قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٢ فالحسنى الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول الله ﷺ والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب، قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا ويريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة" ٣. ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أُخر، معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل٤. وكذلك فسرها الصحابة ﵃ روى ابن
_________________
(١) ٢ سورة يونس، الآية: ٢٦. ٣ صحيح مسلم الحديث رقم (١٨١)، وقوله: "وهي الزيادة" لم أقف عليها في صحيح مسلم المطبوع، وقد نسبها إليه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/٤٥٥)، وابن كثير في تفسيره (٤/٢٢٩) . فلعلهما فهما ذلك من إيراد الإمام مسلم للآية على إثر هذا الحديث. إلا أن ابن أبي عاصم قد أخرج الحديث في كتاب السنة برقم (٤٧٢) من رواية صهيب مرفوعًا وفيه "فما شيء أعطوه أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة". وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: إسناده صحيح على شرط مسلم. انظر ظلال الجنة في تخريج السنة (١/٢٠٦) . ٤ ممن رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة برقم (٤٧٢)، وصححه الشيخ الألباني كما تقدم ورواه أيضًا اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/٤٥٦، ٤٥٧) مرفوعًا من رواية أنس، وأُبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وأبي موسى الأشعري بألفاظ تفيد ما ذكر المؤلف. إلا أن أسانيد اللالكائي لا تخلو من ضعف. وأخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٥/٦٨، ٦٩) مرفوعًا من رواية كعب بن عجرة، وأُبي بسندين فيهما ضعف. وانظر الدر المنثور (٣/٣٠٥) تجده قد ذكر من أخرج هذا التفسير مرفوعًا.
[ ١٢٠ / ٩٤ ]
جرير عن جماعة، منهم: أبو بكر الصديق، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، رضي الله عنهم١.
قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ٢ الولي: من الولاية بفتح الواو التي هي ضد العداوة٣. وقد قرأ حمزة: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وِلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤ بكسر الواو، والباقون بفتحها٥. فقيل: هما لغتان، وقيل: بالفتح النصرة،
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٢١٠، ٢١١) . وانظر رواية ابن جرير عن هؤلاء الصحابة في جامع البيان (١٥/٦٣-٦٨) ما عدا الرواية عن ابن عباس فلم أقف عليها في جامع البيان عند هذه الآية. وقد أخرجها البيهقي في الأسماء والصفات (١/١٨٢-١٨٤) وذكر الشيخ محمود شاكر ما يفيد أن أسانيد ابن جرير لا تخلو من ضعف. لكن صحح الشيخ الألباني الرواية عن أبي بكر وحذيفة. انظر ظلال الجنة في تخريج السنة الأثر رقم (٤٧٣، ٤٧٤) . وأما رواية البيهقي عن ابن عباس فسندها ضعيف؛ لأنها من طريق حفص بن عمر العدني عن شيخه الحكم بن أبان. وابن القيم قد تكلم على تفسير الآية في حادي الأرواح، ص (٣٢٩) وما بعدها. وبعد: فإن تفسير الزيادة في الآية الكريمة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم قد ثبتت مرفوعة وموقوفة. ونص الإمام النسفي أن جمهور المفسرين على ذلك. انظر مدارك التنزيل (٤/١٨٠) عند قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ . ٢ سورة يونس، الآية:٦٢. ٣ انظرمختار الصحاح، ص (٥٣٧)، ولسان العرب (١٥/٤٠٤) "ولي". ٤ سورة الأنفال، الآية: ٧٢. ٥ انظر النشر (٢/٢٧٧)، وإتحاف فضلاء البشر، ص (٢٣٩) .
[ ١٢٠ / ٩٥ ]
وبالكسر الإمارة١. قال الزجاج: وجاز الكسر؛ لأن في تولي بعض القوم بعضًا جنسًا من الصناعة والعمل، وكُلُّ ما كان كذلك مكسورٌ، مثل الخياطة ونحوها٢.
والولي: خلاف العدو، وهو مشتق من الولي، وهو الدنو والتقرب٣، فولي الله: هو مَنْ والى الله بموافقته في محبوباته، والتقرب إليه بمرضاته، وهؤلاء كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٤. قال أبو ذر ﵁: لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: "يا أبا ذر لو عمل الناس بهذه الآية لكفتهم"٥.
