﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.
إن الشيطان يعمل، وأعماله كلها في الضلال والإضلال، فقد ضيع أعماله في الباطل، وقد كان يمكنه أن يجعلها في الخير. وهو جاد في ذلك ضارٍ (٢) عليه لرسوخه في نفسه. والمبذر يضيع أمواله في الباطل، وقد كان يمكنه أن يجعلها في الخير. وقد أخذت عادة التبذير بخناقه واستولت عليه؛ فهو أخو الشيطان لمشاركته له في وصفه، كمشاركة الأخ لأخيه. وهو أخوه بامتثاله لأمره، وصحبته له في الحال وفي المآل (٣)، وفي سوء العاقبة في العاجل والآجل.
المال، كما هو أداة لكل خير، كذلك هو أداة لكل شر: فالمبذر المفرق لماله في وجوه الباطل بالغ- لا محالة- بماله إلى شر كثير وفساد كبير؛ ولذلك وصف بأنه أخ الشيطان الذي هو أصل الشر والفساد.
ووصف الله تعالى الشيطان بقوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾؛ لأنه أنعم عليه بنعمة، فبدلًا من أن يستعملها في طاعته في الخير قصرها على المعصية والشر.
_________________
(١) جزء من حديث رواه مسلم في كتاب الزكاة (حديث ٩٥) عن حكيم بن حزام بلفظ: «أفضل الصدقة- أو خير الصدقة- عن ظهر غنى؛ واليد العليا خير من اليد السفلى. وابدأ بمن تعول». ورواه أيضًا (حديث رقم ١٩٧) عن أبي أمامة بلفظ: «يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك وأن تمسكه شر لك، ولا تُلام على كفاف؛ وابدأ بمن تعول؛ واليد العليا خير من اليد السفلى». ورواه ايضًا (حديث رقم ١٠٦) عن أبي هريرة بلفظ: «لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به من الناس خير له من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه ذلك، فإن اليد العليا أفضل منِ اليد السفلى. وابدأ بمن تعول».
(٢) من الضراوة، وهي العادة؛ يقال: ضرِيَ الشيءُ بالشيءِ إذا اعتاده فلا يكاد يصبر عنه. انظر لسان العرب (مادة ضري- ١٤/ ٤٨٢).
(٣) تقول العرب لكل ملازم سنة قوم وتابع أثرهم: هو أخوهم. انظر تفسير الطبري (٨/ ٦٩).
[ ٨٢ ]
وذكر هذا في وصف الشيطان بعد ما تقدم يفيد أنه من وصف المبذر أيضًا: فالمبذر أخو الشيطان، والشيطان كان لربه كفورًا؟ فالمبذر كان لربه كفورًا. ذلك لأن الله تعالى أنعم عليه بالمال الذي هو أداة لكل خير، وعون عظيم على الطاعة، فجعله أداة في الشر، واستعان به على المعصية.
ومكنه الله بالمال من نعمة القدرة على القيام بالحقوق فضيعها وقام بالشرور والمفاسد؛ وهذا من أقبح الكفر لنعمة ربه الذي كان به مضارعًا للشيطان معرضًا عن أخيه، والعياذ بالله.