قال - في الفيء -: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٣ الآيات. وقال - في الخمس -: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٤ الآية. واللام في قوله: ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُول﴾ في الخمس والفيئ كاللام في قول-هـ: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ ٥ فالإضافة إلى الرسول؛ لأنه هو الذي
_________________
(١) ٣ سورة الحشر، الآية: ٧. ٤ سورة الأنفال، الآية: ٤١. ٥ سورة الأنفال، الآية: ١.
[ ١٢١ / ٥٠ ]
يقسم هذه الأموال بأمر الله، ليست ملكًا لأحد١. وذكر البخاري في صحيحه أن معنى قوله تعالى: ﴿وَلِلرَّسُول﴾ يعني الرسول له ذلك انتهى٢.
وتحقيق ذلك أن اللام في آية الخمس وآية الفيء، مذكورة في ثلاثة مواضع. في قوله ﴿لِلَّهِ﴾ وفي قوله: ﴿وَلِلرَّسُول﴾ وفي قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ . وفي آية الصدقات لم تذكر إلاّ في أولها فقط٣، ولم تذكر مع بقية أنواع المصارف - في الآيات الثلاث - وليس ذلك لغير معنى، بل لمعان متغايرة وهي: أنها في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ بمعنى أن أمرها إليه، لم يجعله إليكم، بل أخرجها عن حكمكم وجعل لها مصارف عينها لهم٤. وفي قوله: ﴿وَلِلرَّسُول﴾ بمعنى أنه هو المنفذ لأمر مرسله، وهو الذي يتولى أمر قسمها بإذنه، وله فيها نصيب لاحتياجه إلى ما يحتاج إليه البشر ولما كانت منزلته أعلى من منزلة بقية المصارف أُعيدت اللام مع بقية المصارف٥ تنبيهًا
_________________
(١) ١ ما ذكره المؤلف هو أحد الأقوال. انظر أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٢٤، ٢٤٤) (٥/ ٣١٩)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٣/ ١٥٢، ١٥٨) (٤/ ٤٠٦)، وأحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٨٣٩، ٨٥٥، ٨٥٦)، (٤/ ١١٧٢، ١٧٧٣) . ٢ صحيح البخاري - مع الفتح - (٦/ ٢١٧) كتاب فرض الخمس. وفيه النص هكذا (يعني للرسول قسم ذلك) . قال ابن حجر - في الفتح (٦/ ٢١٧، ٢١٨) معلقًا على تفسير البخاري ـ: (هذا اختيار منه لأحد الأقوال في تفسير هذه الآية، والأكثر على أن اللام في قوله: ﴿وَلِلرَّسُول﴾ للملك، وأن للرسول خمس الخمس من الغنيمة، سواء حضر القتال أو لم يحضر، وهل كان يملكه أو لا؟ وجهان للشافعية، ومال البخاري إلى الثاني واستدل له) . ٣ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ.﴾ سورة التوبة، الآية: ٦٠. ٤ هذا المعنى مختلف فيه في بعض الآيات. انظر المحرر الوجيز (٨/ ٦، ٧٠) (١٥/ ٤٦٦)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ٣٦١) (٨/١٠) (١٢/ ١١-١٤) . ٥ يعني مع بعض المصارف، كما هي في الآية (٤١) من سورة الأنفال، وفي الآيتين
(٢) و(٨) من سورة الحشر.
[ ١٢١ / ٥١ ]
على أنهم مصارف محضة، فمنزلته؟ﷺ منزلة بين المنزلتين، ولهذا - والله أعلم - لم يكرر مع بقية المصارف، ولم يكرر في آية الصدقات؛ لأن زيادتها معهم ليس لها فائدة؛ إذ كلهم يجمعهم معنى واحد، وهو كونهم مصارف. واللام في قوله: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ ١ الآيات، بدل٢ من اللام في قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ٣ الآية٤.
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآية: ٨. ٢ انظر الكشاف (٤/ ٨٣)، والدر المصون (١٠/ ٢٨٣، ٢٨٤) فقد ذكرا البدلية، وهي قول من ثلاثة أقوال. انظر الدر المصون الموضع المتقدم. ٣ سورة الحشر، الآية ٧. ٤ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (١٨٤، ١٨٥) تحقيق أنور. والمؤلف ذكر هذا التفسير أثناء كلامه على اختلاف العلماء في قسمة خمس الغنيمة المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ . وقد ذهب المؤلف إلى قول من قال: إن الخمس والفيء واحد يُجعلان في بيت المال، ويُعطى أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلممنهما على ما يراه الإمام، ويجتهد في ذلك، وهو قول الإمام مالك والثوري، ورواية عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر مجموع الفتاوى (١١/ ١٨١)، (١٠/ ٢٨٠ - ٢٨٣)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (٤/ ١٦٦، ١٦٧)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٣١٣) . وانظر المسألة من أولها في مشكلات الهداية ص (١٨٢-١٨٤) تحقيق أنور.
[ ١٢١ / ٥٢ ]