﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾:
المال قوام الأعمال، وأداة الإحسان، وبه يمكن القيام بالحقوق: فصاحبه هو مالكه، ولكن الحقوق فيه تشاركه، ولا يقوم له بوجوه الحق إلاّ إذا أمسكه عن وجوه الباطل. ثم لا يقوم له بجميع تلك الوجوه إلاّ إذا أحسن التدبير في التفريق، وابتغى الحكمة في التوزيع.
فلذا بعدما أمر الله تعالى بإعطائه الحقوق لأربابها .. نهى عن تبذير المال الذي هو أجملها، وبه يمكن إعطاؤها.
(والتبذير) هو التفريق للمال في غير وجه شرعي، أو في وجه شرعي دون تقدير (١)، فيضر بوجه آخر:
فالانفاق في المنهيات تبذير وإن كان قليلًا.
_________________
(١) =كريمة رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا كان دينًا له عليه، إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه». وروى البخاري في الأدب باب ٣١، ومسلم في اللقطة (حديث ١٤) وأبو داود في الأطعمة باب ٥، والترمذي في البر باب ٤٣، وابن ماجة في الأدب باب٥، وغيرهم عن أبي شريح العدوي عن رسول الله - ﷺ - قال: واللفظ للبخاري-: «من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيفه جائزته. قيل: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه».
(٢) أصل التبذير: التفريق في السرف؛ ومنه قول الشاعر: أناسٌ أجارونا فكان جوارُهُمْ أعاصيرَ من فِسْق العراق المبذرِ انظر تفسير الطبري (٨/ ٦٨).
[ ٨١ ]
والانفاق في المطلوبات ليس بتبذير ولو كان كثيرا إلا إِذا أنفق في مطلوب دون تقدير فأضر بمطلوب آخر: كمن أعطى قريبًا، وأضاع قريبًا آخر، أو أنفق في وجوه البر وترك أهله يتضورون بالجوع. وقد نبه النبي﵌- على هذا بقوله: «وابدأ بمن تعول» (١).
والإنفاق في المباحات إذا لم يضيع مطلوبًا، ولم يؤد إلى ضياع رأس المال، بحيث كان ينفق في المباح من فائدته ليس بتبذير. فإذا توسع في المباحات وقعد عن المطلوبات، أو أداه إلى إفناء ماله فهو تبذير مذموم.
وأفادت النكرة وهي قوله: ﴿تبذيرًا﴾ بوقوعه بعد النهي العموم. فهو نهي عن كل نوع من أنواع التبذير: القليل منه والكثير، حتى لا يستخف بالقليل. لأن من تساهل في القليل وصلت به العادة إلى الكثير.