سورة الرعد
قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٥ في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين كانوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟. فيقولون: أتيناهم وهم
_________________
(١) ٥ سورة الرعد، الآية:١١.
[ ١٢٠ / ١٠١ ]
يصلون، وفارقناهم وهم يصلون"١.
وفي الحديث الآخر: "إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم، وأكرموهم" ٢.
جاء في التفسير اثنان عن اليمين وعن الشمال، يكتبان الأعمال. صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه، وواحد أمامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلًا، حافظان وكاتبان٣. وقال عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلَّوا عنه٤.
_________________
(١) ١ متفق عليه من رواية أبي هريرة ﵁. أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح برقم (٥٥٥)، ومسلم في صحيحه برقم (٦٣٢) . ٢ أخرجه الترمذي في السنن برقم (٢٨٠٠) من رواية ابن عمر ﵄ وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قلت: ضعفه الألباني أيضًا في الإرواء برقم (٦٤) والعلة فيه أنه من طريق ليث بن أبي سُليم. ٣ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥٥٧، ٥٥٨) . وهذا التفسير الذي ذكره المؤلف، قاله شيخه ابن كثير في تفسيره (٢/٥٠٤) فلعل المؤلف أخذه منه، وكذلك الحديثان أوردهما ابن كثير عند تفسير الآية بنفس اللفظ فيترجح أن المؤلف أخذه منه. وتبين من كلام المؤلف أنه يرى أن المعقبات هي الملائكة. قال أبو جعفر النحاس بعد أن ذكر هذا القول وغيره: "وأولى هذه الأقوال الأول؛ لعلوِّ إسناده وصحته" معاني القرآن الكريم (٣/٤٧٩) . وهو يعني قول من قال: إنهم الملائكة. وقال القرطبي: والصحيح أن المعقبات الملائكة. الجامع (٩/٢٩٣) . ٤ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥٥٩) . والأثر أخرجه الطبري في تفسيره برقم (٢٠٢١٦، ٢٠٢١٧) من طريقين مدارهما على سماك بن حرب، وهو صدوق، وروايته عن عكرمة مضطربة، وقد تغير بأخرة فكان ربما تلقن. التقريب برقم (٢٦٢٤) . وله شواهد تدل على ثبوته عن ابن عباس. انظر الوسيط (٣/٨، ٩)، وتفسير القرآن العظيم (٢/٥٠٥)، والدر المنثور (٤/٤٧) وقال السمعاني: إنه قول الأكثرين. تفسير القرآن (٣/٨١) .
[ ١٢٠ / ١٠٢ ]
ومعنى ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قيل: حفظهم له من أمر الله١، أي: الله أمرهم بذلك، يشهد لذلك قراءة من قرأ ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٢.
قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ٣ السماء العلو٤، وقد جاء في مكان آخر أنه منزل من المزن٥، والمزن السحاب، وفي مكان آخر أنه منزل من المعصرات٦.
قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمّ ُ
_________________
(١) ١ هو أحد الأقوال في معنى الآية. انظر جامع البيان (١٦/٣٧٥، ٣٧٦)، ومعاني القرآن (٢/٦٠)، ومعاني القرآن وإعرابه (٣/١٤٢)، ومعاني القرآن الكريم (٣/٤٧٨-٤٨٠)، والجامع لأحكام القرآن (٩/٢٩١-٢٩٣) ولم يذكر الزجاج إلا القول الذي فسر به المؤلف هنا. ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥٦٠) وهذه القراءة شاذة. انظر المحتسب (١/٣٥٥) . ونسبها ابن جني إلى علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما. وممن ذكرها حجة على هذا المعنى ابن جرير في تفسيره (١٦/٣٧٦)، والزمخشري في الكشاف (٢/٣٥٢)، وأبو حيان في البحر (٥/٣٦٤) وغيرهم. ٣ سورة الرعد، الآية: ١٧. ٤ انظر المفردات، ص (٢٤٣)، وعمدة الحفاظ (٢/٢٥٧) . ٥ في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ سورة الواقعة، الآيتان: ٦٨، ٦٩. ٦ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ سورة النبأ، الآية: ١٤. والمعصرات هي السحاب، سميت بذلك؛ لأنها تعتصر المطر. انظر المفردات، ص (٣٣٦)، وعمدة الحفاظ (٣/١٠٠) . ولا تعارض بين هذه الآيات؛ لأن المزن والمعصرات هي السحاب، والسحاب في السماء. وتفسير المؤلف في شرح العقيدة الطحاوية، ص (١٩٦) .
