (١/٨٢) وما رجحه المؤلف من القول بالعموم هو الصحيح. ٥ سورة البقرة، الآية: ٢١٣. ٦ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٧٨٢) . وانظر هذا المعنى الذي ذكره المؤلف في جامع البيان (٤/٢٨١)، والمفردات في غريب القرآن، ص (٥٥)، وعمدة الحفاظ (١/٢٤٣) . ٧ سورة البقرة، الآية: ٢٢٢. ٨ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (١٠٦) تحقيق عبد الحكيم، والأثر أخرج بعضه ابن جرير في تفسيره برقم (٤٢٦٦) وبعضه برقم (٤٢٧٠) بسند واحد رجاله ثقات.
[ ١٢٠ / ٣٩ ]
قال أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ١ أي مطيعين. قاله الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاوس٢.ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ ٦ وقوله تعالى ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ ٧.
وقال أيضًا القيام المذكور في الآية ليس المراد به انتصاب القامة، بل المراد به فعل المأمور به، وأن يكون على وجه الطاعة لله، والإمتثال لأمره، فإن الرجل يقوم بأشياء ويكون هو قائم بأمر على وجه الطاعة تارة، وعلى وجه المعصية أخرى فأمروا أن يقوموا لله بما أمرهم به حال كونهم طائعين ويحتمل أن يكون المراد بالقيام لله في الآية الصلاة بخصوصها٨، ويكون المعنى: ﴿حَافِظُوا
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٣٨. ٢ أخرج ذلك الإمام الطبري عنهم في جامع البيان (٥/٢٣٠، ٢٣١) . والأسانيد إلى الشعبي وعطاء وقتادة وطاوس رجالها ثقات. وهذا القول ثابت عن ابن عباس ﵄. انظر جامع البيان (٥/ ٢٢٩) . ٣ سورة البقرة، الآية: ١١٦. ٤ سورة النحل، الآية: ١٢٠. ٥ سورة التحريم، الآية: ٥. ٦ سورة الأحزاب، الآية: ٣٥. ٧ سورة النساء، الآية: ٣٤. وهذا التفسير في التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٢٥٩) تحقيق عبد الحكيم. ٨ ذكر هذا القول أبو حيان في البحر المحيط (٢/٢٥١) والأقوال في معنى «قانتين» كثيرة جدًا، انظرها في التفسير الكبير (٦/١٣٠، ١٣١)، والجامع لأحكام القرآن (٣/٢١٣، ٢١٤)، والبحر المحيط (٢/٢٥١) وأشهرها قولان: ١- القنوت الطاعة.٢- القنوت السكوت. قال أبو جعفر النحاس بعد أن ذكر القولين: "هذان القولان يرجعان إلى شيء واحد؛ لأن السكوت في الصلاة طاعة" عاني القرآن الكريم (١/٢٤٠) .
[ ١٢٠ / ٤٠ ]
عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ بالصلاة قانتين فيها ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فإن قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قد ذكرت الصلاة قبله وبعده، فكان الظاهر إرادة الصلاة هنا بخصوصها، وأما إرادة القيام في الصلاة بمجرده من هذه الآية فغير ظاهر١.
[قوله تعالى]: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٢ ﴿لا يَؤُودُهُ﴾ أي: لا يكرثه٣ ولا يثقله ولا يعجزه٤.
فهذا النفي لثبوت كمال ضده، وكذلك كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده٥، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ٦ لكمال عدله، ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي
_________________
(١) ١ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (١٦٦) تحقيق عبد الحكيم. وهذا التفسير ذكره عندما رد على صاحب الهداية في احتجاجه بالآية على فرضية القيام في الصلاة المفروضة. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٥٥. والمؤلف لم يذكر الآية كاملة في مكان واحد، وإنما ذكرها مفرقة. ٣ أي: لا يشق عليه، ولا يغمه ولا يثقله. انظر تهذيب اللغة (١٠/١٧٥، ١٧٦) «كرث» . ٤ انظر مجاز القرآن (١/٧٨)، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة، ص (٩٣)، ومعاني القرآن وإعرابه (١/٣٣٨)، وجامع البيان (٥/٤٠٤، ٤٠٥) . ٥ انظر في هذه المسألة: الرسالة التدمرية، ص (٤٠) وما بعدها، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٧/١٠٩) وما بعدها، وأيضًا (٣/٣٦) من مجموع الفتاوى. ٦ سورة الكهف، الآية: ٤٩.
