* اعلم أن السلف الصالح انقسموا على فرقتين:
فمنهم من فسَّر القرآن، وتكلَّم في معانيه، وهم الأكثرون.
ومنهم من توقَّف عن الكلام فيه؛ احتياطًا؛ لما ورد من التشديد في ذلك؛ فقد قالت عائشة ﵂: «ما كان رسول الله ﷺ يفسر من القرآن إلا آياتٍ بِعَدَدٍ، علمه إياهن جبريل» (^٢)، وقال ﷺ: «من قال في القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ» (^٣).
وتأوَّل المفسرون حديث عائشة ﵂ بأنه في مُغَيَّبات القرآن التي لا تعلم إلا بتوقيفٍ من الله تعالى.
وتأولوا الحديث الآخر بأنه فيمن تكلَّم في القرآن بغير علم ولا أدوات، لا فيمن تكلم بما (^٤) تقتضيه أدوات العلوم، ونظرَ في أقوال العلماء المتقدمين، فإن هذا لم يقل في القرآن برأيه.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (١/ ٢٢).
(٢) أخرجه البزار في مسنده (٨/ ١٢٣)، والطبري في تفسيره (١/ ٧٨) وأعلّ إسناده، وحكم عليه الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ١٤) بأنه حديث منكر.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٦٥٢)، والترمذي (٢٩٥٢).
(٤) في ب: «فيما».
[ ١ / ٨٧ ]
* واعلمْ أنَّ المفسرين على طبقاتٍ:
فالطبقةُ الأولى: الصحابةُ ﵃:
وأكثرهم كلامًا في التفسير: ابن عباس، وكان علي بن أبي طالب ﵁ يثني على تفسير ابن عباس ويقول: «كأنما ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيقٍ» (^١)، وقال ابن عباس: «ما عندي من تفسير القرآن فهو عن علي ابن أبي طالب ﵁» (^٢).
ويتلوهما: عبد الله بن مسعود، وأبيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت.
ثم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وكلُّ ما جاء عن الصحابة من التفسير فهو حسنٌ مقبول.
والطبقة الثانية: التابعون:
وأحسنهم كلامًا في التفسير: الحسن بن أبي الحسن البصريُّ، وسعيد بن جبير، ومجاهدٌ مولى ابن عباس، وعلقمةُ صاحبُ عبد الله بن مسعود.
ويتلوهم: عكرمة، وقتادة، والسُّدِّيُّ، والضحاك بن مزاحم، وأبو صالح، وأبو العالية.
ثم حمل تفسيرَ القرآن عُدولُ كلِّ خلَفٍ، وألَّف الناس فيه، كالمفضَّل (^٣)،
_________________
(١) أخرجه الدينوري المالكي بإسناده في «المجالسة وجواهر العلم» (٢/ ٤١٥).
(٢) لم أقف على إسناده، وأورده ابن عطية في المحرر الوجيز (١/ ٢٣) بغير إسناد.
(٣) هو المفضل بن سلمة بن عاصم، أبو طالب النحوي اللغوي الكوفي، له كتاب =
[ ١ / ٨٨ ]
وعبدِ الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وعلي بن أبي طلحة، وغيرهم. ثم إن محمد بن جرير الطبريَّ جمع أقوال المفسرين (^١)، وأحسن النظر فيها.
وممن صنف في التفسير أيضًا: أبو بكر النقاش (^٢)، والثعلبيُّ (^٣)، والماورديُّ (^٤)، إلَّا أن كلامهم يحتاج إلى تنقيح، وقد استدرك الناس على بعضهم.
وصنف أبو محمدِ ابنُ قتيبة في غريب القرآن ومشكله وكثير من علومه. وصنف في معاني القرآن جماعةٌ من النَّحويين؛ كأبي إسحاق الزجَّاج (^٥)،
_________________
(١) = «ضياء القلوب» في معاني القرآن، نيف وعشرون جزءًا، توفي بعد سنة (٢٩٠ هـ). انظر: السير، للذهبي (١٤/ ٣٦٢)، وطبقات المفسرين، للداودي (٢/ ٣٢٨).
(٢) في د: «المتقدمين».
(٣) هو محمد بن الحسن محمد بن زياد بن هارون، إمام أهل العراق في القراءات والتفسير، صاحب تفسير «شفاء الصدور»، توفي سنة (٣٥١ هـ). انظر: طبقات المفسرين، للداودي (٢/ ١٣٥).
