اعلمْ: أنَّ الكلامَ على القرآن يستدعي الكلام في اثني عَشَرَ فنًا من العلوم، وهي: التفسيرُ، والقراءات، والأحكام، والنسخ، والحديث، والقصص، والتصوف، وأصول الدين، وأصول الفقه، واللغة، والنحو، والبيان.
* [١ -] فأما التفسير: فهو المقصود لنفسه، وسائرُ هذه الفنون أدواتٌ تعين عليه، أو تتعلق به، أو تتفرَّع منه.
ومعنى التفسير: شرح القرآن وبيان معناه، والإفصاح بما يقتضيه بنصه أو إشارته أو فحواه.
واعلم: أن التفسير منه متفق عليه، ومختلف فيه، ثم إن المختلف فيه على ثلاثة أنواع:
أحدها: اختلافٌ في العبارة مع اتفاقٍ في المعنى، فهذا عدَّه كثير من المؤلفين في التفسير خلافًا، وليس في الحقيقة بخلاف؛ لاتفاق معناه.
وجعلناه نحن قولًا واحدًا، وعبَّرنا عنه بأحد (^١) عبارات المتقدمين، أو بما يقرب منها، أو بما يجمع معانيَها.
_________________
(١) في د: «بإحدى».
[ ١ / ٧٤ ]
النوع الثاني: اختلاف في التمثيل؛ لكثرة الأمثلة الداخلة تحت معنى واحدٍ، وليس مثالٌ منها على خصوصه هو المراد، وإنما المراد المعنى العام الذي (^١) تندرج تلك الأمثلة تحت عمومه، فهذا عدَّه أيضًا كثيرٌ من المؤلفين خلافًا، وليس في الحقيقة بخلاف؛ لأن كلَّ قولٍ (^٢) منها مثالٌ للمراد، وليس بكل المراد.
ولم نعُدَّه نحن خلافًا، بل عبَّرنا عنه بعبارة عامة تدخل تلك الأقوال تحتها، وربما ذكرنا بعض تلك الأقوال على وجه التمثيل مع التنبيه على العموم المقصود.
النوع الثالث: اختلاف في المعنى، فهذا هو الذي عدَدْناه خلافًا، ورجَّحنا فيه بين أقوال الناس حسبما ذكرناه في خطبة الكتاب.
فإن قيل: ما الفرق بين التفسير والتأويل؟
فالجواب: أن في ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: أنهما بمعنى واحدٍ.
الثاني: أن التفسير: للفظ، والتأويل: للمعنى.
الثالث -وهو الصواب-: أن التفسير هو الشرح، وأن التأويل هو حمل الكلام على معنىً غيرِ المعنى الذي يقتضيه ظاهر اللفظ؛ لموجب اقتضى أن يُحمَل على ذلك ويخرج عن ظاهره.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «التي».
(٢) في ب، ج، هـ: «لأن كلًّا».
[ ١ / ٧٥ ]
[٢ -] وأما القراءات: فإنها في القرآن بمنزلة الرواية في الحديث، فلا بد من ضبطها كما يضبط الحديث بروايته.
ثم إن القراءات على قسمين: مشهورة، وشاذَّةٌ.
فالمشهورةُ: هي القراءات السبع وما جرى مجراها؛ كقراءة يعقوب (^١) وابنِ محيصنٍ (^٢).
والشاذة: ما سوى ذلك.
وإنما (^٣) بنينا هذا الكتاب على قراءة نافع المدني (^٤)؛ لوجهين:
أحدهما: أنها القراءة المستعملة في بلادنا بالأندلس وسائر المغرب.
والآخر: الاقتداء بالمدينة شرفها الله تعالى؛ لأنها قراءة أهل المدينة، وقال مالك بن أنس: قراءة نافع سنةٌ.
وذكرنا من سائر القراءات ما فيه فائدةٌ في المعنى والإعراب أو غير ذلك، دون ما لا فائدة فيه زائدة، واستغنينا عن استيفاء القراءات؛ لكونها مذكورةً في الكتب المؤلفة فيها، وقد صنَّفنا فيها كتبًا نفع الله بها، وأيضًا؛ فإنا لما
_________________
(١) هو يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قارئ أهل البصرة في عصره، توفي سنة (٢٠٥ هـ). انظر: معرفة القراء الكبار، للذهبي (٩٤).
(٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي مولاهم المكي، قارئ أهل مكة، توفي سنة (١٢٣ هـ). انظر: معرفة القراء الكبار، للذهبي (٥٦).
(٣) في ب، ج، هـ: «وإنما».
(٤) هو نافع بن عبد الرحمن ابن أبي نعيم الليثي، مولاهم، أبو رويم المقرئ المدني، توفي سنة (١٦٩ هـ). انظر: معرفة القراء الكبار، للذهبي (٦٤).
[ ١ / ٧٦ ]
عزمنا في هذا الكتاب على الاختصار حذفنا منه ما لا تدعو إليه ضرورةٌ، وقد ذكرنا في هذه المقدمات بابًا في قواعد أصول القراءات.
