قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ٣ كانت عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفرًا وربيع الأول وعشرين من ربيع الآخر. وهذا قول زفر حكاه عنه أبو بكر الرازي في أحكام القرآن٤.
_________________
(١) ٣ سورة التوبة، الآية: ٢. ٤ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٤٦٢) تحقيق أنور. وانظر أحكام القرآن للجصاص (٤/٢٦٧) ولم أر ذكرًا لزفر في هذا الموضع من نسخة أحكام القرآن التي بين يدي. وفي بيان بداية هذه الأربعة الأشهر ونهايتها أقوال غير ما ذكر هنا. إلا أن القول الَّذِي ذكره المؤلف أقواها، وقد رجحه الجصاص، وابن العربي، ولم يذكر غيره الكيا الهراسي. انظر أحكام القرآن للجصاص (٤/٢٦٧)، وأحكام القرآن لابن العربي (٢/٨٨٥)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٣/١٧٢) .
[ ١٢٠ / ٨٨ ]
..قوله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ١ أهل مكة كانت معايشهم من التجارات، وكان المشركون يأتونهم بالطعام ويتجرون فلما منعوا من دخول الحرم خافوا الفقر وضيق العيش، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي فقرًا وفاقة ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية٢.
[قوله تعالى:] ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ٣ رُوي عن حذيفة ﵀ وغيره أنه قال: "لم يعبدوهم من دون الله، ولكنهم أحلوا لهم، وحرموا عليهم فاتبعوهم"٤. وهذا المعنى قاله رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم، وحديثه في المسند والترمذي مطولًا٥.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ٢٨. ٢ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٦١٦) تحقيق أنور. وانظر جامع البيان (١٤/١٩٤) ولباب النقول، ص (٢٠٢)، والتفسير الصحيح (٢/٤٤١) . ٣ سورة التوبة، الآية: ٣١. ٤ أخرجه عبد الرزاق في تفسير القرآن (٢/٢٧٢) عن أبي البختري قال: سأل رجل حذيفة، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (١٠٠٥٨) من طريق أبي البختري أيضًا قال: قيل لحذيفة. وسنده ضعيف؛ لأن أبا البختري حديثه مرسل عن حذيفة. انظر التهذيب (٤/٧٢) ويظهر هنا أن أبا البختري قد سمعه بواسطة، إلا أن الواسطة مبهم. وأخرجه الطبري في جامع البيان (١٤/٢١١-٢١٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/١١٦) كلاهما من طريق أبي البختري. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٣/٢٣١) ونسب إخراجه إلى هؤلاء وغيرهم. والأثر يشهد لصحته الحديث الذي أشار إليه المؤلف. ٥ الاتباع، ص (٨١، ٨٢) . والحديث أخرجه الترمذي في سننه برقم (٣٠٩٥) وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. وأخرجه الطبري في جامع البيان برقم (١٦٦٣١)، وابن أبي حاتم في تفسيره برقم (١٠٠٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/١١٦) . والحديث قال عنه الشيخ سليم الهلالي: هو حسن لغيره. انظر الاعتصام (٢/٨٧) حاشيته. ولم أقف عليه في مسند الإمام أحمد المطبوع، وقد أورده السيوطي في الدر المنثور (٣/٢٣٠، ٢٣١) ولم يذكر الإمام أحمد فيمن خرجه.