(٤) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق النيسابوري الثعلبي، ويقال له: الثعالبي، وهو لقب لا نسب، صاحب تفسير «الكشف والبيان»، توفي سنة (٤٢٧ هـ). انظر: طبقات المفسرين، للداودي (١/ ٦٦).
(٥) هو علي بن محمد بن حبيب القاضي، أبو الحسن الماوردي البصري، صاحب تفسير «النكت والعيون»، توفي سنة (٤٥٠ هـ). انظر: طبقات المفسرين، للداودي (١/ ٤٢٧).
(٦) هو إبراهيم بن السري بن سهل، توفي سنة (٣١١ هـ). انظر: بغية الوعاة، للسيوطي (١/ ٤١١).
[ ١ / ٨٩ ]
وأبي علي الفارسي (^١)، وأبي جعفر النحاس (^٢).
* وأمّا أهل المغرب والأندلس:
فصنف القاضي مُنْذِرُ بن سعيد البَلُّوطيُّ (^٣) كتابًا في غريب القرآن وتفسيره.
ثم صنف المقرئ أبو محمد مكيُّ بن أبي طالب (^٤) كتاب الهداية في تفسير القرآن، وكتابًا في غريب القرآن، وكتابًا في ناسخ القرآن ومنسوخه، وكتابًا في إعراب القرآن، إلى غير ذلك من تواليفه؛ فإنها نحو ثمانين تأليفًا، أكثرها في علوم القرآن؛ من القراءات، والتفسير، وغير ذلك.
وأما أبو عمرو الدانيُّ (^٥) فتواليفه تنيف على مئة وعشرين، إلَّا أن أكثرها في القراءات، ولم يؤلف في التفسير إلا قليلًا.
_________________
(١) هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان، اتهم بالاعتزال، توفي سنة (٣٧٧ هـ). انظر: بغية الوعاة، للسيوطي (١/ ٤٩٦).
(٢) هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي المصري، توفي سنة (٣٣٨ هـ). انظر: بغية الوعاة، للسيوطي (١/ ٣٦٢).
(٣) هو منذر بن سعيد بن عبد الله البلوطي الأندلسي، أبو الحكم القاضي، توفي سنة (٣٥٥ هـ). انظر: طبقات المفسرين، للداودي (٢/ ٣٣٦).
(٤) هو مكي بن أبي طالب حمّوش بن محمد بن مختار أبو محمد القيسي، النحوي المقرئ، توفي سنة (٤٣٧ هـ). انظر: طبقات المفسرين، للداودي (٢/ ٣٣٧).
(٥) هو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي، أبو عمرو الداني، توفي سنة (٤٤٤ هـ). انظر: طبقات المفسرين، للداودي (١/ ٣٧٩).
[ ١ / ٩٠ ]
وأما أبو العباس المهدوي (^١) فمُتْقِنُ التأليف، حَسَنُ الترتيب، جامعٌ لفنون علوم القرآن.
ثم جاء القاضيان: أبو بكر بن العربي، وأبو محمد عبد الحق بن عطية، فأبدع كل واحدٍ منهما وأجمل، واحتفل وأكمل.
فأما ابن العربي فصنف كتاب: «أنوار الفجر» في غاية الاحتفال والجمع لعلوم القرآن، فلما تَلِف تلافاه بكتاب: «قانون التأويل» (^٢) إلَّا أنه اخترمته المنيّة قبل تخليصه وتلخيصه، وألَّف في سائر علوم القرآن تواليف مفيدةً.
وأما ابن عطية فكتابه في التفسير أحسنُ التواليف وأعدلُها، فإنه اطَّلع على تواليف مَنْ كان قبله فهذّبها ولخصها، وهو مع ذلك حسن العبارة، مسدَّد النظر، محافظٌ على السنة.
_________________
(١) هو أحمد بن عمار، أبو العباس المهدوي، نسبة إلى المهدية بالمغرب، ألَّف التفسير الكبير «التفصيل الجامع لعلوم التنزيل»، ثم اختصره في «التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل»، توفي بعد سنة (٤٣٠ هـ). انظر: طبقات المفسرين، للداودي (١/ ٥٦).
