ولنتكلم في ذلك على الجملة والتفصيل.
* أما على الجملة: فاعلم أن المقصود بالقرآن: دعوةُ الخلق إلى عبادة الله، وإلى الدخول في دين الله، ثم إن هذا المقصدَ يقتضى أمرين لا بد منهما، وإليهما ترجع معاني القرآن كله:
أحدهما: بيان العبادة التي دُعِي الخلق إليها.
والآخر: ذكر بواعثَ تبعثهم على الدخول فيها، وتقودهم إليها.
فأما العبادة: فتنقسم إلى نوعين وهما: أصول العقائد، وأحكام الأعمال.
وأما البواعث عليها: فأمران؛ وهما: الترغيب، والترهيب.
* وأما على التفصيل: فاعلم أن معانيَ القرآن سبعةٌ؛ وهي: علمُ الربوبية، والنبوَّةُ، والمعاد، والأحكام، والوعد، والوعيد، والقَصص.
* [١ -] فأما علم الربوبية:
فمنه: إثباتُ وجود الباري ﷻ، والاستدلالُ عليه بمخلوقاته، فكلُّ ما جاء في القرآن من التنبيه على المخلوقات، والاعتبار في خِلْقة
[ ١ / ٦٩ ]
الأرض والسموات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار وغير ذلك من الموجودات؛ فهو دليلٌ على خالقه.
ومنه: إثبات الوحدانية، والردُّ على المشركين، والتعريفُ بصفات الله من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك من أسمائه وصفاته، وتنزيهه عما لا يليق به.
* [٢ -] وأما النبوَّة: فإثبات نبوة الأنبياء ﵈ على العموم، ونبوة محمد ﷺ على الخصوص، وإثبات الكتب التي أنزلها الله عليهم، ووجود الملائكة الذين كان منهم وسائط بين الله وبينهم، والردُّ على من كفر بشيء من ذلك.
وينخرط في سِلْك هذا: ما ورد في القرآن من تأنيس النبي ﷺ وكرامته (^١)، والثناء عليه وعلى سائر الأنبياء صلى الله عليه وعليهم أجمعين.
* [٣ -] وأما المعاد: فإثبات الحشر، وإقامة البراهين عليه، والردُّ على من خالف فيه، وذكر ما في الدار الآخرة من الجنة والنار والحساب والميزان وصحائف الأعمال وكثرة الأهوال وغير ذلك.
* [٤ -] وأما الأحكام: فهي الأوامر والنواهي، وتنقسم خمسة أنواع: واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح.
ومنها:
ما يتعلق بالأبدان، كالصلاة والصيام.
_________________
(١) في د: «وكذا أمته»!، ولعله تصحيف.
[ ١ / ٧٠ ]
وما يتعلق بالأموال كالزكاة.
وما يتعلق بالقلوب، كالإخلاص والخوف والرجاء وغير ذلك.
* [٥ -] وأما الوعد:
فمنه وعدٌ بخيرِ الدنيا، من النصر والظهور وغير ذلك.
ومنه بخيرِ الآخرةِ، وهو الأكثرُ، كأوصاف الجنة ونعيمها.
* [٦ -] وأما الوعيد:
فمنه تخويفٌ بالعقاب في الدنيا.
ومنه تخويفٌ بالعقاب في الآخرةِ، وهو الأكثرُ، كأوصاف جهنم وعذابها، وأوصاف القيامة وأهوالها.
وتأملِ القرآنَ؛ تجدِ الوعدَ مقرونًا بالوعيدِ، قد (^١) ذُكِرَ أحدهما على إثر ذكر الآخرِ؛ ليجمع بين الترغيبِ والترهيبِ، وليتبين أحدهما بالآخرِ، كما قيل:
… فَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأشياءُ (^٢)
* [٧ -] وأما القَصَصُ: فهو ذكر أخبار الأنبياءِ المتقدمينَ وغيرِهِم؛ كقصةِ أصحاب الكهفِ، وذي القرنينِ.
فإن قيلَ: ما الحكمةُ في تكرارِ قَصصِ الأنبياءِ في القرآنِ؟
_________________
(١) في أ، ب: «وقد».
(٢) هذا عجزُ بيتٍ للمتنبي، وصدرُهُ: «ونذيمُهم وبها عرفنا فضلَه»، انظر: شرحُ أبي البقاءِ العكبريِّ على ديوانِ المتنبي (١/ ٢٢).
[ ١ / ٧١ ]
فالجواب: من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه ربما ذُكِر في سورةٍ من أخبار الأنبياء ما لم يُذْكَرْ في سورة أخرى، ففي كلّ واحدة منهما فائدة زائدة على الأخرى.
الوجه الثاني: أنه ذُكِرَتْ أخبار الأنبياء في مواضع على طريقة الإطناب، وفي مواضع على طريقة الإيجاز؛ لتظهر فصاحة القرآن في الطريقتين.
الوجه الثالث: أن أخبار الأنبياء قُصِد بذكرها مقاصد كثيرة (^١) فَتَعَدَّدَ ذكرُها بتعدد تلك المقاصد.
فمن المقاصد بها: إثبات نبوة الأنبياء المتقدمين؛ بذكر ما جرى على أيديهم من المعجزات، وذكرِ إهلاك من كذبهم بأنواع من الهلاك (^٢).
ومنها: إثبات نبوة محمد ﷺ؛ لإخباره بتلك الأخبار من غير تعلُّم من أحد، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩].
ومنها: إثبات الوحدانية، ألَا ترى أنه لما ذكر إهلاك الأمم الكافرة قال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١].
ومنها: الاعتبار في قدرة الله تعالى، وشدَّةِ عقابه لمن كفر به.
ومنها: تسليةُ النبي ﷺ عن تكذيب قومه له؛ بالتأسي بمن تقدم من
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من ج، هـ.
(٢) في د: «المهالك».
[ ١ / ٧٢ ]
الأنبياء؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ٣٤].
ومنها: تأنيسُهُ (^١) ﵇، ووعدُه بالنصر كما نُصِر الأنبياء الذين من قبله.
ومنها: تخويف الكفار بأن يعاقبوا كما عوقب الكفار الذين من قبلهم.
إلى غير ذلك مما احتوت عليه أخبار الأنبياء من العجائب والمواعظ واحتجاج الأنبياء وردِّهم على الكفار، وغير ذلك، فلما كانت أخبار الأنبياء تفيد فوائد كثيرةً ذُكِرت في مواضع كثيرة، ولكلٍّ مقامٍ مقالٌ.
_________________
(١) في ج، هـ: «تسليته».
[ ١ / ٧٣ ]