[قوله تعالى]: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١ ﴿الدِّينِ﴾ الجزاء٢، يقال: كما تدين تدان. أي: تُجازي تُجازى قال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣ ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ ٤ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٥ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٦ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٧٨.
[قوله تعالى]: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٩ إذا هداه هذا الصراط، أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر، لا في الدنيا ولا في الآخرة. لكن الذنوب هي لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب، ليس كما يقوله بعض المفسرين: إنه
_________________
(١) ١ سورة الفاتحة، الآية: ٤. ٢ انظر تفسير القرآن، للسمعاني (١/٣٧)، وجامع البيان (١/١٥٥)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/١٩) . وقد ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز (١/٧٢، ٧٣) أن "الدين" يجيء في كلام العرب على أنحاء، منها ما ذُكر هنا. قال: وهذا الذي يصلح لتفسير قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . ٣ سورة السجدة، الآية: ١٧. ٤ سورة النبأ، الآية: ٢٦. ٥ سورة الأنعام، الآية: ١٦٠. ٦ سورة النمل، الآية: ٨٩، ٩٠. ٧ سورة القصص، الآية: ٨٤. ٨ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٦٠٠) . ٩ سورة الفاتحة، الآية: ٦، ٧.
[ ١٢٠ / ٢٧ ]
قد هداه، فلماذا يسأل الهدى؟ وأن المراد التثبيت، أو مزيد الهداية١.
بل العبد محتاج إلى أن يُعلِّمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتركه من تفاصيل الأمور في كل يوم، وإلى أن يلهمه أن يعمل ذلك، فإنه لا يكفي مجرّد علمه، إن لم يجعله مريدًا للعمل بما يعلمه، وإلاَّ كان العلم حجة عليه، ولم يكن مهتديًا، والعبد محتاج إلى أن يجعله الله قادرًا على العمل بتلك الإرادة الصالحة٢، فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلًا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله، فأمر يفوت الحصر، ونحن محتاجون إلى الهداية التامّة، فمن كملت له هذه الأمور، كان سؤاله سؤال تثبيت٣، وهي آخر الرتب. وبعد ذلك كله هداية أخرى، وهي الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة٤؛ ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة، لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء٥، فيجب أن يعلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير، المانعة من الشر، فقد بيَّن القرآن أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر الله، وأن الحسنات كلها من الله تعالى٦.
_________________
(١) ١ أورد السؤال والجوابين السمعاني في تفسير القرآن (١/٣٨)، ونحو هذا في كثير من كتب التفسير. انظر تفسير القرآن لأبي الليث (١/٨٣)، ومعالم التنزيل (١/٤١)، والكشاف (١/٦٦)، والتفسير الكبير (١/٢٠٥) . وقد فسر الطبري الآية في جامع البيان (١/٦٦) بالقول الأول فقال: "وفقنا للثبات عليه". ٢ من أول كلام المؤلف إلى هنا موجود في مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٤/٣٢٠، ٣٢١) . وكذلك هو في الحسنة والسيئة لشيخ الإسلام نفسه، ص (٨٣، ٨٤) . ٣ انظر بدائع الفوائد (٢/٣٨) ففيه نحو ما ذكر المؤلف هنا. ٤ انظر المحرر الوجيز (١/٧٨) . ٥ من قوله: «ولهذا» إلى «الدعاء» مأخوذ بنصه من كتاب الحسنة والسيئة، ص (٨٤) . ٦ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥١٩، ٥٢٠) ونحو هذا أعاده في ص (٨٠٠) .
[ ١٢٠ / ٢٨ ]
[وقال أيضًا قوله تعالى]: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين َ﴾ ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضآلُّون" ١.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٨٠٠) . والحديث أخرجه الترمذي برقم (٢٩٥٤)، والإمام أحمد في المسند (٤/٣٧٨، ٣٧٩)، وأبو داود الطيالسي برقم (١٠٤٠)، وابن جرير في جامع البيان (١/١٨٥، ١٩٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/٢٣)، وابن حبان في صحيحه مع الإحسان (١٦/١٨٣، ١٨٤) كلهم من حديث عدي بن حاتم ﵁. والحديث صحح أحمد شاكر إسناده. انظر جامع البيان الموضع المتقدم. وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافًا. يعني تفسير الآية بما جاء عن رسول الله ﷺ. انظر تفسيره (١/٢٣) .
[ ١٢٠ / ٢٩ ]