نزل صدرُها إلى نيّفٍ وثمانين آيةً لما قدِم نصارى نجران المدينة يناظرون رسول الله ﷺ في عيسى بن مريم ﵇.
[﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾].
﴿الم (١)﴾ تقدَّم الكلام على حروف الهجاء (^١).
وقرأ الجمهور: بفتح الميم هنا في الوصل؛ لالتقاء الساكنين؛ نحو: «مِنَ الناس».
_________________
(١) انظر صفحة ٢٦١.
[ ١ / ٥١٢ ]
وقال الزمخشريُّ: هي حركة الهمزة نُقلت إلى الميم (^١). وهذا ضعيف؛ لأنها ألفُ وَصْلٍ تسقط في الدَّرْج.
﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ردٌّ على النصارى في قولهم: إنَّ عيسى هو الله؛ لأنهم زعموا أنه صُلِب؛ فليس بحيٍّ، وليس بقيُّوم.
﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: القرآن.
﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: تضمَّن الحقَّ؛ من الأخبار والأحكام وغيرها.
أو: بالاستحقاق.
﴿مُصَدِّقًا﴾ قد تقدَّم في: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] (^٢).
﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الكتب المتقدّمة.
﴿التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ أعجميان؛ فلا يصحُّ ما ذكره النُّحاة من اشتقاقهما ووزنهما.
﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ هو القرآن؛ وإنما كرَّر ذكْرَه؛ ليصفه بأنه المفرِّق بين الحق والباطل.
ويحتمل: أن يكون ذكَرَه أوَّلًا على وجه الإثبات لإنزاله بقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، ثم ذكره ثانيًا على وجه الامتنان بالهدى به؛ كما قال في التوراة والإنجيل: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾؛ فكأنه قال: «وأنزل الفرقان هدى للناس»، ثم حذف ذلك؛ لدلالة الهدى الأوَّل عليه.
_________________
(١) الكشاف (٤/ ٥).
(٢) انظر صفحة ٣٠٨.
[ ١ / ٥١٣ ]
فلما اختلف قصدُ الكلام في الموضعين: لم يكن ذلك تكرارًا.
وقيل: الفرقان هنا: كلُّ ما فرَّق بين الحق والباطل؛ من كتابٍ وغيره.
وقيل: هو الزَّبور؛ وهذا بعيد.
﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ خبرٌ عن إحاطةِ عِلْم الله بجميع الأشياء على التَّفصيل.
وهذه صفةٌ لم تكن لعيسى، ولا لغيره؛ ففي ذلك ردٌّ على النصارى.
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ برهانٌ على إثبات علم الله المذكور قبلُ. وفيه ردٌّ على النصارى؛ لأن عيسى لا يقدر على التَّصوير، بل كان مصورًا؛ كسائر بني آدم.
﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ مِنْ طولٍ، وقِصَرٍ، وحُسْنٍ، وقبح، ولَوْن، وغير ذلك.
﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ المُحْكَم من القرآن: هو البيِّنُ المعنى، الثابت الحكم.
والمتشابه: هو الذي يحتاج إلى تأويل، أو يكون مُستغلقَ المعنى؛ كحروف الهجاء.
قال ابن عباس: المحكمات: النَّاسخات والحلال والحرام، والمتشابهات: المنسوخات، والمقدَّم، والمؤخَّر.
وهذا تمثيلٌ لما قلنا.
﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: عُمدةُ ما فيه، ومُعْظَمه.
[ ١ / ٥١٤ ]
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ نزلت في نصارى نجران؛ فإنهم قالوا للنبي ﷺ: أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروحٌ منه؟ قال: «نعم»، قالوا: فحسبُنا إذن (^١). فهذا من المتشابه الذي اتَّبعوه.
وقيل: نزلت في أبي ياسر ابن أخطب اليهودي وأخيه حُيَيٍّ.
ثم يدخل في ذلك: كلُّ كافر، أو مبتدع، أو جاهل يتَّبع المتشابه من القرآن.
﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: ليفتنوا به الناسَ.
﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: يبتغون أن يتأوَّلوه على ما تقتضي مذاهبُهم.
أو: يبتغون أن يصلوا من معرفة تأويله إلى ما لا يَصل إليه مخلوقٌ.
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ إخبارٌ عن انفراد الله بعلمِ تأويل المتشابه من القرآن، وذمٌّ لمن طلب عِلمَ ذلك من الناس.
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأٌ مقطوع مما قبله.
والمعنى: أن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه، وإنما يقولون: «آمنا به»؛ على وجه التسليم والانقياد والاعتراف بالعجز عن معرفته.
