[قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١] لفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإن المسح كما يُطلق ويراد به الإصابة، كذلك يطلق ويراد به الإسالة، كما تقول العرب: تمسحت للصلاة٢. وفي الآية ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الذي هو قسيم الغسل، بل المسح الذي الغسل قسم منه، فإنه قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، ولم يقل: إلى الكعاب، كما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فدلّ على أنه ليس في كل رجل كعب واحد، كما في كل يد مرفق واحد، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل، فإن من يمسح المسح الخاص يجعل المسح لظهور القدمين، وجعل الكعبين - في الآية - غاية يرد قولهم٣. فدعواهم٤ أن الفرض مسح الرجلين إلى الكعبين اللذين هما مجتمع الساق والقدم عند معقد
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٦. ٢ انظر المفردات ص، (٤٦٧)، والوسيط (٢/١٥٩)، ومعاني القرآن الكريم (٢/٢٧٢، ٢٧٣)، والمحرر الوجيز (٥/٤٨) . ٣ قوله: وجعل الكعبين الخ احتج به كثير ممن تقدم، منهم: الزجاج في معاني القرآن (٢/١٥٤)، والأزهري في تهذيب اللغة (٤/٣٥٢) "مسح"، والنحاس في معاني القرآن (٢/٢٧٣) . ٤ يعني بقوله: "فدعواهم" الشيعة فإنهم هم الذين يرون أن الفرض هو المسح، لا الغسل. انظر تفسير القرآن العظيم (٢/٢٣) .
[ ١٢٠ / ٦٣ ]
الشراك مردود بالكتاب والسنة.
وفي الآية قراءتان مشهورتان النصب والخفض١، وتوجيه إعرابهما مبسوط في موضعه٢، وقراءة النصب نص في وجوب الغسل؛ لأن العطف على المحل إنما يكون إذا كان المعنى واحدًا، كقوله٣:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وليس معنى مسحت برأسي ورجلي، هو معنى مسحت رأسي ورجلي، بل ذكر الباء يفيد معنى زائدًا على مجرد المسح، وهو إلصاق شيء من الماء بالرأس٤،
_________________
(١) ١ يعني في لفظ "أرجلكم" وقراءة النصب، قرأ بها نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص، والباقون بالخفض. انظر المبسوط في القراءات العشر، ص (١٨٤)، والنشر في القراءات العشر (٢/٢٥٤) . ٢ انظر الحجة للقراء السبعة (٣/٢١٤، ٢١٥)، والكشف عن وجوه القراءات السبع (١/٤٠٦) . ٣ هذا الشعر لعُقَيْبة بن هُبيرة الأسدي، شاعر جاهلي إسلامي (ت نحو: ٥٠؟) قاله لمعاوية بن أبي سفيان ﵁ في أبيات وصدر البيت: (معاوي إننا بشر فأسجح) . ووجه الاستشهاد بالبيت أن "الحديدا" منصوب عطفًا على محل الجبال المجرورة لفظًا. وقد تبع المؤلف سيبويه وغيره في الاحتجاج بالبيت. انظر الكتاب (١/٦٧)، والإنصاف في مسائل الخلاف (١/٣٣٢)، ولسان العرب (١٠/١٢٠) "غمز" على أن قافية هذا الشعر قد جاءت مجرورة في خلاف يطول ذكره. انظر خزانة الأدب (٢/٢٦٠) . وإن أردت الوقوف على غير المراجع المذكورة التي أوردت هذا الشعر فانظر المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية (١/٢٠٩، ٢١٠) . ٤ تابع المؤلف شيخ الإسلام في عدم صحة عطف قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب على محل ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لوجود الاختلاف بينهما وبين ما جاء في البيت المذكور. انظر فتاوى شيخ الإسلام (٢١/٣٤٩) . وكون الباء للإلصاق هو رأي الزمخشري في الكشاف (١/٥٩٧)، وشيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢١/٣٤٩) . وقد قيل في الباء غير ما ذكر. انظر الدر المصون (٤/٢٠٩) .