[ ١٢٠ / ٨٩ ]
[قوله تعالى:] ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ ١ الآيتين أخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله وهو طاعة فلما كرهه منهم، ثبطهم عنه٢، ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي كانت تترتب على خروجهم مع رسوله، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا﴾ أي: فسادًا وشرًا٣ ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ أي: سعوا بينكم بالفساد والشر٤ ﴿يبغونكم الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: قابلون منهم، مستجيبون لهم٥، فيتولد من سعي هؤلاء، وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم
_________________
(١) ١ تمام الآيتين ﴿ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ . سورة التوبة، الآية: ٤٦، ٤٧. ٢ قال الزجاج: التثبيط ردُّك الإنسان عن الشيء يفعله، أي كره الله أن يخرجوا معكم فردهم عن الخروج. معاني القرآن وإعرابه (٢/٤٥٠) . ٣ انظر جامع البيان (١٤/٢٧٨)، وتفسير غريب القرآن للسجستاني، ص (٦٦)، ومجاز القرآن (١/٢٦١)، ومعالم التنزيل (٢/٢٩٨) . ٤ أصل الإيضاع في اللغة سرعة السير، وفسره المؤلف بالسعي؛ لأنه قريب منه. انظر معنى الإيضاع في غريب القرآن وتفسيره لليزيدي، ص (١٦٤)، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة، ص (١٨٧)، والعمدة في غريب القرآن، ص (١٤٨) . ٥ تفسير (سماعون لهم) بما ذكر المؤلف أسنده ابن جرير في جامع البيان (١٤/٢٨١) عن قتادة، ومحمد بن إسحاق. ورجحه ابن القيم على قول من قال: إن المقصود ب (سماعون) جواسيس؛ لأن أهل النفاق موجودون بين المسلمين لا يحتاجون إلى من يتجسس لهم. انظر بدائع التفسير (٢/٣٥٥) .
[ ١٢٠ / ٩٠ ]
من مصلحة خروجهم، فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه١.
قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ ٢ الخلاق: النصيب، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٣، أي استمتعتم بنصيبكم من الدنيا، كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم٤، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، أي: كالخوض الذي خاضوه، أو كالفوج، أو الصنف، أو الجيل الذي خاضوا٥. وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض؛ لأن فساد الدين إمَّا في العمل، وإمَّا في الاعتقاد، فالأول من جهة الشهوات. والثاني من جهة الشبهات٦.
وروى البخاري، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لتأخُذَنَّ أمتي مآخذ القرون قبلها شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع" قالوا: فارس والروم؟ قال: "فمن الناس إلا أولئك" ٧.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣٣٣، ٣٣٤)، ويظهر أن المؤلف اطلع على كلام ابن القيم في هذا. انظر بدائع التفسير (٢/٣٥٧) . ٢ سورة التوبة، الآية: ٦٩. ٣ سورة البقرة، الآية:٢٠٠. وانظر جامع البيان (٤/٢٠٣) تجد ابن جرير يُفسِّر الخلاق بما قال المؤلف. ٤ نحو هذا التفسير الذي قاله المؤلف في معالم التنزيل (٢/٣٠٩)، وفتح القدير (٢/٣٩٨) . ٥ نحو هذا التقدير الذي ذكره المؤلف قاله الزمخشري في الكشاف (٢/٢٠١) ولعل المؤلف أخذه منه. ٦ من قوله: (وجمع)، إلى قوله: (الشبهات) مأخوذ من كلام الإمام ابن القيم بتصرف يسير. انظر بدائع التفسير (٢/٣٦٧) . ٧ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣٣٨، ٣٣٩) . وهناك أحاديث غير هذا الحديث أوردها المؤلف هنا، وهي بمعنى هذا الحديث. وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه مع الفتح برقم (٧٣١٩)، والإمام مسلم في صحيحه برقم (٢٦٦٩) وقد أشار طائفة من المفسرين إلى هذا الحديث، أو ما في معناه عند تفسير هذه الآية. انظر جامع البيان (١٤/٣٤١، ٣٤٢)، وتفسير القرآن للسمعاني (٢/ ٣٢٦)، ومعالم التنزيل (٢/٣٠٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/٣٦٩) .