وقيل: إنه معطوفٌ على ما قبله.
وإن المعنى: أنهم يعلمون تأويلَه.
وكلا القولين مرويٌ عن ابن عباس.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
[ ١ / ٥١٥ ]
والأوَّلُ قول أبي بكر الصديق، وعائشة، وعروة بن الزبير؛ وهو أرجحُ.
وقال ابن عطية: المتشابه نوعان:
نوعٌ انفرد الله بعلمه.
ونوعٌ يمكن وصول الخلق إليه.
فيكون ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾:
ابتداءً: بالنظر إلى الأول.
وعطفًا: بالنظر إلى الثاني (^١).
﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي: المحكم والمتشابه من عند الله.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ حكايةٌ عن الراسخين.
ويحتمل أن يكون مُنقطعًا؛ على وجه التَّعليم.
والأول أرجح؛ لاتِّصال الكلام.
وأما قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: فهو من كلام الله تعالى، لا حكايةُ قولِ الراسخين.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ استدلالٌ على البعث، ويحتمل أن يكون: من تمام كلام الراسخين.
أو مُنقطعًا؛ فهو من كلام الله تعالى.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٢/ ١٦١).
[ ١ / ٥١٦ ]
[﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾].
﴿كَدَأْبِ﴾ في موضع رفع؛ أي: دأب هؤلاء ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ وفي ذلك تهديد.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ عطف على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، ويعني بهم: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم.
[ ١ / ٥١٧ ]
والضمير عائد على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾.
﴿بِآيَاتِنَا﴾ البراهين، أو الكتب.
﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ قرئ بتاء الخطاب:
ليهود المدينة.
وقيل: لكفّار قريش.
وقرئ بالياء: إخبارًا:
عن يهود المدينة.
وقيل: عن قريش.
وهو صادقٌ على كل قول:
أما اليهود فغُلبوا يوم قريظة والنَّضير وقَيْنُقاع.
وأما قريش ففي بدر وغيرِها.
والأشهرُ أنَّها في بني قينقاع؛ لأن رسول الله ﷺ دعاهم إلى الإسلام بعد غزوة بدر، فقالوا له: لا يغرَّنَّك أنك قتلت نفرًا من قريش لا يعرفون القتال، فلو قاتلتنا لعرفتَ أنَّا نحن الناس، فنزلت الآية، ثم أخرجهم رسول الله ﷺ من المدينة.
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ قيل: خطابٌ للمؤمنين. وقيل: لليهود. وقيل: لقريش.
[ ١ / ٥١٨ ]
والأرجحُ (^١) أنَّه لبني قينقاع الَّذين قيل لهم: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾؛ ففيه تهديدٌ لهم وعبرةٌ بما (^٢) جرى لغيرهم.
﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ المسلمون والمشركون يوم بدر.
﴿تَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ﴾ قرئ: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء: خطابًا لمن خوطب بقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾.
والمعنى: ترون الكفارَ مِثْلَي المسلمين؛ ولكن الله أيّد المسلمين بنصره على قلّة عددهم.
وقُرئ: بالياء؛ والفاعل في ﴿يَرَوْنَهُم﴾: هم المؤمنون، والمفعول به: هم المشركون، والضمير في ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾: للمؤمنين.
والمعنى: على حسب ما تقدّم.
فإن قيل: إنَّ الكفار كانوا يوم بدر أكثرَ مِنْ مِثْلَي المسلمين؟
فالجواب: من وجهين:
أحدهما: أن الكفار كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين؛ لأن الكفار كانوا قريبًا من ألف، والمؤمنون ثلاث مئة وثلاثة عشر، ثم إنَّ الله تعالى قلَّل عدد الكافرين في أعين المؤمنين؛ حتى حسبوا أنهم مثلهم مرَّتين؛ ليتجاسروا على قتالهم، إذا ظهر لهم أنهم على ما أُمِروا به من قتال الواحد للاثنين من قوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦].
_________________
(١) في د: «والأول أرجح».
(٢) في د: «لما».
[ ١ / ٥١٩ ]
وهذا المعنى موافق لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤].
والآخر: أنه رجع قومٌ من الكفار حتى بقي منهم ستُّ مئة وستةٌ وعشرون رجلًا؛ وذلك قدرُ عدد المسلمين مرتين.
وقيل: إنَّ الفاعل في ﴿يَرَوْنَهُم﴾: ضمير المشركين، والمفعول: ضمير المؤمنين، وإن الضمير في ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ يحتمل أن يكون للمؤمنين أو للمشركين.