[ ١٢٠ / ٦٤ ]
فتعين العطف على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ ١ وفي ذكر المسح في الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجلين، فإن السرف يعتاد فيهما كثيرًا٢.
[وقال أيضًا]: قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ٣ (من) هنا للتبعيض، لا للغاية٤. أي: ألصقوا بوجوهكم وأيديكم بعضه. قال الزمخشري في الكشاف٥: فإن قلت: قولهم إنها لابتداء الغاية قول متعسف، ولا يفهم أحد من العرب قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض. قلت: هو كما تقول٦، والإذعان للحق خير من المراء. انتهى٧.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٨ ذكر في سبب نزول الآية الكريمة عن ابن جريج، عن عكرمة أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالمًا مولى أبي حذيفة ﵃ في صحابة تبتلوا، فجلسوا في
_________________
(١) ١ يعني عطف قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب. وانظر الكشف عن وجوه القراءات السبع (١/٤٠٧)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢١/٣٤٩)، والدر المصون (٤/٢١٠) والأخير قد ذكر الخلاف بين العلماء في عطف الأيدي. ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥٥٣ - ٥٥٥) وما ذكره بقوله: وفي ذكر المسح في الرجلين الخ. قاله الزمخشري في الكشاف (١/٥٩٧) . ٣ سورة المائدة، الآية: ٦. ٤ انظر الدر المصون (٤/٢١٦) فقد ذكر السمين القولين، ووصف ما ذهب إليه المؤلف بأنه الأظهر. ٥ انظر منه (١/٥٢٩) فقد قاله الزمخشري عند الآية (٤٣) من سورة النساء. ٦ في التنبيه على مشكلات الهداية "يقول" بالياء، والتصحيح من الكشاف. ٧ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٩١) تحقيق عبد الحكيم. ٨ سورة المائدة، الآية: ٨٧.
[ ١٢٠ / ٦٥ ]
البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح١، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فنزلت فيهم، فبعث النبي ﷺ إليهم، فقال: "إن لأنفسكم عليكم حقًا، وإن لأعينكم حقًا، صوموا وأفطروًا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا". فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت٢.
قال تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ٣ ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ٤ ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٥ لا خلاف أن كل واحد من الاسمين في هذه الآيات لما أُفرد شمل المقل والمعدم، ولما قرن أحدهما بالآخر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ٦ الآية، كان المراد بأحدهما
_________________
(١) ١ المسوح جمع "مِسْح" بكسر الميم وإسكان السين كساء من شعر. انظر مختار الصحاح، ص (٤٥٥)، والمعجم الوسيط (٢/٩٠٣) "مسح". ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٧٨٨-٧٩٠) . والأثر بهذا اللفظ أخرجه ابن جرير في تفسيره برقم (١٢٣٤٨) عن ابن جريج عن عكرمة. قال ابن كثير بعد أن أورد هذا الأثر في تفسيره (٢/٨٩): "وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة، ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة أم المؤمنين". قلت: وللوقوف على هذه الروايات المرسلة انظر جامع البيان (١٠/٥١٤-٥١٨)، وتفسير ابن أبي حاتم (٤/١١٨٧) . والمؤلف إما أنه نقل سبب النزول من جامع البيان، أو من تفسير شيخه ابن كثير. ٣ سورة المائدة، الآية: ٨٩. ٤ سورة المجادلة، الآية: ٤. ٥ سورة البقرة، الآية ٢٧١. ٦ سورة التوبة، الآية ٦٠.
[ ١٢٠ / ٦٦ ]
المقل، والآخر المعدم١، على خلاف فيه٢.
