نزل القرآن على رسول الله ﷺ من أوَّل ما بعثه الله بمكة وهو ابنُ أربعين سنة إلى أن هاجر إلى المدينة، ثم نزل عليه بالمدينة إلى أن توفاه الله.
فكانت مدةُ نزوله عليه:
عشرين سنةً.
وقيل: كانت ثلاثًا وعشرين سنةً.
على حسب الاختلاف في سنّه ﷺ يوم تُوفِّي هل كان ابنَ ستين سنةً؟ أو (^٢) ثلاثٍ وستين (^٣)؟
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز، لابن عطية (١/ ٣٧، ٥١).
(٢) في هـ، د زيادة: «ابن».
(٣) في أ زيادة: «سنة».
[ ١ / ٦٢ ]
وكان ربما تنزلُ (^١) عليه سورةٌ كاملة، وربما تنزل (^٢) عليه آيات متفرقات (^٣) فيضمُّ ﵇ بعضَها إلى بعض حتى تكمل السورة.
وأولُ ما نزل من القرآن:
صدرُ سورة العلق، ثم المدثر و(^٤) المزمل.
وقيل: أول ما نزل: المدثر.
وقيل: فاتحة الكتاب.
والأول هو الصحيح؛ لما ورد في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ في حديثها الطويل في ابتداء الوحي قالت فيه: «جاءه الملك وهو بغار حراء، قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. فرجع بها رسول الله ﷺ ترجُف بوادِرُه (^٥)،
_________________
(١) في د: "نزلت"، وفي هامش أ: "خ: نزل".
(٢) في د وهامش أ: "نزل".
(٣) في أ: "مفترقة".
(٤) في د: "ثم".
(٥) كذا في أ، ب وهي الموافقة لما في رواية مسلم، وفي ج، هـ: "ترجف بها بوادره"، والبوادر جمع بادِرَةٍ، وهي لَحمةٌ بين المنكب والعُنُق، أي: ترعد وتضطرب. انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٢٥٥). وفي د: "يرجف بها فؤاده" وهي موافقة لرواية البخاري.
[ ١ / ٦٣ ]
فقال: زمِّلوني، زملوني، فزمَّلوه حتى ذهب عنه ما يجد من الرَّوع» (^١).
وفي رواية من طريق جابر بن عبد الله: «فقال رسول الله ﷺ: زملوني، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]» (^٢).
وأما آخِرُ ما نزل من القرآن:
فسورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾.
وقيل: آية الربا التي في البقرة.
وقيل: الآية التي قبلها.
وكان القرآن على عهد رسول الله ﷺ مفرّقًا في الصحف وفي صدور الرجال، فلما توفي رسول الله ﷺ قعد علي بن أبي طالب ﵁ في بيته فجمعه على ترتيب نزوله، ولو وجد مصحفه لكان فيه علمٌ كبير، ولكنه لم يوجد (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠).
(٢) أخرجها البخاري (٤)، ومسلم (١٦١).
(٣) أخرج أبو بكر ابن أبي داود في «كتاب المصاحف» (ص ٥٩): «عن أشعث عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم على أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل، فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام: أكرهتَ إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا والله، إلا أني أقسمت أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة، فبايَعَه ثم رجع»، ثم قال ابن أبي داود معلقًا على هذا الأثر: «لم يذكر المصحف أحدٌ إلا أشعث، وهو لين الحديث، وإنما رووا: «حتى أجمع القرآن» يعني: أُتِمَّ حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القرآن: قد جمع القرآن»، وأعلَّ هذا الأثر أيضًا ابن كثير في كتابه «فضائل القرآن» (ص ٨٨) بأنه: «فيه انقطاع»، وقال تعليقًا على قول ابن أبي داود: «وهذا الذي قاله أبو بكر أظهر -والله أعلم-، فإن عليًّا لم ينقل عنه مصحف -على ما قيل- ولا غير ذلك». وانظر: الاتقان للسيوطي (٢/ ٣٨٠).
[ ١ / ٦٤ ]
فلما قُتِل جماعةٌ من الصحابة يوم اليمامة في قتال مُسَيلمة الكذاب أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ بجمع القرآن؛ مخافةَ أن يذهب بموت القرَّاء، فجمعه في صحف غير مرتب السورِ، وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر الصديق، ثم عند عمر بعده، ثم عند بنته حفصة أم المؤمنين.
وانتشرت في خلال ذلك صحفٌ كُتبت في الآفاق عن الصحابة، وكان بينها اختلافٌ، فأشار حذيفة بن اليمان على عثمان بن عفان ﵄ بجمع الناس على مصحف واحد؛ خِيفةً من اختلافهم، فانتدب لذلك عثمانُ، وأمر زيدَ بن ثابت بجمعه وجعل معه ثلاثةً من قريش؛ عبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسعيد بن العاص بن أمية، وقال لهم: إذا اختلفتم في شيء فاجعلوه بلغة قريش، وجعلوا المصحف الذي كان عند حفصة إمامًا في هذا الجمع الأخير، وكان عثمان ﵁ يتعهَّدهم ويشاركهم في ذلك، فلما كمل المصحف نسخ عثمان ﵁ منه نُسَخًا، ووجهها إلى الأمصار، وأمر بما سواها من المصاحف أن تحرق، أو تخرق -يروى بالحاء المهملة، والخاء المنقوطة-.
فترتيب السور على ما هو الآن عليه: هو من فعل عثمان وزيد بن ثابت والذين كتبوا معه المصحف.
وقد قيل: إنه من فعل رسول الله ﷺ، وذلك ضعيفٌ، ترده الآثار الواردة في ذلك.
* وأما نقط القرآن وشَكْلُه: فأوَّل من فعل ذلك: الحجاج بن يوسف، بأمر عبد الملك بن مروان، وزاد الحجاج تحزيبه.
[ ١ / ٦٥ ]
وقيل: أول من نقطه يحيى بن يَعْمَرَ.
وقيل: أبو الأسود الدُّؤُليُّ.
* وأما وضعُ الأعشار فيه:
فقيل: إن الحجاج فعل ذلك.
وقيل: بل أمر به المأمون العباسيُّ.
* وأما أسماؤه: فهي أربعة: القرآن، والفرقان، والكتاب، والذِّكر.
وسائر ما يُسمَّى به صفاتٌ لا أسماء، كوصفه بالعظيم، والكريم، والمبين، والعزيز، والمجيد، وغير ذلك.
فأما القرآن: فأصله مصدر: قرأ، ثم أُطلق على المقروء.
وأما الفرقان: فمصدرٌ -أيضًا-، معناه: التفرقة بين الحق والباطل.
وأما الكتاب: فمصدرٌ، ثم أطلق على المكتوب.
وأما الذكر: فسُمِّي القرآن به؛ لما فيه من ذكر الله، أو (^١) من التذكير والمواعظ.
ويجوز في «السُّورة» من القرآن: الهمزُ.
وتركُ الهمز لغةُ قريشٍ.
وأما الآية: فأصلها: العلامة، ثم سُمِّيت الجملةُ من القرآن آيةً (^٢)؛ لأنها علامةٌ على صدق النبيِّ ﷺ.
_________________
(١) في هـ: «و».
(٢) في ب، هـ: «به».
[ ١ / ٦٦ ]