كنا أيام الطلب والتحصيل على علَّامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي نقرأ العلوم العربية والدينية والعقلية في فصل الخريف والشتاء في داره، أو في السُّدة الغربية من جامع السنانية، وفي فصلي الربيع والصيف في غرفة عالية من مدرسة عبد الله باشا العظم. وكنا نرى العلَّامة الجليل الشيخ عبد القادر بدران عنده بعض الطلبة يقرؤون عليه، إذ كان مقامه طعامًا ومنامًا وتدريسًا في غرفة كبيرة من المدرسة المذكورة، وكان يقرأ درسًا عامًا في جامع بني أمية، يميل فيه إلى التجديد والفلسفة، وكانت صلته بالسيد القاسمي حسنة، وكان له ولشيخنا القاسمي أمل كبير، وسعي عظيم في تجديد النهضة الدينية العلمية في هذه الديار، فقد أشبها رحمهما الله تعالى أئمة السلف تعليمًا للخواص، وإرشادًا للعوام، وتأليفًا للكتب النافعة، وزهدًا في حطام الدنيا الزائلة، وقد ترك القاسمي أكثر من مئة مصنف، كثير منها جدير بأن يكون لنا منار هدى في سبيل إصلاحنا الديني، ورائد رشاد في سيرنا الاجتماعي.
ولما تمّ إصلاح المدرسة السميساطية، في عهد الحكومة العربية- (وهي خلف الجامع الأموي) وطلبوا لها مناهج الكليات الإسلامية، ونظم دروسها كنظام الأزهر، ومدرسة القضاء الشرعي في مصر، وشعبة الإلهيات في كلية دار الفنون في الأستانة. سر الشيخان القاسمي وبدران، عليهما الرحمة والرضوان، آملين أن تقتفي أثر هذه الكليات في التربية والتعليم، وأن تعنى بتخريج رجال يستطيعون أن ينشروا الدعوة الإسلامية بعقل وعلم،
[ ١ / ١٧ ]
ويدافعوا عنها بالتي هي أحسن. وتكون حينئذ قد سدَّت فراغًا في بناء الإصلاح الإسلامي، وحفظت شيئًا من مقام دمشق الديني والاجتماعي، ولكن الذين عهد إليهم بها، قد تنازعوا أمرهم بينهم، فمنهم من كان يرى وجوب السعي في جعلها مدرسة نظامية جامعة بين الدروس الدينية والعلوم الكونية على وجه يزيد الطالب في دينه بصيرة ونورًا، ويجعله أهلًا للدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وتكون تلك الكلية روضة علوم وفنون زاهرة، تخرّج لنا من تلاميذها زهرات ناضرة، تزدان بها معاهد الإفتاء والقضاء، والوعظ والخطابة والتدريس، وتستعيد بهم سيرتها الأولى. ومنهم من كان يرى الاكتفاء ببعض الدروس العربية والشرعية ولا يقيم للعلوم الكونية وزنًا، ولا يرفع بها رأسًا، وهذا خطأ لا يحتمل الصواب، لأن الذي أبرز الصحيفتين الدينية والكونية، وأقام كلا منهما مشيرًا إليه، ودالًّا عليه هو الله جلَّت حكمته، جعل الأولى منهما وحيًا معجزًا، والثانية خلقًا معجزًا. وعلى هذه الطريقة الأولى السلفية الجامعة نشأ الأستاذ بدران وهاكم البيان:
درس على جدّه الشيخ مصطفى وعلى مشاهير علماء الشام كالشيخ سليم العطار، والشيخ الطنطاوي، والشيخ علاء الدين عابدين، واتصل بالأمير الكبير عبد القادر الجزائري، وعين مصححًا ومحررًا بمطبعة الولاية وجريدتها، ثم صار مدرسًا، وكتب في صحف دمشق.
وقد أفصح في طليعة كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ابن حنبل" عن عقيدته السلفية فقال:
وجعلت عقيدتي كتاب الله، أكِلُ علم صفاته إليه، بلا تجسيم ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تعطيل.
وجعل شغله كتاب الله تدريسًا وتفسيرًا، وسنة نبيه المختار قراءة أيضًا وشرحًا وتحريرًا (قال): ثم إني زججت نفسي في بحار الأصول والفروع والبحث
[ ١ / ١٨ ]
عن الأدلة حتى لا أكون منقادًا لكل قائد- فوجدت كلا منهم قدَّس الله أسرارهم، وجعل في عليين منازلهم- قد اجتهد في طلب الحق.
فهذا يدل على إنصافه وإخلاصه ﵀، وعلَّل دخوله في المذهب الحنبلي من بعد أن كان شافعيًا بأن هذا الإمام الأخير أوسعهم معرفة بحديث رسول الله ﵌ كما يعلم ذلك من اطَّلع على مسنده المشهور (حتى كأنه ظهر في القرن الأول لشدة اتباعه للقرآن والسنة) (١) ثم وصف الإمام أحمد ومذهبه، وورعه وتقواه، ومسائله وفتاواه، بما هو جدير به، ونعى على أسراء الوهم والخيالات الفاسدة، الذين يطعنون في أهل الاتباع، لا الابتداع، وينفّرون الناس منهم، وهم يردِّدون بألسنتهم:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، فألهمنا رشدنا، واجمع كلمتنا على الحق، وألّف بين قلوبنا، وأيدنا بروح من عندك واهدنا إلى سواء السبيل. وإنك لتجد في مقدمة "المدخل" - الذي اشتمل على أصول الفقه وأصول الدين وفن الجدل، وطبع في مصر (٢) وتجد في خاتمته أيضًا نبذة من ترجمة المؤلف وطرفًا من أخباره وآثاره، وذكر طائفة من مؤلفاته. (قال) فيما ترجم به نفسه تحدثًا بالنعمة:
ثم منَّ الله عليَّ فحبَّب إليَّ الاطلاع على كتب التفسير والحديث وشروحها، وأمهات كتب المذاهب الأربعة وعلى مصنفات شيخ الإسلام (ابن تيمية) وتلميذه الحافظ ابن القيم وعلى كتب الحنابلة، فما هو إلا أن فتح الله بصيرتي وهداني للبحث عن الحق من غير تحزب لمذهب دون مذهب، فرأيت أن مذهب الحنابلة
_________________
(١) بل هذا أظهر في "مسائله" ومنها: "مسائل أبي داود" التي حققها أستاذنا البيطار والشيخ محمد رشيد رضا رحمهما الله، و"مسائل ابن هانئ" و"مسائل ابنه عبد الله" وهي من تحقيقي ونشر المكتب الإسلامي.- زهير.
(٢) طبع في المنار باسم "روضة الناظر وجنة المناظر". وعندي أشياء أخرى من تأليفه.
[ ١ / ١٩ ]