[٣ -] وأما أحكام القرآن: فهي تفسير ما ورد فيه من الأوامر والنواهي والمسائل الفقهية.
وقال بعض العلماء: إن آيات الأحكام خمسُ مئةِ آيةٍ، وقد تنتهي إلى أكثرَ من ذلك إذا استُقُصيَ تتبعها في مواضعها.
وقد صنَّف الناس في أحكام القرآن تصانيفَ كثيرةٍ.
ومن أحسن تصانيف المشارقة فيها: تأليف إسماعيل القاضي (^١)، وأبي الحسن كِيَّاه (^٢).
ومن أحسن تصانيف أهل الأندلس (^٣): تأليف القاضي الإمام أبي بكر
_________________
(١) هو أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم بن بابك الجهضمي الأزدي المالكي، وبه تفقه أهل العراق من المالكية، توفي سنة (٢٨٢ هـ). انظر: الديباج المذهب، لابن فرحون (١/ ٢٨٢).
(٢) هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الكيا الهَرَّاسي الشافعي، والكيا: لفظة أعجمية معناها: الكبير القدر المقدم بين الناس، توفي سنة (٥٠٤ هـ). انظر: وفيات الأعيان، لابن خلكان (٣/ ٢٨٦)، و«كيا» و«كياه» بمعنى واحد، و«أل» فيها للتعريف، قال العطار في حاشيته على شرح المحلي على «جمع الجوامع» في ضبطه (١/ ٣٣٩): «ضبطه الكوراني بفتحها؛ لأن «كِيَّا» معناه: العظيم، وأل حرف تعريف وهمزتها بالفتح؛ لأنها همزة وصل».
(٣) في ب، د زيادة: «فيها».
[ ١ / ٧٧ ]
ابن العربي (^١)، والقاضي الحافظ أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم المعروف بابن الفَرَس (^٢).
* [٤ -] وأما النسخ: فهو يتعلق (^٣) بالأحكام؛ لأنها محلُّ النسخ؛ إذ لا تُنسَخُ الأخبار.
ولا بد من معرفة ما وقع في القرآن من الناسخ والمنسوخ، والمحكم؛ وهو ما لم يُنسَخ.
وقد صنف الناس في ناسخ القرآن ومنسوخه تصانيف كثيرة، أحسنها: تأليف القاضي أبي بكر بن العربي.
وقد ذكرنا في هذه المقدمات بابًا في قواعد النسخ، وذِكْرِ ما تكرَّر (^٤) في القرآن من المنسوخ، وذكرنا سائره في مواضعه.
* [٥ -] وأما الحديث: فيحتاج المفسِّرُ إلى روايته وحفظه؛ لوجهين:
الأول: أنّ كثيرًا من آيات القرآن نزلت في قوم مخصوصين، ونزلت بأسباب قضايا وقعت في زمان النبي ﷺ من الغزوات والنوازل والسؤالات، فلا بد من معرفة ذلك؛ ليُعلَمَ فيمن نزلت الآية، وفيما نزلت، ومتى نزلت؛
_________________
(١) الإمام المالكي المعروف، توفي سنة (٥٤٣ هـ). انظر: الديباج المذهب، لابن فرحون (٢/ ٢٥٢).
(٢) الخزرجي المالكي، توفي سنة (٥٩٩ هـ). انظر: الديباج المذهب، لابن فرحون (٢/ ١٣٣).
(٣) في ب، ج، هـ: «ما يتعلق».
(٤) في ج، هـ: «ما تقرر».
[ ١ / ٧٨ ]
فإن النسخ مبنيٌّ على معرفة تاريخ النزول؛ لأن المتأخر ناسخٌ للمتقدم.
والوجه الآخر: أنه ورد عن النبي ﷺ كثير من تفسير القرآن، فتجب معرفته؛ لأن قوله ﵇ مقدم على أقوال الناس.
[٦ -] وأما القصص: فهو من جملة العلوم التي تضمنها القرآن، فلا بد من تفسيره، إلَّا أن الضروريَّ منه: ما يتوقف التفسير عليه، وما سوى ذلك زيادةٌ مستغنى عنها.
وقد أكثر بعض المفسرين من حكاية القصص الصحيح وغير الصحيح، حتى إنهم ذكروا منه ما لا يجوز ذكره مما فيه تقصيرٌ بمنصب الأنبياء ﵈، أو حكايةٌ ما يجب تنزيههم عنه.
وأما نحن فاقتصرنا في هذا الكتاب من القصص على ما يتوقف التفسير عليه، وعلى ما ورد منه في الحديث الصحيح.
[٧ -] وأما التصوفُ: فله تعلقٌ بالقرآن؛ لما ورد في القرآن من المعارف الإلهية ورياضة النفوس وتنوير القلوب وتطهيرها باكتساب الأخلاق الحميدة واجتناب الأخلاق الذميمة.
وقد تكلمت المتصوِّفة (^١) في تفسير القرآن، فمنهم من أحسن وأجاد، ووصل بنور بصيرته إلى دقائق المعاني ووقف على حقيقة المراد، ومنهم من توغَّل في الباطنية، وحمل القرآن على ما لا تقتضيه اللغة العربية.