[ ١٢٠ / ٤١ ]
الأَرْضِ﴾ ١ لكمال علمه، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ٢ لكمال قدرته. ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ لكمال حياته وقيُّوميته. ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٣لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلاَّ فالنفي الصِّرف لا مدح فيه، ألا يُرى أن قول الشاعر٤:
قُبَيِّلةٌ لا يَغْدِرُونَ بذمةٍ ولا يَظْلِمُونَ النَّاس حَبَّةّ خَرْدَلِ
لمَّا اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله «قُبيِّلة» عُلم أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم. وقول الآخر٥:
لَكِنَّ قّوْمِي وإنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ في شَيءٍ وإنْ هَانَا
لما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم، عُلم أن المرادعجزهم وضعفهم أيضًا٦.
واعلم أن هذين الاسمين أعني: الحي القيوم مذكوران في القرآن معًا في ثلاث سور٧ كما تقدم، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى، حتى قيل: إنهما
_________________
(١) ١ سورة سبأ، الآية: ٣. ٢ سورة ق، الآية: ٣٨. ٣ سورة الأنعام، الآية: ١٠٣. ٤ هو النجاشي: قيس بن عمرو بن مالك، أصله من نجران، رُوي أنه كان ضعيفًا في دينه (ت: نحو٤٠؟) . انظر خزانة الأدب (٤/٧٦)، والأعلام (٥/٢٠٧) . والبيت من قصيدة هجا بها قيسٌ ابن أُبي بن مقبل من بني العجلان. انظر خزانة الأدب (١/٢٣١، ٢٣٢) . ٥ قال في خزانة الأدب (٧/٤٤١): إن البيت لقُرَيْط بن أُنيف العنبري. والبيت أيضًا في مغني اللبيب (١/٢٥٧) . ٦ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٦٨، ٦٩)، وانظر أيضًا، ص (٨٩) . ٧ سورة البقرة في الآية (٢٥٥) وفي سورة آل عمران، الآية (٢) وفي سورة طه، الآية (١١١) .
[ ١٢٠ / ٤٢ ]
الاسم الأعظم١، فإنهما يتضمنان إثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه، ويدل القيوم على معنى الأزلية، والأبدية٢ ما لا يدل عليه لفظ القديم، ويدل أيضًا على كونه موجودًا بنفسه، وهو معنى كونه واجب الوجود.
و«القيوم» أبلغ من «القيام»؛ لأن الواو أقوى من الألف، ويفيد قيامه بنفسه، باتفاق المفسرين وأهل اللغة٣، وهو معلوم بالضرورة.
وهل تفيد إقامته لغيره وقيامه عليه؟ فيه قولان. أصحهما: أنه يفيد ذلك٤، وهو يُفيد دوام قيامه وكمال قيامه؛ لما فيه من المبالغة، فهو سبحانه لا يزول، ولا يأفل٥؛ فإن الآفل قد زال قطعًا، أي: لا يغيب، ولا ينقص، ولا يفنى، ولا يَعْدَمُ، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال.
واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال، ويدل على بقائها ودوامها، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلًا وأبدًا؛ ولهذا كان قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ
_________________
(١) ١ انظر التفسير الكبير (٧/٤، ٥)، والجامع لأحكام القرآن (٣/٢٧١) . ٢ انظر مجاز القرآن (١/٧٨)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/٢٨) . ٣ ذكر طائفة من المفسرين وأهل اللغة نحو ما قاله المؤلف هنا، من أن القيوم يفيد قيامه بنفسه، وبعضهم يقول: هو القائم على كل نفس بما كسبت، أو هو القائم بتدبير أمر الخلق، وهذا يستلزم الأول، ولم يذكروا في ذلك خلافًا، مما يفيد صحة الاتفاق الذي ذكره المؤلف. انظر على سبيل المثال: جامع البيان (٥/٣٨٨)، ومعاني القرآن وإعرابه (١/٣٣٦، ٣٣٧)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/٢٥،٢٦)، وتهذيب اللغة (٩/٣٦٠)، وتفسير القرآن للسمعاني (١/٢٥٧)، والمفردات، ص (٤١٧)، وتفسير القرآن لأبي الليث (١/٢٢٢)، ومعالم التنزيل (١/٢٣٨)، والنكت والعيون (١/٣٢٣) . ٤ لم أر فيما اطلعت عليه مَنْ حكى خلافًا في أن «القيوم» يفيد إقامته لغيره. ٥ الأفول الغياب، وقد فسره المؤلف بذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ . انظر غريب القرآن وتفسيره لليزيدي، ص (١٣٨) .
[ ١٢٠ / ٤٣ ]
الْقَيُّومُ﴾ أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم١. فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما يرجع معانيها، فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة. وأما القيوم، فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام٢.
