وإلى مخالفته لمقصود الشرع بهذه الوجوه فإن له لوازم فاسدة منها:
١ - أن صلاة النافلة مرغب فيها على العموم، وهي مشتملة على قراءة القرآن، فماذا يقول أصحاب هذا الرأي؟ فهل يرغبون المذنبين- أمثالنا- عن النافلة طردًا لأصلهم؟
أم ينهون عن قراءة القرآن في النافلة، فيقولون ما لم يقله أحد؟
أم يقولون بالاقتصار على قراءة سور دون سور، فيتحكمون في الأحكام؟
٢ - ومنها: أنه قل من يسلم من مخالفة للقرآن بعمله، فإذا ذهبنا مع ذلك الرأي حرم خلق كثير من تلاوة القرآن.
وكفى بقول يؤدي إلى هذا كله ردًا على نفسه.
وأما قولهم: «إن تالي القرآن يأثم بقراءته مع مخالفته». فهي دعوى لم يقيموا عليها من نص صحيح صريح من سنة أو كتاب. بل الدليل قائم على خلافها: فإن المذنب يكتب عليه ذنبه مرة
_________________
(١) يعني سعد بن عبادة ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود في الوتر (باب ٢١، حديث ١٤٧٤).
(٣) قال أهل اللغة: التفصي: الانفصال. وهذا بمعنى الرواية الأخرى: أشد تفلتًا. والنعم: أصلها الإبل والبقر والغنم، والمراد هنا الإبل خاصة لأنها التي تعقل؛ ففي بعض روايات الحديث: «أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا».
(٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب ٢٣. ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث ٢٢٨ و٢٢٩. والترمذي في القرآن باب ٨. والنسائي في الافتتاح باب ٣٧. والدارمي في الرقاق باب ٣٢، وفضائل القرآن باب ٤. وأحمد في المسند (١/ ٣٨٢، ٤١٧، ٤٢٣، ٤٢٩، ٤٦٣).
[ ٣٧ ]
واحدة، ولا يكتب عليه مرة ثانية إذا ارتكب ذنبًا آخر، وإنما يكتب عليه ذلك الذنب الآخر.
فكيف إذا باشر عبادة التلاوة؟؟! والأصل القطعي- كتابًا وسنة- أن من جاء بالسيئة فلا يجزى إلاّ مثلها (١)، وهو يبطل أن تجدد له سيئاته إذا جاء بحسنة تلاوة القرآن.
وأما قول أنس ﵁:
«رُبَّ تَالٍ لِلْقُرْآنِ وَالْقُرْآَنُ يَلْعَنُهُ»، فليس معناه أن القرآن يلعنه لأجل تلاوته. وكيف وتلاوته عبادة؟! وإنما معناه: أنه ربما تكون له مخالفة لبعض أوامر القرآن أو نواهيه من كذب أو ظلم مثلًا، فيكون داخلًا في عموم لعنه للظالمين والكاذبين، فخرج هذا الكلام مخرج التقبيح لمخالفة القرآن مع تلاوته، بعثا للتالي على سرعة الاتعاظ بآيات القرآن، وتعجيل المتاب، لا مخرج الأمر بترك التلاوة والانصراف عنها.
هذا هو الذي يتعين حمل كلام هذا الصحابي الجليل عليه بحكم الأدلة المتقدمة.
وثبت في الصحيح قوله ﵌:
«من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" (٢). وهذا في المتعبد بالصيام الذي يوقع الزور والعمل به في وقت صيامه؛ فيكون متلبسًا بالعبادة والمخالفة في وقت واحد.
ومع هذا فقد قال الشراح في معنى الحديث- والعبارة للقسطلاني (٣):
«وليس المراد الأمر بترك صيامه إذا لم يترك الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور. فهو كقوله ﵊: «من باع الخمر فليشقص (٤) الخنازير» ولم يأمره بشقصها، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر. وكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به، ليتم له أجر صيامه».
فمن باب أحرى وأولى ألا يكون قول أنس ﵁، محمولًا على طلب ترك التلاوة من
_________________
(١) مثال ذلك مما جاء في الكتاب الكريم قوله تعالى في الآية ١٦٠ من سورة الأنعام: ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلاّ مثلها وهم لا يظلمون﴾، وقوله في الآية ٢٧ من سورة يونس: ﴿والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها﴾، وقوله في الآية ٨٤ من سورة القصص: ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلاّ ما كانوا يعملون﴾، وقوله في الآية ٤٠ من سورة غافر: ﴿من عمل سيئة فلا يجزى إلاّ مثلها﴾. ومن السنة المشرفة ما رواه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، حديث رقم ٢٠٥) عن أبي هريرة، عن رسول - ﷺ - قال: «قال الله ﷿: إذا تحدّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها. وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها».
(٢) من حديث أبي هريرة. أخرجه البخاري في الصوم باب ٨، والأدب باب٥١. وأبو داود في الصوم باب ٢٥. والترمذي في الصوم باب ١٦. وابن ماجه في الصيام باب٢١. وأحمد في المسند (٢/ ٤٥٣، ٥٠٥).
(٣) في إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (٣/ ٣٥٣، ٣٥٤).
(٤) قال القسطلاني (٣/ ٣٥٣): «أي يذبحها».
[ ٣٨ ]
المذنب، لأنه غير مباشر لذنبه في حال تلاوته، وإنما المقصود تحذيره من الاستمرار على المخالفة، وترغيبه في المبادرة بالتوبة ليكمل له أجر تلاوته بكمال حالته.
هذا حظ العلم في الاستدلال على حاجة المذنبين إلى تلاوة القرآن العظيم.
وأما حظ التجربة: فوالله الذي لا إله إلاّ هو، ما رأيت- وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب- أعظم إلانة للقلب، واستدرارًا للدمع، وإحضارا للخشية، وأبعث على التوبة من تلاوة القرآن وسماع القرآن.