_________________
(١) ١ انظر الدر المصون (٥/٦٤٠)، فقد نص السمين على هذا ونسبه للزجاج. وقاله أيضًا البناء في إتحاف فضلاء البشر، ص (٢٣٩) وأصل هذا التوجيه للفراء في معاني القرآن (١/٤١٨، ٤١٩)، وبعضه في مجاز القرآن (١/٢٥١) . ٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥٠٥) . وما نسبه للزجاج لم أقف عليه في معاني القرآن. ونقل الأزهري كلام الزجاج في تهذيب اللغة (١٥/٤٤٩) "ولي" ولم يذكر عنه ما قاله المؤلف هنا. وقد نص الأزهري على نحو ما قال المؤلف في كتابه القراءات وعلل النحويين (١/٢٤٨) بدون أن ينسبه لأحد. ثم إنني اطلعت على لسان العرب فوجدته ينقل عن الزجاج بواسطة التهذيب، ويذكر عنه ما قال المؤلف هنا. انظر لسان العرب (١٥/٤٠١) "ولي". فلعل كلام الزجاج سقط من النسخة التي وصلت إلينا من التهذيب. ٣ انظر معجم مقاييس اللغة (٦/١٤١، ١٤٢) "ولي". ٤ سورة الطلاق، الآية: ٢، ٣. ٥ أخرجه ابن ماجة في السنن برقم (٤٢٢٠)، والدارمي في سننه برقم (٢٧٢٥)، والحاكم في المستدرك (٢/٥٣٤) كلهم من طريق أبي السليل عن أبي ذر. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. لكن الشيخ الألباني وغيره حكموا بضعفه. انظر ضعيف سنن ابن ماجة، ص (٣٤٧)، وشرح العقيدة الطحاوية تحقيق التركي وشعيب، ص (٥٠٩) الحاشية. والصواب ما قاله المتأخرون؛ لأن أبا السليل حديثه مرسل عن أبي ذر. انظر التهذيب (٤/٤٥٨) . وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/١٧٨، ١٧٩)، وابن حبان في الصحيح مع الإحسان برقم (٦٦٦٩) كلاهما من الطريق المذكور، ضمن حديث طويل.
[ ١٢٠ / ٩٦ ]
.. فـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١ منصوب على أنه صفة أولياء الله، أو بدل منه، أو بإضمار "أمدح"، أو مرفوع بإضمار "هم"، أو خبر ثان لإن، وأجيز فيه الجر، بدلًا من ضمير عليهم٢. وعلى هذه الوجوه كلها فالولاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم أهل الوعد المذكور في الآيات الثلاث، وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، ليست بكثرة صوم ولا صلاة، ولا تمزق٣، ولا رياضة. وقيل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، والخبر ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ ٤ وهو بعيد؛ لقطع الجملة عما قبلها، وانتثار نظم الآية٥.
_________________
(١) ١ الآيات التي ذكر المؤلف شيئًا من إعرابها هنا هي قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ سورة يونس، الآيات: ٦٢، ٦٣، ٦٤. ٢ انظر معاني القرآن (١/٤٧٠، ٤٧١)، وإعراب القرآن (٢/٢٦٠)، ومشكل إعراب القرآن (١/٣٤٨)، والكشاف (٢/٢٤٣)، والبيان في غريب إعراب القرآن (١/٤١٦)، والتبيان في إعراب القرآن (٢/٦٧٩)، والبحر (٥/١٧٣)، والدر المصون (٦/٢٣٢) تجد أن بعضهم جاء ببعض هذه الأوجه، وأن كثيرًا منهم جاء بأكثرها وأن أبا حيان وتلميذه جاءا بها جميعًا. ٣ "ولا تمزق" هكذا في النسخة التي اعتمدت عليها. وقال محققاها: كذا في الأصول، وفي مطبوعة مكة تملق. ٤ كل أصحاب المؤلفات السابقة ذكروا هذا الوجه، ولم يضعفه أحد منهم. ٥ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٥٠٦، ٥٠٧) . وقد أحسن المؤلف بتضعيف هذا الوجه، وبالتعليل الذي ذكره. وغاب هذا عن العباقرة المتقدم ذكر مؤلفاتهم، وعن غيرهم كابن عطية، والجمل، والكرماني.
[ ١٢٠ / ٩٧ ]