وللمفسرين من عهد التدوين إلى الآن طرائق في فهم القرآن، وأساليب في كتابة تفسيره.
أما الأساليب فقلما تختلف إلاّ بعض العصور، حين تختلف الأساليب الأدبية فتنحط أو تعلو، فيسري التطور منها إلى الأساليب العلمية.
[ ١٧ ]
وأما الطرائق فإنها تختلف باختلاف الاختصاص في المفسرين والعلوم التي غلبت عليهم وعرفوا بها.
أ- فالمحدثون، يلتزمون التفسير بالمأثور، فإن اختلفت الرواية فمنهم من يروي المتناقضات ويدعك في حيرة، ومنهم من يدخل نظره وفكره في التعديل والترجيح كما يفعل أبو جعفر الطبري.
ب- ومقلدة المذاهب: يفسرون القرآن بقواعد مذاهبهم، ويحكمونها فيه. فإذا خالف نصه قاعدة من قواعدهم ردوه بالتأويل إليها. وهذا شر ما أصيب به هذا العلم، بل هو نوع من التعطيل، وباب من التحريف والتبديل؛ لأنه في حقيقة أمره وضع لكلام الله في الدرجة الثانية من كلام المخلوق، وفي منزلة الفرع من أصله يرد إليه إذا خالفه، وأعظم بها زلة وإن هذه الزلة هي الغالبة على صنيع المتشبثين بالمذاهب والمتعصبين لها، يتباعدون عن القرآن ما شاء لهم الهوى فإذا تناولوه فبهذه النظرة الخاطئة (١).
ج- والمتكلمون في "معاني القرآن" معظمهم من اللغويين والنحاة، فهم يتكلمون غالبا على الألفاظ المفردة، وأوجه الإعراب. فهم أقرب الكاتبين في الغريب أمثال الأصفهاني، وأبي ذر الهروي.
وإنما أطلقوا على كتبهم هذا الإسم (معاني القرآن) لأن بساطة الأسماء كانت هي الغالبة في زمنهم.
د- والإخباريون مفتونون بالقصص، فلا يقعون إلاّ على الآيات المتعلقة به. ويا ليتهم يحققون الحكمة من القصص، فيجلون العبر منها، ويستخرجون الدقائق من سنن الله في الأمم وجميع الكائنات. ولكنهم يسترسلون مع الرواية، وتستهويهم غرابة الأخبار، فينتهي بهم ذلك إلى الإسرائيليات الخاطئة الكاذبة، وقد أدخلوا بصنيعهم هذا على المسلمين ضررا عظيما، وعلى التاريخ فسادا كبيرا.
هـ- وأصحاب المذاهب العقلية إذا تعاطوا التفسير، لا يتوسعون إلاّ في الاستدلالات العقلية على إثبات الصفات أو نفيها، وعلى الغيبيات والنبوات وما يتعلق بها.
ووالنحاة والباحثون في أسرار التراكيب لا يفيضون إلاّ في توجيه الأعاريب أو نكت البلاغة كما يفعل الزمخشري، وأبو حيان.
هكذا فعل القدماء والمحدثون بالقرآن: حكموا فيه نحلهم ومذاهبهم وصناعاتهم الغالبة عليهم، فأضاعوا هديه وبلاغه، وأبعدوا الأمة عنه؛ وصرفوها عن حكمه وأسراره.
_________________
(١) لأن الأولى هو العكس فنعرض ما يعن لنا على القرآن ليقول رأيه فيه لا أن نفسره على أن نقول ما يوافق آراءنا وأهواءنا. وطالما نادى ابن باديس والبشير بوجوب نبذ التقليد الأعمى، والتعصب الممقوت.
[ ١٨ ]
ولو ذهبنا مذهب التحديد في معاني الألفاظ الاصطلاحية لوجدنا المفسر من هؤلاء قليلا.
ز- أما المفسرون الذين يصدق عليهم هذا الوصف: فهم الذين يشرحون بحق فقه القرآن، ويستثيرون أسراره وحكمه، معتمدين على القرآن نفسه، وعلى السنة، وعلى البيان العربي، كما أشرنا إلى ذلك قبلًا.
ومن هؤلاء من اقتصر على الأحكام فقط كابن العربي، والجصاص، وعبد المنعم بن الفرس، وهؤلاء الثلاثة هم الذين انتهت إلينا كتبهم.
ومنهم من عمم، ولكن توسعه ظاهر في الأحكام، وأحكام العبادات والمعاملات، كالقرطبي، وابن عطية، وأضرابهما.
وكان جمود، وكان ركود، وضرب التقليد بجرانه (١)، فقضى على ذكاء الأذكياء وفهم الفهماء، إلى أن أذن الله للعقل الإسلامي أن ينفلت من عقال التقليد، ويستقل في الفهم، وللنهضة العلمية الإسلامية أن يتبلج فجرها، ويعم نورها.
فكانت إرهاصات (٢) التجديد لهذا العلم ظاهرة في ثلاثة من أذكى علمائنا وأوسعهم اطلاعا:
الشوكاني (٣)، والألوسي، وصديق حسن خان. مع تفاوت بينهم في قوة النزعة الاستقلالية، وفي القدرة على التخلص من الصبغة المذهبية التقليدية.
ثم كانت المعجزة بعد ذلك الإرهاص بظهور إمام المفسرين بلا منازع "محمد عبده" أبلغ من تكلم في التفسير، بيانا لهديه، وفهما لأسراره، وتوفيقا بين آيات الله في القرآن، وبين آياته في الأكوان، فبوجود هذا الإمام وجد علم التفسير وتم، ولم ينقصه إلاّ أنه لم يكتبه بقلمه كما بينه بلسانه، ولو فعل لأبقى للمسلمين تفسيرا لا للقرآن بل لمعجزات القرآن.
ولكنه مات دون ذلك.
فخلفه ترجمان أفكاره ومستودع أسراره "محمد رشيد رضا" فكتب في التفسير ما كتب، ودون آراء الإمام فيه، وشرع للعلماء منهاجه، ومات قبل أن يتمه.
فانتهت إمامة التفسير بعده في العالم الإسلامي كله، إلى أخينا وصديقنا، ومنشئ النهضة الإسلامية العلمية بالجزائر، بل بالشمال الإفريقي "عبد الحميد بن باديس".