﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
الأمر بالإحسان إليهما عام في جميع الأحوال. وخصصت حالة بلوغ أحدهما أو كليهما الكبر بالذكر، لأنها حالة الضعف وشدة الحاجة، ومظنة الملل والضجر منهما، وضيق الصدر من تصرفاتهما. فهما في هذه الحالة قد عادا في نهايتهما إلى ما كان ولدهما عليه في بدايته. وليس عنده من فطرة المحبة مثل ما عندهما. فكان بأشد الحاجة إلى التذكير بما عليه من تمام العناية بهما، ومزيد الرعاية لهما، وشدة التوقي والتحفظ من كل ما يمس بسوء جانبهما في هاته الحال على الخصوص. وإن كان ذلك واجبا عليه في كل حال على العموم.
وطول بقائهما عنده في كنفه وثقل مؤونتهما عليه، وما يكون من ضرورات الكبر والمرض مما يستقذره في بيته، كل هذا قد يؤديه إلى الضجر والتبرم، فيقول ما يدل على ضجره وتبرمه.
فنهي عن التفوه بأقل كلمة تدل على ذلك وهي كلمة أف بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، فأحرى وأولى ما فوقها.
وهذا أمر بتحمل كل ذلك منهما، ونهي عن التضجر منهما.
ومن ضرورة مباينتهما لولدهما في السن وفي النشأة أنهما كثيرا ما يخالفانه في آرائه وأفكاره، وقد يتناولان ما لا يحب أن تصل يدهما إليه، وقد يسألانه للمعرفة أو للحاجة، وكل هذا قد يؤديه إلى نهرهما، أي زجرهما بصياح وإغلاظ، أو إظهار للغضب في الصوت واللفظ، فنهي عن هذا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٣١ (حديث ٢٥٣٠) من طريق أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله
[ ٦٩ ]
بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. وفي هذا أمر له بالتلطف معهما في الطلب والعرض، والدلالة على وجه الصواب في الأمر وأبواب الفعل والترك، وبحسن التلقي لكل ما يسألان ويطلبان. ونهى عن أي إغلاط في اللفظ والصوت وحالة الكلام.
ولما نهاه عن القول القبيح المؤذي أمره بالقول اللين السهل الحسن في لفظه وفي معناه، وفي قصده وفي منشئه، السالم من كل عيب ومكروه بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. وفي هذا أمر بأن يخاطبهما بجميل القول، ويؤنسهما بطيب الحديث. ونهي عن أن يؤذيها في قول، أو يوحشهما بطول السكوت. فليس له أن يتركهما وشأنهما، بل عليه مجالستهما ومحادثتهما، وجلب الأنس إِليهما، وإدخال السرور عليهما.
ثم إن القول إنما هو عنوان ما في الضمير، ولا يكون كريما شريفًا إلاّ إذا كان عنوانًا صادقًا، حسن مظهره ومخبره، وعذب جناه، وطاب مغرسه. وما ثماره إلاّ معانيه وما مغرسه إلاّ القلب الذي صدر عنه.
فيفيد هذا أن على الولد أن يكون معهما باللطف والعطف من صميم قلبه، كما يعرب لها بلسانه، فيكون محسنًا لهما حينئذ في ظاهره وباطنه، وذلك هو تمام البر الذي أمر به.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾:
مضى فيما تقدم أدب القول، وهذا أدب الفعل، وبيان الحال التي يكون عليها: فالوالدان عند ولدهما في كنفه كالفراخ الضعيفة المحتاجة للقوت والدفء والراحة، وولدهما يقوم لهما بالسعي، كما يسعى الطائر لفراخه، ويحيطهما بحنوه وعطفه كما يحيط الطائر فراخه، فشبه الولد في سعيه وحنوه وعطفه على والديه بالطائر في ذلك كله على فراخه، وحذف المشبه به، وأشير إليه بلازمه وهو خفض الجناح، لأن الطائر هو ذو الجناح، وإنما يخفض جناحه حنوًا وعطفًا وحياطة لفراخه .. فيكون في الكلام استعارة بالكناية، وأضيف الجناح إلى الذل- وهو الهون واللين- إضافة موصوف إلى صفة: أي اخفض لهما جناحك الذليل، وهذا ليفيد هونه وانكساره عند حياطتها .. حتى يشعر بأنهما مخدومان باستحقاق، لا متفضل عليهما بالإحسان.
وفي ذكر هذه الصورة التي تشاهد من الطير تذكير بليغ مرقق للقلب موجب للرحمة، وتنبيه للولد على حالته التي كان عليها معهما في صغره، ليكون ذلك أبعث له على العمل وعدم رؤية عمله أمام ما قدما إليه.
و﴿من﴾ في قوله تعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ للتعليل متعلقة ب"اخفض"، فتفيد مع متعلقها الأمر بأن يكون ذلك الخفض ناشئا عن الرحمة الثابتة في النفس، لا عن مجرد استعمال ظاهر، كما كانا يكنفانه ويعطفان عليه عن رحمة قلبية صادقة. فيكون هذا مفيدًا ومؤكدا لما قدمناه، من لزوم أن يتطابق على الإحسان إليهما الظاهر والباطن، ليتم البرور.
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
[ ٧٠ ]
مهما اجتهد الولد في الإحسان إلى أبويه فإنه لا يجازي سابق إحسانهما بأن يتوجه (١) بسؤال الرحمة لهما من الله تعالى، وهي النعمة الشاملة لخير الدنيا والآخرة إظهارًا لشدة رحمته لهما، ورغبة في وصول الخير العظيم من المولى الكريم إليهما، واعترافًا بعجزه عن مجازاتهما.
يدعو لهما هكذا في حياتهما، وبعد مماتهما.
أما في حياتهما فيدعو لهما بالرحمة سواء كانا مسلمين أم كافرين، ورحمة الكافرين بهدايتهما إلى الإسلام. وأما بعد الموت فلا يسأل الرحمة لهما إلاّ إذا ماتا مسلمين؟ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].
والكاف في قوله تعالى: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ للتعليل أي رب ارحمهما لتربيتهما لي، وجزاء على إحسانهما إلي في حالة الصغر: حالة الضعف والافتقار. وفي هذا اعتراف بالجميل، وإعلان لسابق إحسانهما العظيم، وتوسل إلى الله تعالى في قبول دعائه لهما بما قدما من عمل؛ لأنه وعد أنه يجزي العاملين، وقد كانت تربيتهما لولدهما من أجل مظاهر الرحمة. وهو قد أخبر تعالى على لسان رسوله: «أنه يرحم الراحمن» (٢) ولا أرحم- بعده تعالى- من الوالدين.