* فيه عشر فوائد (^١):
- الأولى: ليست البسملة عند مالك بآية من الفاتحة ولا من غيرها، إلّا من النمل خاصة.
وهي عند الشافعي: آية من الفاتحة.
وعند ابن عباس: آية من كل سورة.
فحجة مالك: ما ورد في الحديث الصحيح: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أنزلت عليَّ سورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها، ثم قال: الحمد لله رب العالمين» (^٢)؛ ولم يذكر البسملة، وكذلك ما ورد في الحديث الصحيح: «إنَّ الله يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: يقول العبد: الحمد لله رب العالمين ..» (^٣) فبدأ بهذا دون البسملة.
وحجة الشافعي: ما ورد في الحديث أنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ: «بسم
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (١/ ٥٨).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢٣١)، والترمذي (٢٨٧٥)، وأحمد في مسنده (٩٣٤٥) في ضمن حديث طويل.
(٣) أخرجه مسلم (٣٩٥).
[ ١ / ٢٤٣ ]
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين» (^١).
وحجة ابن عباس: ثبوت البسملة مع كل سورة في المصحف.
- الثانية: إذا ابتدأت أوَّل سورة بسملت، إلا «براءة»، وسنذكر علَّة سقوطها من «براءة» في موضعه.
وإذا ابتدأت جزءَ سورة:
فأنت مخير بين البسملة وتركها عند أبي عمرو الداني (^٢).
وتترك البسملة عند غيره.
وإذا أتممت سورة وابتدأت أخرى: فاختلف القرَّاء في البسملة وتركها.
- الثالثة: لا يبسمل في الصلاة عند مالك.
ويبسمل عند الشافعي جهرًا في الجهر، وسرًّا في السرّ.
وعند أبي حنيفة: سرًّا في الجهر والسرّ.
فحجة مالك من وجهين:
أحدهما: أنها ليست عنده آيةً من الفاتحة حسبما ذكرنا.
والآخر: الحديث الصحيح عن أنس أنه قال: «صلَّيت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٥).
(٢) انظر: التيسير في القراءات السبع، للداني (١٨).
[ ١ / ٢٤٤ ]
لا يذكرون: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوَّل الفاتحة ولا في آخرها» (^١).
وحجة الشافعي من وجهين:
أحدهما: أنَّ البسملة عنده آية من الفاتحة.
والآخر: ما ورد في الحديث من قراءتها حسبما ذكرناه.
- الرابعة: كانوا يكتبون: «باسمك اللهم»، حتى نزل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١] فكتبوا: «بسم الله»، حتى نزل: ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] فكتبوا: «بسم الله الرحمن»، حتى نزل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ [النمل: ٣٠] فكتبوها.
وحذفت الألف من ﴿بِسْمِ اللهِ﴾؛ لكثرة الاستعمال.
- الخامسة: الباء من ﴿بِسْمِ اللهِ﴾: متعلقة باسم محذوف عند البصريين، والتقدير: ابتدائي كائنٌ بسم الله؛ فموضعها: رفعٌ.
وعند الكوفيين: تتعلق بفعل، تقديره: أبدأُ أو أتلو؛ فموضعها: نصبٌ.
وينبغي أن يقدَّر متأخِّرًا؛ لوجهين:
أحدهما: إفادة الحصر والاختصاص.
والآخر: تقديم اسم الله اعتناءً؛ كما قدم في ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١].
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٩٩).
[ ١ / ٢٤٥ ]
- السادسة: الاسم مشتق من السموُّ عند البصريين؛ فلامه واوٌ محذوفة.
وعند الكوفيين: مشتقٌّ من السِّمَة -وهي العلامة-؛ ففاؤه واوٌ محذوفة.
ودليل البصريين: التصغير والتكسير؛ لأنهما يردَّان الكلمات إلى أصولها، فقول العرب: أسماءٌ وسُمَيٌّ دليلٌ على أن الفاء هي السين، وأن اللام حرف علة.
وقول الكوفيين أظهر في المعنى؛ لأنَّ الاسم علامةٌ على المسمى.
