قوله تعالى: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ ٨أي: أصدقتموه. والضمير يعود إلى موسى قولًا واحدًا. وأما ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ٩
فالضمير (به) يعود إلى رب العالمين؛ فإن
_________________
(١) ٨ سورة الشعراء، الآية: ٤٩. ٩ سورة الأعراف، الآية: ١٢٣.
[ ١٢١ / ٢٠ ]
السحرة لما قالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ١ قال فرعون: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ٢أي آمنتم برب العالمين. وقيل: إن الضمير في (به) يعود إلى موسى كما في قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ ٣ ولكن ليس معناها واحدًا، بل في الإيمان به معنى زائد على الإيمان له٤، وهو الطاعة والانقياد والإقرار، وكلا المعنيين يصح هنا؛ لأن موسى - ﵇ - ادعى الرسالة لنفسه وهو صادق في دعواه فصح أن يقال: أصدقتموه في قوله؟، وأن يقال: أصدقتموه وأطعتموه وأقررتم به؟. بخلاف من يدعى الرسالة لغيره كمن قال: موسى رسول الله، صح أن يقال آمنت لمن قال هذا، ولا يقال: آمنت بمن قال هذا من المؤمنين. ففرق بين المتعدَّى بالباء، والمتعدّى باللام، فالأول يقال للمخبَر به والثاني يقال للمخبِر؛ ولهذا قال: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥ وقال تعالي - عن إخوة يوسف -: ﴿ُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ ٦ وفي هاتين الآيتين لا يصلح دخول الباء عوضًا عن اللام، فلا يقال: (ويؤمن بالمؤمنين) ولا (بمؤمن بنا)؛ لأنه لا يصح أن يكون فيه
معنى زائد على التصديق من الطاعة والانقياد والإقرار. والأصل أن كل حرف من حروف الجر
_________________
(١) ١ سورة الشعراء، الآية: ٤٧، ٤٨. ٢ سورة الأعراف، الآية: ١٢٣. ٣ انظر البحر المحيط (٤/ ٣٦٥)، والدر المصون (٥/ ٤٢١) ففيهما ما قال المؤلف في مرجع الضميرين. ونص أيضًا على ذلك الكرماني في غرائب التفسير (١/ ٤١٨) لكن من غير أن يذكر خلافًا في مرجع الضمير في (به) . ٤ أشار المقرئ الكرماني - في غرائب التفسير (١/ ٤٨١) - إلى وجود الاختلاف بين اللام والباء. ٥ سورة التوبة، الآية: ٦١. ٦ سورة يوسف، الآية: ١٧.
[ ١٢١ / ٢١ ]
يستعمل بمعنى يخصه١.
قوله - عن القرآن -: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الاوَّلِينَ﴾ ٢ أي: ذكره ووصفه والإخبار عنه٣، كما أن محمدًا مكتوب عندهم٤. إذ القرآن أنزله الله على محمد، لم ينزله على غيره أصلًا؛ ولهذا قال (في الزبر)، ولم يقل في الصحف، ولا في الرق؛ لأن الزَّبر جمع زبور، والزبر هو الكتابة والجمع٥، فقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الاوَّلِينَ﴾ أي: مزبور الأولين، ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبيّن المعنى المراد، ويبيّن كمال بيان القرآن وخلوصه من اللبس، وهذا مثل قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ ٦، أي: ذكره٧، بخلاف قول-هـ. ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ ٨ أو ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ٩ أو ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ١٠؛ لأن العامل في الظرف إما أن
_________________
(١) ١ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٥٣، ٥٤) تحقيق أنور. وانظر ما قاله شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩٠) في الفرق بين المعدّى بالباء والمعدّى باللام، ولا يبعد أن المؤلف اطلع عليه. ٢ سورة الشعراء، الآية: ١٩٦. ٣ نص البغوي وابن الجوزي أنه قول أكثر المفسرين. انظر معالم التنزيل (٣/٣٩٨)، وزاد المسير (٦/١٤٤) . ٤ لعل المؤلف أراد أن يجمع بين القولين في مرجع الضمير - في (وإنه) - وهل هو لذكر القرآن كما عليه الأكثر، أو لذكر محمد ﷺ؟. قال السمعاني في تفسير القرآن (٤/٦٦): وقد قالوا إن كليهما مراد. ٥ انظر معاني القرآن وإعرابه (٤/١٠٠) . ٦ سورة الأعراف، الآية: ١٥٧. ٧ قال الطبري: يجدون نعته، وأمرَه، ونبوته. جامع البيان (١٣/١٦٥) وقول المؤلف قريب من هذا. ٨ سورة الطور، الآية: ٣. ٩ سورة البروج، الآية: ٢٢. ١٠ سورة الواقعة، الآية: ٧٨.
[ ١٢١ / ٢٢ ]
يكون من الأفعال العامة مثل الكون والاستقرار والحصول ونحو ذلك، أو يقدر: مكتوب في كتاب، أو في رق. والكتاب: تارة يذكر ويراد به محل الكتابة، وتارة يذكر ويراد به الكلام المكتوب، ويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتاب، وكتابة الأعيان الموجودة في الخارج فيه؛ فإن تلك١ إنما يُكتب ذكرها، وكلما تدبر الإنسان هذا المعنى وضح له الفرق٢.
_________________
(١) ١ الإشارة ترجع إلى الأعيان الموجودة في الخارج. ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (١٩٣، ١٩٤) وانظر- أيضًا- التنبيه على مشكلات الهداية، ص (١٧٥، ١٧٦) تحقيق عبد الحكيم. وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٢/٢٣٩، ٢٤٠) فقد بحث هذه الآية بنحو هذا، ولعل المؤلف أخذ هذا منه. وقد ساق ابن تيمية وابن أبي العز تفسير هذه الآية - عرضًا - أثناء كلامهما على مسألة أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق.
[ ١٢١ / ٢٣ ]