قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ١ اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط٢، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٣. وفي الصحيح أنه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة" قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ الاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ فقال:"ألم تسمعيه" قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٤. أشار ﷺ إلى أن ورود
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية: ٧١. ٢ انظر الأقوال الأُخر في معاني القرآن الكريم (٤/٣٤٧-٣٥٠)، وتفسير القرآن للسمعاني (٣/٣٠٦-٣٠٨)، وزاد المسير (٥/٢٥٥-٢٥٧) وقد اختار ما رجحه المؤلف جماعة من العلماء منهم ابن جرير في جامع البيان (١٨/٢٣٤)، والسمعاني في تفسير القرآن (٣/٣٠٨)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/٢٧٩)، والشوكاني في فتح القدير (٣/٣٤٧) ومما يؤيد هذا القول ما أخرجه الترمذي في جامعه برقم (٣١٥٩)، والدارمي برقم (٢٨١٠) والحاكم (٢/٤٠٧) عن السُّدي قال: سألت مرة الهمداني عن قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ فحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم، قال: قال رسول الله ﷺ: (يرد الناس النار ثم يصدرون منها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح.) الحديث. قال الحاكم: هذا حديث صحيح عل شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. ٣ سورة مريم، الآية: ٧٢. ٤ أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٤٩٦) من حديث جابر. وقد تابع المؤلفُ شيخ الإسلام في الاحتجاج بهذا الحديث على أن الورود هو المرور على الصراط. انظر مجموع الفتاوى (٤/٢٧٩) .
[ ١٢١ / ١٥ ]
النار لا يستلزم دخولها١، وأن النجاة من الشر لا يستلزم حصوله، بل يستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا﴾ ٢ ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ ٣ ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا﴾ ٤ ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة، لأصابهم ما أصاب أولئك. وكذلك حال الواردين النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيًّا، فقد بيّن ﷺ في حديث جابر المذكور: أن الورود هو المرور على الصراط.
وروى الحافظ أبو نصر الوائلي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ: "علِّم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة، فلا تحدثن في دين الله حدثًا برأيك". أورده القرطبي٥.
وروى أبو بكر بن أحمد بن سليمان النجاد، عن يعلى بن منية، عن رسول الله ﷺ قال: "تقول النار للمؤمن - يوم القيامة -: جُزْ يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي" ٦.
_________________
(١) ١ بهذا المعنى احتج الزجاج في معاني القرآن (٣/٣٤١) . ٢ سورة هود، الآية: ٥٨. ٣ سورة هود، الآية: ٦٦. ٤ سورة هود، الآية: ٩٤. ٥ هو في التذكرة، ص (٣٩٠،٣٩١) قال القرطبي: ذكر الوائلي أبو نصر في كتاب الإبانة. ثم ساق سند الوائلي. وذكر المحققان لشرح العقيدة الطحاوية ص، (٦٠٨) أنه قد أخرجه أيضًا البغدادي في تاريخه وأبو نعيم في الحلية، وأن أيّ واحد من الأسانيد التي خرجه بها هؤلاء العلماء (الوائلي، البغدادي، أبو نعيم) لايصح، ولا يثبت. ٦ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٦٠٦-٦٠٨) .والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/٢٥٨، ٢٥٩) برقم (٦٦٨)، وأبو نعيم في الحلية (٩/٣٢٩) من رواية يعلى بن منية عن رسول الله ﷺ. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/٣٦٠) وقال: رواه الطبراني، وفيه سليم بن منصور بن عمار وهو ضعيف. وضعَّفه أيضًا المحققان لشرح العقيدة الطحاوية، ص (٦٠٨) بالانقطاع وبغيره.
[ ١٢١ / ١٦ ]