وأما «الكرسي» [ف] ٣ قد قيل: هو العرش٤، والصحيح أنه غيره، نُقل ذلك عن ابن عباس ﵄ وغيره. روى ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، والحاكم في مستدركه وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ أنه قال: "لكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قَدْرَه إلا الله تعالى".٥وقد
_________________
(١) ١ صحيح مسلم الحديث رقم (٨١٠) . ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٩٠-٩٢) . ٣ ما بين المعكوفين زيادة من عندي ليستقيم الكلام، وانظر نظام كلام المؤلف في شرح العقيدة الطحاوية ص (٣٦٨) . ٤ أخرجه الطبري في تفسيره (٥/٣٩٩) من طريق جويبر، عن الحسن. وهي طريق لا تقوم بها حجة؛ لضعف جويبر. انظر تقريب التهذيب رقم (٩٨٧) . ٥ كتاب العرش وما ورد فيه، ص (٧٩) رقم (٦١)، والمستدرك (٢/ ٣١٠) في كتاب التفسير، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣٩)، والدارقطني في كتاب النزول، ص (٤٩)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٣٢٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ١٢٠ / ٤٤ ]
رُوي مرفوعًا١، والصواب أنه موقوف على ابن عباس. وقال السدي: "لسماوات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش"٢. وقال ابن جرير: قال: أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد أُلقيت بين ظهري فلاة من الأرض"٣. وقيل كرسيه علمه. ويُنْسب إلى ابن عباس٤.
والمحفوظ عنه ما رواه ابن أبي شيبة، كما تقدم، ومن قال غير ذلك فليس له دليل إلا مجرد الظن، والظاهر أنه من جراب الكلام المذموم، كما قيل في العرش.
_________________
(١) ١ قال الدارقطني في كتاب النزول، ص (٤٩): رفعه شجاع إلى النبي ﷺ، ولم يرفعه الرمادي. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب، ص (٢٦٤)، عندما ترجم لشجاع: "صدوق وهم في حديث واحد رفعه، وهو موقوف، فذكره بسببه العقيلي" قلت: يعني في كتابه «ضعفاء الرجال» . وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره، ص (١/٣١٠): "أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر ابن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاسي، فذكره، وهو غلط". يعني - ﵀ - رفعه غلط. ٢ أخرجه الطبري في جامع البيان (٥/٣٩٨) من طريق أسباط عن السدي. قال الحافظ ابن حجر: "أسباط بن نصر الهمداني صدوق كثير الخطأ يُغرب" التقريب رقم (٣٢١) . قلت: ولا يخفى عليك أنه من رجال صحيح مسلم. ٣ جامع البيان (٥/٣٩٩) من طريق ابن زيد، عن أبيه قال: قال أبو ذر. فذكره. وعبد الرحمن بن زيد ضعيف. انظر التقريب رقم (٣٨٦٥) . ٤ أخرجه الطبري في تفسيره (٥/٣٩٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/١٣٤، ١٣٥) وقال: وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد بالكرسي المشهور المذكور مع العرش. وقال أبو منصور الأزهري بعد أن ذكر هذه الرواية ليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار. تهذيب اللغة (١٠/٥٤) (كرس) . وطعن الحافظ القصاب في ثبوت هذه الرواية عن ابن عباس. انظر نكت القرآن الدالة على البيان (١/١٤٦)، وكذلك فعل الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى - انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/١٧٦) .
[ ١٢٠ / ٤٥ ]
وإنما هو كما قال غير واحد من السلف:بين يدي العرش١، كالمرقاة إليه٢.
قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ٣ الكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر٤.
[وقال أيضًا] : قال: ابن الأنباري٥: أي: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه، وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه، قال: فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أُطيق النظر إليك، وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه٦.
_________________
(١) ١ انظر جامع البيان (٥/٣٩٨)، ومعالم التنزيل (١/٢٣٩)، وتفسير ابن كثير (١/٣١٠)، والدر المنثور (١/٣٢٧، ٣٢٨) تجد ما يفيد ذلك عن طائفة من السلف. ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣٦٨، ٣٧١) . ٣ سورة البقرة، الآية: ٢٨٦. والمؤلف ذكر ألفاظ الآية مفرقة. ٤ انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص (٦٥٢) وانظر عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ (٣/٤٦٣،٤٦٤) . فقد ذكر السمين في معنى الكسب نحو ما قاله المؤلف هنا. ٥ محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، كان من أعلم الناس، بالنحو والأدب وأكثرهم حفظًا (ت: ٣٢٨؟) انظر العبر (٢/٣١)، وبغية الوعاة (١/٢١٢) . ٦ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٦٥٤) . وما نقله عن ابن الأنباري موجود في زاد المسير (١/٣٤٦)، والبحر المحيط (٢/٣٨٥) منسوب إلى ابن الأنباري ولم أقف عليه في شيء من كتبه المطبوعة. وانظر معاني القرآن وإعرابه (١/٣٧١) ففيه نحو هذا.
[ ١٢٠ / ٤٦ ]