[ ١٢٠ / ١٠٣ ]
الْكِتَابِ﴾ ١ المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة٢ وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ اللوح المحفوظ٣، ويدل على هذا الوجه٤ سياق الآية، وهو قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ثم قال: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ أي: من ذلك الكتاب ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ. وقيل: يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه٥، والسياق أدل على هذا الوجه من الوجه الأول، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ فأخبر تعالى أن الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله، ثم قال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ أي: أن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها، ثم تنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ما
_________________
(١) ١ سورة الرعد، الآية: ٣٨،٣٩. ٢ انظر جامع البيان (١٦/٤٨٤، ٤٨٥)، ومعاني القرآن وإعرابه (٣/١٥٠)، ومعاني القرآن الكريم (٣/٥٠٢)، والنكت والعيون (٣/١١٨)، والوسيط (٣/٢٠)، وتفسير القرآن للسمعاني (٣/١٠٠)، ومعالم التنزيل (٣/٢٣)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٤/٤٩٢) فقد ذكر أصحاب هذه المؤلفات هذا القول. ٣ انظر بحر العلوم (٢/١٩٧)، والنكت والعيون (٣/١١٨)، وتفسير القرآن للسمعاني (٣/١٠٠)، ومعالم التنزيل (٣/٢٣)، والكشاف (٢/٣٦٣) وطائفة من المفسرين لم يذكروا إلا هذا القول مما يدل على أنه أقوى الأقوال. ٤ يعني المؤلف بالوجه أن المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة. ٥ انظر الوسيط (٣/٢٠)، والكشاف (٢/٣٦٣)، والبحر (٥/٣٨٨)، وفتح القدير (٣/٨٩)، وفتح البيان (٥/١١١)، ومحاسن التأويل (٤/٤٥٥) ومن نسب من أصحاب هذه المؤلفات هذا القول إلى قتادة فنسبته فيها نظر؛ لأن المنقول عن قتادة أنه يقول: إن هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فهذا معناه أنه مثل النسخ الواقع في شريعة القرآن، فلم يجعله قتادة عامًا كما نقل هذا الناقل. انظر قول قتادة في: جامع البيان (١٦/٤٨٥، ٤٨٦)، وتفسير القرآن العظيم (٢/٥٢١) .
[ ١٢٠ / ١٠٤ ]
يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء. وفي الآية أقوال أُخرى١، والله أعلم بالصواب٢.
_________________
(١) ١ انظر هذه الأقوال في المراجع التي ذُكرت عند القولين السابقين. ومع قوة ما ذكر المؤلف، فهناك قول جدير بأن تحمل هذه الآية المشكلة عليه، فهمته من كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٤/٤٩١)، وقاله الثعالبي في الجواهر الحسان (٢/٣٧١)، وحاصله: أن الله ﷾ يمحو من الأمور ما يشاء، ويغيرها عن أحوالها مما سبق في علمه محوه وتغييره، ويثبتها في الحالة التي ينقلها إليها حسب ما سبق في علمه. وهذا القول يدل له ما جاء في الحديث أن الله تعالى جعل عمر داود ﵇ ستين سنة، فوهب له آدم ﵇ من عمره أربعين سنة. والحديث أخرجه الأمام الترمذي في جامعه برقم (٣٠٧٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح. ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (١٣١، ١٣٢) .
[ ١٢٠ / ١٠٥ ]