قول-هـ تعالى - حكاية عن بلقيس -: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك٤، وهذا القيد يُفهم من قرائن الكلام؛ إذ مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك، غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها٥.
والعرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك٦ وليس هو فلكًا،
٤ انظر جامع البيان (١٩/٤٤٦)، ومعاني القرآن وإعرابه (٤/١١٥)، ومعاني القرآن الكريم (٥/١٢٥) فقد فسر مؤلفوها بهذا.
٥ شرح العقيدة الطحاوية، ص (١٨١) .
٦ انظر معاني القرآن وإعرابه (٤/١١٥)، وتفسير غريب القرآن للسجستاني، ص (١١٩)، وتهذيب اللغة (١/٤١٣) (عرش) .
[ ١٢١ / ٢٣ ]
ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب١.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ٢ يقول الله تعالى أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار٣، يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى استفهام هل مع الله إله؟ كما ظنه بعضهم٤؛ لأن هذا المعنى لا يُناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أُخرى، كما قال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ ٥، وكانوا يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٦. ولكنهم ما كانوا يقولون: إن معه إلهًا ﴿جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ ٧ بل هم مقرون بأن الله وحده فعل هذا، وهكذا سائر الآيات٨.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣٦٦) . ٢ سورة النمل، الآية: ٦٠. ٣ انظر تفسير القرآن للسمعاني (٤/١٠٨)، والوسيط (٣/٣٨٢)، ومعالم التنزيل (٣/٤٢٥) فكل هؤلاء فسروا الاستفهام بأنه إنكاري، وكثير غيرهم على هذا. ٤ كأن الألوسي أشار إلى شيء من هذا، أو قريب منه، وصدره بقيل. انظر روح المعاني (٢٠/٥) . وكلام بعض المفسرين يفهم منه هذا. انظر النكت والعيون (٤/٢٢١)، وفتح القدير (٤/١٤٢) لكن لا أستطيع الجزم؛ لأن كلامهم قد يُخرَّج على أنهم أرادوا أن الاستفهام إنكاري. ٥ سورة الأنعام، الآية: ١٩. ٦ سورة ص، الآية: ٥. ٧ سورة النمل، الآية: ٦١. ٨ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٣٦، ٣٧) . وقد تكلم شيخ الإسلام على هذه الآية - أعني التي فسرها ابن أبي العز - وبيَّن أن مَنْ جعل الاستفهام غير إنكاري فقد غلط. انظر مجموع الفتاوى (٧/٧٦، ٧٧) (١١/٦٨٢، ٦٨٣) ويظهر أن المؤلف اطلع على هذا، ولكنه تصرف وأضاف أشياء على عادته في النقل عن الإمامين، ابن تيمية، وابن القيم.
[ ١٢١ / ٢٤ ]