والمعنى على هذا: أنَّ الله كثّر عدد المسلمين في أعين المشركين؛ حتى حَسِب الكفارُ المؤمنين مثلي الكافرين، أو مثلي المؤمنين، وهم أقل من ذلك، وإنما كثّرهم الله في أعينهم ليَرَهبوهم.
ويردُّ هذا قوله تعالى: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤].
﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ نُصب على المصدرية. ومعناه: معاينةً ظاهرةً لا شكَّ فيها.
﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ﴾ أي: أنَّ النصر بمشيئة الله، لا بالقِلَّة، ولا بالكثرة؛ فإن فئة المسلمين غلبت فئة الكافرين؛ مع أنهم كانوا أكثر منهم.
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ قيل: المزيّن هو الله، وقيل: الشيطان.
ولا تعارض بينهما؛ فتزيين الله: بالإيجاد والتهيئة للانتفاع، وإنشاء الجِبِلَّة على الميل إلى الدنيا.
وتزيين الشيطان: بالوسوسة والخديعة.
[ ١ / ٥٢٠ ]
﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جمع قنطار؛ وهو ألف ومئتا أوقية. وقيل: ألف ومئتا مثقال، وكلاهما مرويٌّ عن النبي ﷺ (^١).
﴿الْمُقَنطَرَةِ﴾ مبنيَّةٌ من لفظ القنطار؛ للتأكيد؛ كقولهم: ألفٌ مؤلفة. وقيل: المضروبةُ دنانيرَ أو دراهمَ.
﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ الراعية؛ من قولهم: سام الفرس وغيره: إذا جال في المسارح.
وقيل: المُعْلَمَة في وجوهها شِياتٌ (^٢)؛ فهي من السِّيما بمعنى العلّامة. وقيل: المعدَّة للجهاد.
﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تحقيرٌ لها؛ ليزهد فيها الناس.
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ تفضيلٌ للآخرة على الدنيا؛ ليُرغَب فيها.
وتمَّ الكلامُ في قوله: ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾، ثم ابتدأ قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ تفسيرًا لذلك.
فـ ﴿جَنَّاتٌ﴾ على هذا: مبتدأ، وخبره: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾.
وقيل: إنَّ قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ متعلّق بما قبله، ويتمُّ الكلام في قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
فـ ﴿جَنَّاتٌ﴾ على هذا: خبرُ ابتداءٍ مضمرٍ.
_________________
(١) أخرجهما الطبري في تفسيره (٥/ ٢٥٥).
(٢) الشِّياتُ: جمع شِيَةٍ، وهي كل لونٍ يخالف معظم لون الفرس وغيره، وهي من: وَشَيَ، ففاؤه واو محذوفة، والهاء في آخره عوضٌ منها. انظر: لسان العرب (٢٠/ ٢٧١).
[ ١ / ٥٢١ ]
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ زيادةٌ إلى نعيم الجنة، وهو أعظم من النعيم حسبما ورد في الحديث (^١).
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ نعتٌ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أو رُفع بالابتداء، أو نُصِب بإضمار فعل.
﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في الأقوال والأفعال.
﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ العابدين، أو المطيعين.
﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ الاستغفار: هو طلب المغفرة.
قيل لرسول الله ﷺ: كيف نستغفر؟ فقال: «قولوا: اللهم اغفر لنا وارحمنا وتُب علينا إنك أنت التوَّاب الرحيم» (^٢).
﴿وَبِالْأَسْحَارِ﴾ جمع سَحَرٍ؛ وهو آخر الليل؛ يقال: إنه الثلث الآخر؛ وهو الذي ورد أن الله يقول حينئذٍ: «من يستغفرني فأغفر له» (^٣).
﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الآية؛ شهادةٌ من الله سبحانه لنفسه بالوحدانية.
وقيل: معناها: إعلامُه لعباده بذلك.
_________________
(١) عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا» أخرجه البخاري (٧٥١٨)، ومسلم (٢٨٢٩).
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٩/ ١٧٣).
(٣) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨).
[ ١ / ٥٢٢ ]
﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ عطفٌ على اسم ﴿اللَّهِ﴾؛ أي: هم شهداءُ بالوحدانية.
ويعني بأولي العلم: العارفين بالله، الذين يقيمون البراهينَ على وحدانيته.
﴿قَائِمًا﴾ منصوبٌ على الحال من: اسم ﴿اللَّهِ﴾، أو من: ﴿هُوَ﴾.
أو منصوبٌ على المدح.
﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إنما كرَّر التهليل لوجهين:
أحدهما: أنه ذكر أوَّلًا الشهادة بالوحدانية، ثم ذكرها ثانيًا بعد ثبوتها بالشهادة المتقدمة (^١).