(٢) لابن العربي كتابان بهذا العنوان: أحدهما: قانون التأويل في التفسير، وقد اختلف الباحثون في تسميته، واستظهر بعضهم أن اسمه: «واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل بفوائد التنزيل»، وهذا هو الكتاب الذي عناه ابن جزي. والآخر: قانون التأويل، وهو جامع لفوائد شتى من عدة علوم، ولا يختص بالتفسير وعلوم القرآن، وهو مطبوع في مجلد بتحقيق د. محمد السليماني. انظر: قسم الدراسة الذي قدمه د. السليماني لهذا الكتاب ص ١٢٤، ٣٩١.
[ ١ / ٩١ ]
ثم خُتم علماء القرآن بالأندلس وسائر المغرب بشيخنا الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير (^١)، فلقد قطع عمره في خدمة القرآن، وآتاه الله بسطةً في علمه، وقوةً في فهمه، وله فيه تحقيق، ونظر دقيق.
* ومما بأيدينا من تواليف أهل المشرق: تفسير أبي القاسم الزمخشري، وأبي الفضل الغَزْنويِّ (^٢)، وأبي الفضل ابن الخطيب (^٣).
_________________
(١) هو أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي العاصمي، الجياني المولد، الغرناطي المنشأ، الأستاذ أبو جعفر، صاحب «ملاك التأويل» في المتشابه في القرآن وغيره من المصنفات، توفي سنة (٧٠٨ هـ). انظر: طبقات المفسرين، للداودي (١/ ٢٧).
(٢) في أ، ب: «الغزنوني»، وفي ج، هـ: «القزويني» وهو تصحيف. وهو محمد بن أبي يزيد طيفور السجاوندي الغزنوي، أبو عبد الله أو أبو الفضل، اختلفت المصادر في كنيته، المقرئ المفسر النحوي، له تفسير «عين المعاني في تفسير السبع المثاني»، و«الوقف والابتداء» وغيرهما، توفي سنة (٥٦٠ هـ) على ما قاله الصفدي، وقد نقل عنه ابن جزي من تفسيره «عين المعاني» في أربعة مواطن: في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾، وفي الأنبياء عند قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وفي المؤمنون عند قوله: ﴿هَيْهَاتَ﴾ ..، وفي العلق عند قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ (١١)، وهو أحد المصادر التي استمدَّ منها ابن جزي مادة تفسيره، وتفسيره هذا حُقِّق في عدة رسائل علمية في جامعة الإمام. انظر: تاريخ الإسلام، للذهبي (١٢/ ٢٠٦)، والوافي بالوفيات، للصفدي (٣/ ١٤٧)، وإنباه الرواة، للقفطي (٣/ ١٥٣)، والروض المعطار، للحميري (٤٢٨).
(٣) هو محمد بن عمر بن الحسين، الرازي، فخر الدين، صاحب تفسير «مفاتيح الغيب»، وكنيته أبو الفضل أو أبو عبد الله على اختلاف بين المصادر. توفي سنة (٦٠٦ هـ). انظر: تاريخ الإسلام، للذهبي (١٣/ ١٣٧)، وفيات الأعيان، لابن خلكان (٤/ ٢٤٨)، وأخبار العلماء، للقفطي (٢١٩).
[ ١ / ٩٢ ]
فأما الزمخشري: فمسدَّدُ النظر، بارعٌ في الإعراب، متقنٌ في علم البيان؛ إلاَّ أنه ملأ كتابه من مذاهب المعتزلة ونَصَرَهم، وحمل آيات القرآن على طريقتهم، فتكدر صفوه، وتمرَّر حُلْوه، فخذ منه ما صفا، ودع ما كَدِرَ.
وأما الغزنوي: فكتابه مختصرٌ جامع، وفيه من التصوف نكتٌ بديعة.
وأما ابن الخطيب: فتضمَّن كتابه ما في كتاب الزمخشري، وزاد عليه إشباعَ الكلام في قواعد علم الكلام، ونمَّقه بترتيب المسائل، وتدقيق النظر في بعض المواضع، وهو على الجملة كتاب كبير الجِرم، وربما يحتاج إلى تنخيل وتلخيص.
والله ينفع الجميع بخدمة كتابه، ويَجزيهم أفضل ثوابه.
[ ١ / ٩٣ ]