[ ١٢٠ / ٩١ ]
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم٢، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
وقيل: إن السابقين الأولين من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف، فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة؛ لأن النسخ ليس من فعلهم، ولم يدل على التفضيل به دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة التي كانت تحت الشجرة٣.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ ٤ وأمّا ما٥ رواه الفقيه أبو
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١٠٠. ٢ ما قال المؤلف قوي جدًا؛ لأنه قد جمع بين الأقوال المشهورة التي جاءت عن المتقدمين، وهي: ١- من أدرك بيعة الرضوان ٢- أهل بدر ٣- من صلى القبلتين. انظر جامع البيان (١٤/٤٣٥، ٤٣٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (٦/١٨٦٨)، ومعاني القرآن الكريم (٣/٢٤٧، ٢٤٨)، وتفسير القرآن للسمعاني (٢/٣٤١، ٣٤٢) . وقد قال الشوكاني بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة: ولا مانع من حمل الآية على هذه الأصناف كلها. فتح القدير (٢/٤١٦)، وتابعه على ذلك الهندي في فتح البيان (٤/١٨٦) . قلت: هو معنى كلام المؤلف. ٣ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٦٨٩، ٦٩٠، ٦٩٢) . ٤ سورة التوبة، الآية: ١٢٤. ٥ هذا قاله بعد ما ذكر الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه، ومنها الآية المذكورة.
[ ١٢٠ / ٩٢ ]
الليث السمرقندي ﵀، في تفسيره عند هذه الآية، فقال: حدثنا الفقيه، قال: حدثنا محمد بن الفضل، وأبو القاسم السَّاباذي١، قالا: حدثنا فارس ابن مردويه، قال: حدثنا محمد بن الفضل بن العابد٢، قال: حدثنا يحيي بن عيسى، قال: حدثنا أبو مطيع، عن حماد بن سلمة عن ابن المحزَّم٣، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: "لا، الإيمان مكمل في القلب، زيادته ونقصانه كفر"٤. فقد سُئل شيخنا عماد الدين ابن كثير رحمه الله تعالى عن هذا الحديث؟ فأجاب: بأن الإسناد من أبي الليث إلى أبي مطيع مجهولون لا يُعرفون في شيء من كتب التواريخ المشهورة، وأما أبو مطيع، فهو: الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي، ضعفه أحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو حاتم محمد بن حبَّان البُستي، والعُقيلي، وابن عَدي، والدارقطني، وغيرهم٥. وأما أبو المُهزِّم، الراوي عن أبي هريرة وقد تصحف على الكاتب واسمه: يزيد بن سفيان، فقد ضعَّفه
_________________
(١) ١ في تفسير أبي الليث المطبوع (الشنابازي) . انظر منه (٢/٨٣) . ٢ في المرجع السابق (محمد بن الفضل العابد) . انظر منه (٢/٨٣) . ٣ في المرجع السابق (عن أبي المهزّم) وسينبه عليه المؤلف، فلعل النسخة التي اطلع عليها فيها تحريف. ٤ أخرجه أبو الليث السمرقندي في تفسير القرآن (٢/٨٣، ٨٤) . وحكم بوضعه جماعة منهم الذهبي في ميزان الاعتدال (١/٣) حيث قال بعد أن أورده: هذا وضعه أبو مطيع على حماد. وقد ذكر الذهبي أن أبا الليث ممن تروج عليه الأحاديث الموضوعة. انظر السير (١٦/٣٢٣) . وانظر في شأن وضع هذا الحديث أيضًا اللآلي المصنوعة (١/٣٨) وتنزيه الشريعة (١/١٤٩) . ٥ انظر ميزان الاعتدال (١/٥٧٤)
[ ١٢٠ / ٩٣ ]
أيضًا، غير واحد، وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك، وقد اتهمه شعبة بالوضع، حيث قال: لو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثًا١.
_________________
(١) ١ انظر المرجع السابق، (٤/٤٢٦)، وتفسير المؤلف لهذه الآية في شرح العقيدة الطحاوية، ص (٤٧٩، ٤٨٠) ولعله أخذ هذا عن شيخه ابن كثير مشافهة، أو أنه في بعض كتبه غير التفسير.
[ ١٢٠ / ٩٤ ]