قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ٣
اختلفت عبارات المفسرين في المثل الأعلى٤. ووفق بين أقوالهم بعض من وفقه الله وهداه، فقال: المثل الأعلى يتضمن الصفة العُليا، وعلم العالمين بها،
_________________
(١) ٣ سورة النحل، الآية: ٦٠. ٤ فقيل: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: أي الصفة العليا بأنه خالق رازق قادر ومجازٍ. وقيل: ليس كمثله شيء. وقيل المثل الأعلى نحو قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ . وقيل: الصفة العليا المقدسة وهي أن له التوحيد، وأنه المنزه عن الولد، وأنه لا إله إلا هو، وأن له جميع صفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والبقاء. انظر جامع البيان (١٧/٢٣٠)، ومعاني القرآن الكريم (٤/٧٧)، والنكت والعيون (٣/١٩٥)، والوسيط (٣/٦٨)، وتفسير القرآن للسمعاني (٣/١٨١)، ومعالم التنزيل (٣/٧٣)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/١١٩)، ولباب التأويل (٣/٩٧)، وليس كل هؤلاء ذكروا جميع الأقوال، بل بعضهم ذكر واحدًا، وبعضهم ذكر أكثر.
[ ١٢٠ / ١٠٥ ]
ووجودها العلمي، والخبر عنها وذكرها، وعبادة الرب تعالى بواسطة العلم والمعرفة، القائمة بقلوب عابديه وذاكريه.
فهاهنا أمور أربعة:
الأول: ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، سواء علمها العباد أو لا، وهذا معنى قول من فسَّرها بالصفة.
الثاني: وجودها في العلم والشعور، وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف-: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه، من معرفته وذكره، ومحبته وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه. وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشركه فيه غيره أصلًا، بل يختص به في قلوبهم، كما اختص به في ذاته. وهذا معنى قول مَنْ قال من المفسرين: إن معناه أهل السماوات يُعظِّمونه ويُحبونه ويعبدونه، وأهل الأرض كذلك، وإن أشرك به من أشرك، وعصاه من عصاه، وجحد صفاته من جحدها، فأهل الأرض معظِّمون له، مجلون خاضعون لعظمته، مستكينون لعزته وجبروته، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ١.
الثالث: ذِكرُ صفاته والخبر عنها وتنزيهها من العيوب والنقائص والتمثيل.
الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده، والإخلاص له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى.
فعبارات السلف كلها تدور على هذه المعاني الأربعة٢.
(للبحث بقية)
_________________
(١) ١ سورة الروم، الآية: ٢٦. ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (١١٩-١٢١) وما ذكره المؤلف في تفسير الآية موجود في الصواعق المرسلة (٣/١٠٣٠-١٠٣٥)
[ ١٢٠ / ١٠٦ ]
القسم الثّاني
هذا هو القسم الثّاني؛ من هذا البحث؛ الّذي استخرج فيه الباحثُ (تفسيرَ ابن أبي العزّ) من خلال مؤلّفاته، وجَمَعَه وعَلَّقَ حواشيَه. وكان القسم الأوّل منه نُشر في العدد الماضي (١٢٠) وكان يتضمّن تفسير الإمام ابن أبي العزّ؛ من أوّل سورة الفاتحة إلى آخر سورة النّحل، وسبق ذلك تقديمٌ تناول التّعريفَ بموضوع البحث، وأسباب اختياره، وخطّته، والتّعريف بابن أبي العزّ