_________________
(١) في د: «الصوفية».
[ ١ / ٧٩ ]
وقد جمع أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ (^١) كلامهم في التفسير في كتاب سماه «الحقائق»، وقال بعض العلماء: بل هو (^٢) البواطل، وإذا أنصفنا قلنا: فيه حقائق وبواطلُ.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما يُستحسن من الإشارات الصوفية، دون ما يُعترض أو يُقدح فيه، وتكلَّمنا أيضًا على اثني عشر مقامًا من مقامات التصوف في مواضعها من القرآن.
[١ -] فتكلمنا على الشكر في «أم القرآن»؛ لما بين الحمد والشكر من الاشتراك في المعنى.
[٢ -] وتكلمنا على التقوى في قوله تعالى في «البقرة»: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
[٣ -] وعلى الذِّكر في قوله فيها: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.
[٤ -] وعلى الصَّبر في قوله تعالى فيها: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
[٥ -] وعلى التوحيد في قوله فيها: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
[٦ -] وعلى محبة الله (^٣) في قوله فيها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.
[٧ -] وعلى التوكُّل في قوله في «آل عمران»: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
_________________
(١) هو محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزديُّ، السُّلَمِيُّ الأم، النيسابوري، شيخ خراسان، وكبير الصوفية، له كتاب «حقائق التفسير»، و«طبقات الصوفية» وغيرهما، توفي سنة (٤١٢ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ٢٤٧).
(٢) في ب، ج، هـ: «هي».
(٣) في أ: «المحبة».
[ ١ / ٨٠ ]
[-٨] وعلى المراقبة في قوله في «النساء»: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
[٩، ١٠ -] وعلى الخوف والرَّجاء في قوله في «الأعراف»: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
[-١١] وعلى التوبة في قوله في «النور»: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾.
[-١٢] وعلى الإخلاص في قوله في «لم يكن»: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
* [٩ -] وأما أصول الدين: فتتعلق بالقرآن من طريقين:
أحدهما: ما ورد في القرآن من إثبات العقائد، وإقامة البراهين عليها، والرد على أصناف الكفار.
والآخر: أن الطوائف المختلفة من المسلمين تعلقوا بالقرآن، وكل طائفة منهم تحتج لمذهبها بالقرآن، وترد على من خالفها، وتزعم أنه خالف القرآن، ولا شك أن منهم المحق والمبطل.
فمعرفة تفسير القرآن توصل في ذلك إلى التحقيق، مع التسديد والتأييد من الله والتوفيق.
* [١٠ -] وأما أصول الفقه: فإنها من أدوات تفسير القرآن، على أنَّ كثيرًا من المفسرين لم يشتغلوا بها.
وإنها لنعم العونُ على فهم المعاني وترجيح الأقوال، وما أحوج المفسرَ إلى معرفة النص، والظاهر، والمجمل، والمبين، والعام، والخاص، والمطلق، والمقيد، وفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ودليل الخطاب،
[ ١ / ٨١ ]
وشروط النسخ، ووجوه التعارض، وأسباب الخلاف، وغير ذلك من علم الأصول.
* [١١ -] وأما اللغة: فلا بد للمفسر من حفظ ما ورد في القرآن منها، وهي غريب القرآن، وهي فنٌّ من فنون التفسير.
وقد صنف الناس في غريب القرآن تصانيف كثيرة، وقد ذكرنا - بعد هذه المقدمة - مقدمةً في اللغات الكثيرة الدوران في القرآن؛ لئلا نحتاج أن نذكرها حيثما وقعت، فيطولَ الكتاب بكثرة تكرارها.
* [١٢ -] وأما النحو: فلا بد للمفسر من معرفته؛ فإن القرآن نزل بلسان العرب فيحتاج إلى علم اللسان (^١).
والنحو ينقسم قسمين:
أحدهما: عوامل الإعراب، وهي أحكام الكلام المركَّب.
والآخر: التصريف، وهو أحكام الكلمات قبل تركيبها.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب من إعراب القرآن ما يحتاج إليه؛ من المشكل، أو المختلف فيه، أو ما يفيد فهم المعنى، أو يختلف المعنى باختلافه، ولم نتعرَّضْ لما سوى ذلك من الإعراب السهل الذي لا يحتاج إليه إلا المبتدئ؛ فإن ذلك تطويلٌ (^٢) بغير كبير فائدةٍ.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «إلى معرفة اللسان»، وفي د: «إلى معرفة علم اللسان».
(٢) في ب، ج، د، هـ: «يطول».
[ ١ / ٨٢ ]
* [١٣ -] وأما علم البيان: فهو علم شريف، تظهر به فصاحة القرآن، وقد ذكرنا منه في هذا الكتاب فوائدَ فائقةً، ونكتًا مستحسنة رائقة، وجعلنا في المقدمات بابًا في أدوات البيان؛ ليفهم به ما يرد منها مفرقًا في مواضع (^١) من القرآن.
_________________
(١) في د: «مواضعه».
[ ١ / ٨٣ ]