وكذلك الإثم والعدوان، والبر والتقوى، والفسوق والعصيان. ويقرب من هذا المعنى الكفر والنفاق، فإن الكفر أعم، فإذا ذكر الكفر شمل النفاق، وإن ذكرا معًا كان لكل منهما معنى، وكذلك الإيمان والإسلام، على ما يأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى٣.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٤ هذه الآية نزلت بسبب أن الله سبحانه لما حرَّم الخمر، وكان تحريمها بعد وقعة أُحد، قال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية٥، بيَّن
_________________
(١) ١ قال أبو جعفر النحاس: وقال أهل اللغة لا نعلم بينهم اختلافًا الفقير الذي له بلغة، والمسكين الذي لا شيء له. انظر معاني القرآن (٣/٢٢٢) فقد ذكر هذا المذهب عند اقتران أحد اللفظين بالآخر. ٢ انظر الجامع لأحكام القرآن (٨/١٦٨) فقد قال القرطبي: اختلف علماء اللغة وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال. وانظر أيضًا معاني القرآن لأبي جعفر النحاس (٣/٢٢٠-٢٢٣) فقد ذكر أبو جعفر طائفة من أقوال العلماء في ذلك. ٣ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٤٥٢-٤٥٣) وانظر أيضًا، ص (٤٩٣) وقد تكلم المؤلف أيضًا على لفظ الفقير والمسكين في كتابه التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٣٨٨) تحقيق عبد الحكيم، وسيأتي كلامه على الإيمان والإسلام في سورة الحجرات. وقضية أن المعنى يختلف بالاقتران والانفراد بحثها شيخ الإسلام في مواضع من مجموع الفتاوى، منها (٧/١٦٢-١٦٩) ولعل المؤلف اطلع على شيء من هذا. ٤ سورة المائدة، الآية: ٩٣. ٥ أخرجه الترمذي في جامعه، برقم (٣٠٥٠، ٣٠٥١)، وأبو داوود الطيالسي في مسنده برقم (٧١٥)، وأبو يعلى في مسنده برقم (١٧١٩)، والطبري في جامع البيان برقم (١٢٥٢٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٦٧٧٥)، وابن حبان في صحيحه مع الإحسان برقم (٥٣٥٠، ٥٣٥١)، والواحدي في أسباب النزول، ص (٢٠٩، ٢١٠) كلهم من حديث البراء بن عازب ﵁. والحديث قال عنه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول، ص (٦١، ٦٢) .
[ ١٢٠ / ٦٧ ]
فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يُحَرَّمْ فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين، كما كان من أمر استقبال بيت المقدس١.
عن عمر ﵁ في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ٢ قال: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رُمي به.
وقال ابن عباس ﵄ طعامه ميتته، إلا ما قذرت منها٣.
عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بدّاء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته فقدوا جامًا من فضة مخوصًا بذهب فأحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا ابتعناه من تميم وعدي بن بدّاء فقام رجلان من أوليائه فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ٤ رواه البخاري وأبو داود٥.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٤٤٦ - ٤٤٨) . ٢ سورة المائدة، الآية: ٩٦. ٣ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٥٧٤) تحقيق أنور. وأثر عمر أخرجه ابن جرير في جامع البيان برقم (١٢٦٨٧) بإسناد ضعيف. وأثر ابن عباس أخرجه ابن جرير أيضًا (١٢٦٩٦) ورقم (١٢٦٩٧) إلا قوله: "إلا ما قذرت منها" فلم أقف عليه. والسندان إلى ابن عباس رجالهما ثقات. وتفسير "طعامه" بأنه ما لفظه ميتًا. أخرجه ابن جرير في جامع البيان برقم (١٢٧٢٩) عن رسول الله ﷺ بإسناد صحيح كما قال محمود شاكر. ٤ سورة المائدة، الآية: ١٠٦. ٥ التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٤٠٦) تحقيق أنور. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح برقم (٢٧٨٠)، وأبو داود في السنن برقم (٣٦٠٦)
[ ١٢٠ / ٦٨ ]