والآخر: أن ذلك تعليمٌ لعباده؛ ليُكثروا من قولها.
﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ بكسر الهمزة: ابتداءٌ.
وبفتحها: بدلٌ من ﴿أَنَّهُ﴾، وهو بدل شيءٍ من شيء؛ لأن التوحيد هو الإسلام.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ﴾ الآية؛ إخبارٌ أنهم اختلفوا بعد معرفتهم بالحقائق؛ من أجل البغي، وهو الحسد.
والآية في اليهود، وقيل: في النصارى، وقيل: فيهما.
_________________
(١) في د: «ثم ذكر ثانيًا ثبوتَها بالشهادة المتقدمة».
[ ١ / ٥٢٣ ]
﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ قد تقدَّم معناه في «البقرة» (^١).
وهو هنا تهديدٌ؛ ولذلك وقع في جواب: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾.
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: جادلوك في الدين.
والضمير: لليهود، ونصارى نجران.
﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: أخلصتُ نفسي وجملتي لله؛ وعبَّر بالوجه عن الجملة.
ومعنى الآية: إقامة الحجة عليهم؛ لأنَّ مَنْ أسلم وجهه لله فهو على الحق بلا شكٍّ، فسقطت حجَّةُ مَنْ خالفه.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عطفٌ على التاء في ﴿أَسْلَمْتُ﴾.
ويجوز أن يكون مفعولًا معه.
﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ تقريرٌ بعد إقامة الحجة؛ أي: قد جاءكم من البراهين ما يقتضي أن تُسلموا.
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: إنما عليك أن تبلِّغَ رسالة ربك، فإذا بلَّغتها فقد فعلتَ ما عليك.
وقيل: إن فيها موادعةً نسختها آية السيف.
_________________
(١) انظر صفحة ٤٢٣.
[ ١ / ٥٢٤ ]
[﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ الآية؛ نزلت في اليهود والنصارى؛ توبيخا لهم، ووعيدًا على قبيح (^١) أفعالهم، وأفعال أسلافهم.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود.
_________________
(١) في ب، د: «قُبْح».
[ ١ / ٥٢٥ ]
والكتاب هنا: التوراة، أو جنس.
﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ ابنُ عباس: دخل رسول الله ﷺ على جماعةٍ من اليهود، فيهم النعمان بن عمرو، والحارث بن زيد، فقالوا له: على أيِّ دينٍ أنت؟ فقال: «على دين إبراهيم»، فقالوا: إنَّ إبراهيم كان يهوديًّا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «فهلمُّوا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم»، فأبوا عليه فنزلت الآية (^١).
فـ ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾ على هذا: التوراة.
وقيل: هو القرآن؛ كان النبي ﷺ يدعوهم إليه فيُعرِضون عنه.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ الإشارةُ إلى إعراضهم عن كتاب الله.
والباءُ سببية.
والمعنى: أنَّ كفرهم بسبب اغترارهم وأكاذيبهم.
والأيام المعدودات قد ذُكِرت (^٢) في «البقرة» (^٣).
﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ أي: كيف يكون حالهم يوم القيامة؟
والمعنى: تهويلٌ واستعظام لما أُعِدَّ لهم.
﴿اللَّهُمَّ﴾ منادى، والميم فيه عوض من حرف النداء عند البصريين؛ ولذلك لا يجتمعان.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٢٩٣).
(٢) في ب، ج، هـ: «ذكر».
(٣) انظر صفحة ٣٣٠.
[ ١ / ٥٢٦ ]
وقال الكوفيون: أصله: «يا اللهُ أُمَّنا بخير» فالميم عندهم من: «أُمَّنا».
﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ منادى عند سيبويه.
وأجاز الزَّجَّاج أن يكون صفةً لاسم الله.
وقيل: إنَّ الآية نزلت ردًّا على النصارى في قولهم: إنَّ عيسى هو الله؛ لأن هذه الأوصاف ليست لعيسى.
وقيل: لما أخبر النبيُّ ﷺ أن أمته يفتحون مُلك كسرى وقيصر: استبعد ذلك المنافقون، فنزلت الآية.
﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ قيل: المراد: «بيدك الخير والشر»، فحذف أحدهما؛ لدلالة الآخر عليه.
وقيل: إنما خصَّ الخير بالذكر؛ لأنَّ الآية في معنى دعاء ورغبة؛ فكأنه يقول: بيدك الخير فأجزل حظي منه.
﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ عبد الله بن مسعود: هي النُّطفة؛ تخرج من الرجل ميتة وهو حيّ، ويخرج الرجل منها حيًّا وهي ميتةٌ.
وقال عكرمة: هو إخراج الدَّجاجة من البيضة، والبيضة من الدَّجاجة.
وقيل: تُخرج (^١) المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فالحياة والموت على هذا: استعارة.
_________________
(١) في ب، د: «يخرج».
[ ١ / ٥٢٧ ]
وفي ذِكر الحيِّ مع الميت:
المطابقة؛ وهي من أدوات البيان.
وفيه -أيضًا- القلب؛ لأنه قدَّم الحيَّ على الميت، ثم عكس.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بغير تضييق. وقيل: بغير محاسبة.
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية؛ عامة في جميع الأعصار.
وسببها: مَيْلُ بعض الأنصار إلى بعض اليهود.
وقيل: كتاب حاطب إلى مشركي قريش.
﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ تبرُّؤٌ ممن فعل ذلك، ووعيدٌ على موالاة الكفار.
وفي الكلام حذف؛ تقديره: ليس من التقرُّب إلى الله في شيء.
وموضع ﴿فِي شَيْءٍ﴾: نصبٌ على الحال من الضمير في ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ﴾. قاله ابن عطية (^١).
﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ﴾ إباحةٌ لموالاتهم إن خافوا منهم.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٢/ ١٩٢)، ونقل أبو حيان كلام ابن عطيَّة هذا، وعلَّق عليه بقوله: «وهو كلام مضطرب؛ لأن تقديره: «فليس من التقرُّب إلى الله» يقتضي أن لا يكون «من الله» خبرًا لـ «ليسَّ»؛ إذ لا يستقلُّ، وقوله: «(في شيء) هو في موضع نصب على الحال» يقتضي أن لا يكون خبرًا؛ فيبقى «ليس» -على قوله- لا يكون لها خبر، وذلك لا يجوز»، وأعرَبَها أبو حيان بقوله: «وخبر «ليس» هو ما استقلَّت به الفائدة، وهي (في شيء)، و(من الله) في موضع نصب على الحال؛ لأنه لو تأخَّر لكان صفةً لشيء، والتقدير: فليس في شيء من ولاية الله». البحر المحيط (٥/ ٢٨٦).
[ ١ / ٥٢٨ ]
والمراد: موالاةٌ بالظاهر، مع البغضاء في الباطن.
﴿تُقَاةً﴾ وزنه: فُعَلَة -بضم الفاء وفتح العين-، وفاؤه واوٌ، أُبدل منها تاءٌ، ولامه ياء أبدل منها ألف.
وهو منصوب على المصدرية.
ويجوز أن ينتصب على الحال من الضمير في ﴿تَتَّقُوا﴾.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ تخويفٌ.
﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ منصوبٌ على الظرفية، والعامل فيه:
فعل مضمر؛ تقديره: اذكروا، أو خافوا.
وقيل: العامل فيه: ﴿قَدِيرٌ﴾.
وقيل: ﴿الْمَصِيرُ﴾. وقيل: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾.
﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿تَوَدُّ﴾. أو معطوف.
﴿أَمَدًا﴾ أي: مسافةً.
﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ﴾ ذُكر بعد التَّحذير:
تأنيسًا؛ لئلا يُفرط الخوفُ.
أو لأن التحذير والتنبيه رأفةٌ.
[ ١ / ٥٢٩ ]
﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ جَعل اتِّباع النبي ﷺ:
علامةً على محبة العبد لله تعالى.
وشرطًا في محبة الله للعبد ومغفرته له.
وقيل: إنَّ الآية خطابٌ لنصارى نجران، ومعناها على العموم في جميع الناس.
[ ١ / ٥٣٠ ]
[﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾].
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ الآية؛ لما مضى صدرٌ من محاجّة نصارى نجران: أخذ يبيّن لهم ما اختلفوا فيه وأشكل عليهم من أمر عيسى ﵇، وكيفية ولادته.
وبدأ بذكر آدم ونوح ﵉؛ تكميلًا للأمر؛ لأنهما أبوان لجميع الأنبياء.
ثم ذكر إبراهيم؛ تدريجًا إلى ذكر عمران والد مريم أمّ عيسى ﵇.
وقيل: إنَّ عمران هنا هو والد موسى، وبينهما ألف وثمان مئة سنة.
والأظهر أن المراد هنا: هو والد مريم؛ لذكر قصّتها بعد ذلك.
﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ يحتمل أن يريد بالآل: القرابة، أو الأتباع.
وعلى الوجهين يدخل نبيّنا محمد ﷺ في آل إبراهيم.