- السابعة: قولك «الله» اسم مرتجل جامد، والألف واللام فيه لازمة، لا للتعريف.
وقيل: إنه مشتق من التألُّه، وهو التعبد.
وقيل: من الولَهَان، وهي الحيرة؛ لتحيّر العقول في شأنه.
وقيل: أصله «إله» من غير ألف ولام، ثم حذفت الهمزة من أوَّله على غير قياس، ثم أدخلت الألف واللام عليه.
وقيل: أصله «الإله» بالألف واللام، ثم حذفت الهمزة، ونقلت حركتها إلى اللام؛ كما تنقل في «الأرض» وشبهه، فاجتمع لامان، فأدغمت إحداهما في الأخرى.
وفُخِّم؛ للتعظيم، إلَّا إذا كان قبله كسرة.
- الثامنة: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صفتان، من الرحمة، ومعناهما: الإحسان؛ فهي صفة فعل.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وقيل: إرادة الإحسان؛ فهي صفة ذات (^١).
- التاسعة: الفرق بين الرحمن والرحيم على ما روي عن رسول الله ﷺ: أنَّ الرحمن في الدنيا والآخرة، والرحيم في الآخرة (^٢).
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله: قوله: «ومعناهما: الإحسان» إلخ، أقول: هذا يتضمن تفسير الرحمة إما بالإحسان أو بإرادة الإحسان، قال: «والإحسان صفة فعل»، والذين يقولون هذا يريدون ما يخلقه الله من النعم؛ فالرحمة - إذن - عبارة عن مخلوقاته سبحانه، وإن سموها صفة فعل فهو غلطٌ في العقل؛ فإن المفعول لا يكون صفة للفاعل، بل أثر فعله، وهم لا يثبتون فعلًا يقوم بالفاعل بمشيئته، فليس عندهم إلا فاعل ومفعول، وقد يفسرون الرحمة بإرادة الإحسان، وعليه فهي صفةٌ ذاتيةٌ، كما قال المؤلف، أي إنها قائمة بذاته تعالى، وكلٌّ من التفسيرين فيه صرفٌ للفظ عن ظاهره؛ فإن الرحمة لها معنى يقابل الغضب؛ كما جاء في الحديث القدسي: «إن رحمتي سبقت غضبي»، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة التدمرية (ص ٣١) في الذين ينفون صفة الرحمة والمحبة والغضب والرضا: «إنهم يفسرون ذلك إما بالإرادة، وإما ببعض المفعولات من النعم والعقوبات» أهـ. وعليه فالواجب إثبات الرحمة صفةً لله حقيقةً، وتفسيرها بالإحسان تفسير لها بأثرها. والرحمة في صفات الله نوعان: صفة ذاتية، وصفة فعلية، وذهب ابن القيم إلى أن الصفة الذاتية مدلولُ اسمه الرحمن، والفعلية مدلول اسمه الرحيم. وينبغي أن يعلم أن الرحمة المضافة إلى الله نوعان: نوع هو صفة له سبحانه، ذاتية أو فعلية، كما تقدم، وإضافتها إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف، وهي مدلول الاسمين الشريفين، والنوع الثاني رحمة مخلوقة، وإضافتها إلى الله من إضافة المخلوق إلى خالقه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾، فالرحمة هنا المطر، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، والرحمة هنا الجنة، وفي الحديث القدسي أن الله قال للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء»، ومن النوع الأول قول سليمان ﵇ متوسلا: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، والله أعلم.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ١٢٧).
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقيل: الرحمن عام في رحمة المؤمنين والكافرين، والرحيم خاص بالمؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]؛ فالرحمن أعمُّ وأبلغ.
وقيل: الرحيم أبلغ؛ لوقوعه بعده على طريقة الارتقاء إلى الأعلى.
- العاشرة: إنما قدَّم الرحمن لوجهين:
اختصاصه بالله.
وجريانه مجرى الأسماء التي ليست بصفات.
[ ١ / ٢٤٨ ]