والباطنة، والجلائل والدقائق، ومن كونه مالكًا للأمر كله في العاقبة يوم الثواب والعقاب، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، وأنه به حقيق في قوله: ﴿الحمد لله﴾، دليل على أن من كانت هذه صفاته، لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله.
ولما استجمع الأمر استحقاقًا بالحمد، وتحبيبًا بصفة الرحمة، والترغيب بها، وترهيبًا بمالكيته يوم الدين، قال عادلًا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب، مقدمًا للوسيلة على طلب الحاجة، لأنه أجدر بالإجابة: ﴿إياك نعبد واياك نستعين﴾ وذلك أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء، وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا من هذه صفاته، نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له، لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به، فهذه نكتة أرباب المعاني، وأشار إليها في "الكشاف".
وللعدول عن الغيبة إلى الخطاب، نكتة تدق عن فهم أرباب المعاني، وهي: أنه أتى بالكاف إشارة إلى مقام الإحسان الذي أشار إليه النبي - ﷺ - بقوله، لما سئل عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم [تكن] تراه فإنه يراك" رواه البخاري عن أبي هريرة، ومسلم عن عمر بن الخطاب، ومعناه: أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فإذا تحقق هذا المقام صح له أن يخاطبه بخطاب الحضور، فيقول: ﴿إياك نعبد واياك نستعين﴾، ويكون جزاؤه وراء ذلك، النظر إلى وجه الله تعالى عيانًا في الآخرة.
وأما الذين اتخذوا دونه حجب الوسائط، ورأوا سواه حين العبادة، وتمسكوا بأناس بجعلونهم أربابًا من دون الله، فيقولون: إن فلانًا يتصرف في ربع المعمور، وفلانًا يتصرف في بلدة، وفلانًا أُعطي قوة التصرف حيًا وميتًا، إلى غير ذلك من أحوالهم، فإن الران (١) يتراكم على قلوبهم حتى يحجبهم عن
_________________
(١) الزان والرين سواء: هو الطَّبَعُ والدّنس، كالصَّدَاء يغشى القلب.
[ ١ / ٣٨ ]
معرفة الله، ومراقبته في الدنيا، وأنى تصح المعرفة والمراقبة لمن يعتقد التصرف في الكون لغير الله تعالى؟ أم كيف يحصل التجلي، لمن يعتقد أن ثَمَّةَ ضارًا ونافعًا، ورازقًا ومتصفًا بصفات الكمال غير الله تعالى؟ أم كيف يتجاسر بالكذب على الله تعالى فيقول: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ من جعل من دونه أولياء اغتصب صفات الله فجعلها لهم، إن هؤلاء قد خاطبهم تعالى بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].
إن العبد إذا عبد الله كأنه يراه ولا يرى سواه، بأن استحضر قربه، وأنه بين يديه، أوجب ذلك له الخشية والخوف، والهيبة والتعظيم، والنصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها، وإتمامها، وإكمالها، فإذا لم يتيسر للمؤمن هذا المقام، فليجعل نفسه في المقام الذي هو أدنى منه، وهو ما أشار إليه - ﷺ - بقوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وذلك أن الأمور في عالم الحس ثلاثة: معاصي، وطاعات، ومباحات المعايش، والسالك إذا علم أن الله يراه في جميع حالاته، فإذا همَّ بمعصية وتذكر رؤية الله له كف ورجع عنها بحصول البرهان الإحساني عنده، وذلك هو البرهان الذي رآه يوسف ﵇، وإذا كان في طاعة، وقام عنده البرهان بأن الله يراه، انجذب سره إلى الخضوع والخشوع، وإخلاص العمل. اللهم إلا أن يكون زنديقًا جاحدًا للربوبية جحدًا حقيقيًا كالزنادقة والدهريين. أو يكون من أرباب الوسائط الذين لا يعرفون الله، إلا معرفة تقليدية مشوبة بإقامة ما لا يحصى من الأرباب.
وإذا كان في مباحات المعايش استحيا أن يعطيها جهده، ثم هو ينسى ما أوجبه عليه خالقه ﵎، ألا ترى أن العبد إذا فكر في مواطن الآخرة، من موت، وقبر، وحشر وغير ذلك، وعلم أنه معروض على الله تعالى في ذلك ومواطنه، تهيأ لذلك العرض بزينة أهل الآخرة ما استطاع، وإذا علم أن سره موضع نظر الله وجب عليه تصفيته لمولاه، وإصلاحه وتصفيته مما يكره الله أن يراه، وينظر إليه في قلوب أوليائه، فيزيل الصفات المهلكات ويطهره منها، ويتصف بالمحمودات حتى يجعل سره كالمرآة المجلوة.
[ ١ / ٣٩ ]