[ ١ / ٥٣١ ]
﴿ذُرِّيَّةً﴾ بدل مما تقدَّم، أو حال.
ووزنه فُعْلِيَّةٌ؛ منسوب إلى الذَّرِّ؛ لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، وغُيِّر أوَّلُه في النَّسَب.
وقيل: أصل ذُرِّيَّة: ذُرُّورَةٌ؛ وزنها: فُعُولَةٌ، ثم أُبدل من الراء الأخيرة ياء، فصار: ذُرُّويَة، ثم أدغمت الواو في الياء وكسرت الراء فصار: ذُرِّيَّة.
﴿إذْ قَالَتِ﴾ العامل فيه محذوف؛ تقديره: اذكر.
وقيل: ﴿عَلِيمٌ﴾.
وقال الزَّجَّاج: العامل فيه: معنى الاصطفاء.
﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ اسمها: حَنَّةُ -بالنون-، وهي أم مريم، وعمران هنا: هو والد مريم.
﴿نَذَرْتُ﴾ أي: جعلت نذرًا عليَّ أن يكون هذا الولد الذي في بطني حَبِيسًا على خدمة بيتك؛ وهو بيت المقدس.
﴿مُحَرَّرًا﴾ أي: عَتِيقًا من كل شُغْلٍ إلَّا خدمة المسجد.
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ الآية؛ كانوا لا يُحرِّرون الإناث لخدمة المساجد، فقالت: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾؛ تحسُّرًا وتلهُّفًا على ما فاتها من النَّذر الذي نذرتْ.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرئ ﴿وَضَعَتْ﴾: بإسكان التاء، وهو من كلام الله؛ تعظيمًا لموضوعها.
وقرئ: بضم التاء وسكون العين؛ وهو -على هذا- من كلامهما.
[ ١ / ٥٣٢ ]
﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ يحتمل:
أن يكون من كلام الله.
فالمعنى: ليس الذكر الذي طلبتِ كالأنثى التي وُهِبتْ لكِ.
وأن يكون من كلامها. فالمعنى: ليس الذكر كالأنثى في خدمة المساجد؛ لأن الذكور كانوا يخدمونها دون الأناث.
﴿سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ إنما قالت لربها: ﴿سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾؛ لأن مريم في لغتهم بمعنى: العابدة، فأرادت بذلك التقرُّب إلى الله.
ويؤخذ من هذا: تسميةُ المولود يوم ولادته.
وامتنع ﴿مَرْيَمَ﴾ من الصَّرْف؛ للتعريف والتأنيث، وفيه -أيضًا- العُجمة.
﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾ ورد في الحديث: «ما من مولود إلَّا نخسه الشيطان حين يُولَد فيستهلُّ صارخًا، إلَّا مريم وابنها؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ الآية» (^١).
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ أي: رَضِيَهَا للمسجد مكانَ الذَّكَر.
﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون مصدرًا على غير الصَّدْر (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه في صفحة.
(٢) في أ، د: «المصدر»، والمثبت هو الصواب، والصَّدْر: هو الفعل في اصطلاح الكوفيين، وهذا التعبير «مصدر على غير الصَّدر» مألوف الاستعمال عند العلماء، =
[ ١ / ٥٣٣ ]
والآخر: أن يكون اسمًا لما يُقبَل به، كالسَّعوط: اسم (^١) لما يُسْعَط به.
﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ عبارةٌ عن حسن النشأة.
﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي: ضمَّها إلى إنفاقه وحضانته، والكافل: هو الحاضن.
وكان زكرياءُ زوجَ خالتها، وقيل: زوجُ أختها.
وقرئ: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ بتشديد الفاء، ونصب ﴿زَكَرِيَّا﴾، أي: جعلَه الله كافلَها.
﴿الْمِحْرَابَ﴾ في اللغة: أشرفُ المجالس، وبذلك سُمِّي موضع الإمام.
ويقال: إن زكرياءَ بنى لها غرفةً في المسجد؛ وهي المحراب هنا.
وقيل: المحراب: موضع العبادة.
﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ كان يجد عندها فاكهةَ الشتاء في الصَّيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاء.
ويقال: إنها لم تَرْضَعْ ثديًا قطُّ، وكان الله يرزقها.
_________________
(١) = كما في أدب الكاتب لابن قتيبة، والمحرر الوجيز، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، والبحر المحيط لأبي حيان، وغيرها، ومعناه: أن يكون المصدر على غير بناء الفعل، بأن يكون مصدرًا لفعل آخر، فالفعل في هذه الآية: «تقبَّل»، ومصدرُ هذا الفعل: «تقبُّلًا»، ولكنه جاء هنا «قبولًا» مصدرًا للفعل «قَبِلَ». وانظر: أدب الكاتب، لابن قتيبة (تحقيق: الدالي): (ص: ٣٣٣).
