* فيه عشرُ فوائد من فنونٍ مختلفة:
- الأولى: لفظ التعوذ على خمسة أوجهٍ:
[١] «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وهو المرويُّ عن النبي ﷺ (^١)، والمختار عند القرَّاء.
[٢] و«أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»، وهو مرويٌّ عن النبي ﷺ (^٢).
[٣] و«أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم».
[٤] و«أعوذ بالله القويِّ من الشيطان الغويِّ».
[٥] و«أعوذ بالله المجيد من الشيطان المَريد» = وهي محدثة.
- الثانية: يؤمر القارئُ بالاستعاذة قبل القراءة؛ سواء ابتدأ أول سورة، أو جزء سورة.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ١٧٧)، (ح: ٢٦١٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) أخرجه أبو داود (٧٨٥) من حديث عائشة ﵂.
[ ١ / ٢٣٩ ]
والأمر بذلك على الندب.
- الثالثة: يُجهر بالاستعاذة عند الجمهور، وهو المختار.
وروي الإخفاء عن حمزة ونافع.
- الرابعة: لا يتعوَّذ في الصلاة عند مالك.
ويتعوَّذ في أوَّل ركعةٍ عند الشافعي وأبي حنيفة.
وفي كلِّ ركعةٍ عند قوم.
فحجة مالك: عملُ أهل المدينة.
وحجة غيره: قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]؛ وذلك يعم الصلاة وغيرها (^١).
- الخامسة: إنما جاء «أعوذ» بالمضارع دون الماضي؛ لأنَّ معنى الاستعاذة لا يتعلق إلَّا بالمستقبل؛ لأنها كالدعاء. وإنما جاء بهمزة المتكلم وحده؛ مشاكلةً للأمر به في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ﴾.
- السادسة: ﴿الشَّيْطَانِ﴾ يحتمل أن يراد به:
الجنس؛ فتكون الاستعاذة من جميع الشياطين.
أو العهد؛ فالاستعاذة من إبليس.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (١/ ٥٥).
[ ١ / ٢٤٠ ]
وهو من:
شَطَنَ: إِذا بَعُدَ؛ فالنون أصلية، والياء زائدة، ووزنه: «فَيعال».
وقيل: مِنْ شاط: إذا هاج؛ فالنون زائدة، والياء أصلية، ووزنه: «فَعْلان».
وإِن سَمَّيتَ به: لم ينصرف على الثاني؛ لزيادة الألف والنون، وانصرف على الأول.
- السابعة: ﴿الرَّجِيمِ﴾: فَعيل بمعنى مفعول، ويحتمل معنيين:
أن يكون بمعنى: لعين وطريد؛ وهذا يناسب إبليس؛ لقوله: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤].
وأن يكون من: الرَّجم بالنجوم؛ وهذا يناسب الجنس؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].
والأول أظهر.
- الثامنة: من استعاذ بالله صادقًا أعاذه، فعليك بالصدق، ألا ترى امرأة عمران لما أعاذت مريم وذريَّتها عصمها الله!؛ ففي الحديث الصحيح أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما من مولود إلَّا نَخَسه الشيطان فيستهل صارخًا، إلَّا ابن مريم وأُمَّه» (^١).
- التاسعة: الشيطان عدوٌّ حذَّر الله منه؛ إذ لا مطمع في زوال عادِيَّتِه (^٢)، وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، فيأمره -أوَّلًا- بالكفر ويشككه في
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) قال في «لسان العرب» (١٩/ ٢٦٤): «ويقال: كفَّ عنَّا عاديَتك: أي: ظلمك وشرَّك».
[ ١ / ٢٤١ ]
الإيمان، فإن قدَر عليه وإلَّا أمره بالمعاصي، فإن أطاعه وإلَّا ثبَّطه عن الطاعة، فإن سلم من ذلك أفسدها عليه بالرياء والعجب.
- العاشرة: القواطع عن الله أربعة: الشيطان، والنفس، والدنيا، والخلق.
فعلاجُ الشيطان: بالاستعاذة منه، والمخالفة له.
وعلاج النفس: بالقهر.
وعلاج الدنيا: بالزهد.
وعلاج الخلق: بالانقباض والعزلة.
[ ١ / ٢٤٢ ]