(٢) هذه الكلمة سقطت من ب، ج، هـ.
[ ١ / ٥٣٤ ]
﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي: كيف؟ ومن أين؟
﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ﴾ من كلام مريم، أو من كلام الله تعالى.
﴿هُنَالِكَ﴾ إشارةٌ إلى مكان.
وقد يستعمل في الزمان؛ وهو الأظهر هنا، أي: لما رأى زكرياءُ كرامةَ الله تعالى لمريم: سأل من اللهِ الولد.
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أُنِّثَ رَعْيًا للجماعة.
وقرئ بالألف على التذكير.
وقيل: إن الذي ناداه جبريل وحده، وإنما قيل: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ كقولهم: فلان يركب الخيلَ؛ أي: جنس الخيل، وإن كان فرسًا واحدًا.
﴿بِيَحْيَى﴾ اسمٌ سمَّاه الله تعالى به قبل أن يولد، وهو اسم بالعبرانية صادف اشتقاقًا وبناءً في العربية.
وهو لا ينصرف، فإن كان أعجميًّا: ففيه التعريف والعُجْمة، وإن كان عربيًّا: فالتعريف ووزن الفعل.
﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: مصدِّقًا بعيسى ﵇، مؤمنًا به.
وسمِّي عيسى كلمةَ الله؛ لأنه لم يوجد إلَّا بكلمة الله وحدَها؛ وهي قوله: ﴿كُنْ﴾، لا بسبب آخر؛ وهو الوالد كسائر بني آدم.
﴿وَسَيِّدًا﴾ السَّيِّد: الذي يسود قومَه؛ أي: يفوقهم في الشرف والفضل.
﴿وَحَصُورًا﴾ أي: لا يأتي النساء؛ فقيل: خلَقه الله كذلك، وقيل: كان يُمْسِك نفسه.
[ ١ / ٥٣٥ ]
وقيل: الحصور: الذي لا يأتي الذُّنوب.
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ تعجبٌ واستبعادٌ أن يكون له ولد مع شيخوخته، وعُقْم امرأته، ويقال: إنه كان له تسع وتسعون سنةً، ولامرأته ثمان وتسعون؛ فاستبعَدَ ذلك في العادة، مع علمه بقدرة الله تعالى على ذلك.
فسأله؛ لعلمه بقدرة الله، واستبعده؛ لأنه نادر في العادة.
وقيل: سأله وهو شابٌّ، وأُجيب وهو شيخ؛ ولذلك استبعده.
﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ أي: مثل هذه الفِعْلة العجيبة: يفعلُ الله ما يشاء؛ فالكاف لتشبيه أفعال الله العجيبة بهذه الفِعْلة.
والإشارة بـ «ذلك»: إلى هبة الولد لزكرياء.
واسم ﴿اللَّهُ﴾ مرفوعٌ بالابتداء، و﴿كَذَلِكَ﴾ خبره؛ فيجب وصله معه.
وقيل: إن الخبر: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ويحتمل ﴿كَذَلِكَ﴾ - على هذا - وجهين:
أحدهما: أن يكون في موضع الحال من فاعل ﴿يَفْعَلُ﴾.
والآخر: أن يكون في موضع خبر مبتدأٍ محذوف؛ تقديره: «الأمر كذلك»، أو «أنتما كذلك».
وعلى هذا يوقف على ﴿كَذَلِكَ﴾.
والأول أرجح؛ لاتِّصال الكلام، وارتباط قوله: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ مع ما قبله، ولأنَّ له نظائرَ كثيرةً في القرآن؛ منها قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠٢].
[ ١ / ٥٣٦ ]
﴿اجْعَل لِي آيَةً﴾ أي: علامةٌ على حَملِ المرأة.
﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ أي: علامتك أن لا تقدر على كلام الناس ثلاثة أيام، يُمنَعُ لسانُه (^١) عن ذلك، مع إبقاء قدرته على التكلُّمِ بذكر الله؛ ولذلك قال: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا﴾.
وإنما حُبِسَ لسانُه عن الكلام تلك المدَّة؛ لِيُخْلِصَ فيها لذكر الله؛ شكرًا على استجابة دعائه، ولا يُشغلَ لسانُه بغير الشُّكر والذِّكر.
﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ إشارةً باليد، أو بالرأس، أو غيرهما؛ فهو استثناء منقطع.
﴿بِالْعَشِيِّ﴾: من زوال الشمس إلى غروبها، ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾: من طلوع الفجر إلى الضحى.
_________________
(١) في ج: «لسانك».
[ ١ / ٥٣٧ ]
[﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾]
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ اختُلِفَ هل المراد جبريل أو جمعٌ من الملائكة؟.
والعامل في «إذ» مضمر.
﴿اصْطَفَاكِ﴾ أوَّلا حين تقبَّلك من أمِّك.
﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من كل عيب في خَلْق أو خُلُق أو دين.
[ ١ / ٥٣٨ ]
﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ يحتمل:
أن يكون هذا الاصطفاء مخصوصًا بأن وهب لها عيسى من غير أبٍ.
فيكون ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ عامًا.
وأن يكون الاصطفاء عامًا.
فيُخصَّصُ (^١) من ﴿نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: خديجة وفاطمة. أو يكون المعنى: على نساء زمانها. وقد قيل بتفضيلها على الإطلاق. وقيل: إنها كانت نبيّةً؛ لتكليم الملائكة لها.
﴿اقْنُتِي﴾ القنوت هنا: بمعنى الطاعة والعبادة. وقيل: طول القيام في الصلاة؛ وهو قول الأكثرين.
﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ أُمرت بالصلاة؛ فذَكر القنوت والسجود؛ لكونهما (^٢) من هيئات الصلاة وأركانها، ثم قيل لها: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين؛ أي: في الجماعة.
فلا يقتضي الكلامُ - على هذا - تقديمَ السجود على الركوع؛ لأنه لم يُرِدِ الركوع والسجود المنتظمين في ركعةٍ واحدة.
وقيل: أراد ذلك، وقدَّم السجود؛ لأن الواو لا تُرَتِّبُ.
_________________
(١) في ج، د، هـ: «فيخص».
(٢) ب: «لأنهما».
[ ١ / ٥٣٩ ]
ويحتمل أن تكون الصلاةُ في ملَّتهم بتقديم السجود على الركوع.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدم من القَصَص، وهو خطابٌ للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ احتجاجٌ على نبوته ﷺ؛ لكونه أخبر بهذه الأخبار وهو لم يحضر معهم.
﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ أزلامَهم (^١)؛ وهي قِدَاحُهم.
وقيل: الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اقترعوا بها على كفالة مريم؛ حرصًا عليها وتنافسًا في كفالتها.
وتدلُّ الآية على جواز القرعة، وقد ثبتت - أيضًا - من السنة.
﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ، في موضع نصبٍ بفعل تقديره: يَنظرون أيُّهم.
﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يختلفون فيمن يَكْفُلُها منهم.
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ «إذ» بدلٌ من ﴿وَإِذْ قَالَتِ﴾، أو من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أو العامل فيه مضمر.
﴿اسْمُهُ﴾ أعاد الضمير المذكَّر على «الكلمة»؛ لأن المسمَّى بها ذَكَرٌ.
﴿الْمَسِيحُ﴾ قيل: هو مشتقٌّ من: ساحَ في الأرض؛ فوزنه: مَفْعَل.
وقال الأكثرون: من مَسَح؛ لأنه مُسِح بالبركة؛ فوزنه: فَعِيل.
_________________
(١) هذه الكلمة سقطت من ب، ج، هـ.
[ ١ / ٥٤٠ ]
وإنما قيل (^١): ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والخطاب لمريم؛ لينسبه إليها؛ إعلامًا بأنه يولد من غير والد.
﴿وَجِيهًا﴾ نُصب على الحال.
ووجاهته في الدنيا: النبوة، والتقدم على الناس، وفي الآخرة: الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة.
﴿فِي الْمَهْدِ﴾ في موضع الحال، ﴿وَكَهْلًا﴾ عطف عليه.
والمعنى: أنه يكلم الناس صغيرًا؛ آيةً تدل على براءة أمه مما قذفها به اليهود، وتدل على نبوته. ويكلمهم - أيضًا - كبيرًا؛ ففيه إعلام بعيشه إلى أن يبلغ سن الكهولة؛ وأوله: ثلاث (^٢) وثلاثون سنة. وقيل: أربعون.
﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ عطف على ﴿يُبَشِّرُكِ﴾، أو على ﴿وَيُكَلِّمُ﴾.
﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: جنس. وقيل: الخط باليد.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هنا: العلوم الدينية، أو الإصابة في القول والفعل.
﴿وَرَسُولًا﴾ حال معطوفة على ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾؛ إذ التقدير: ومعلمًا الكتاب. أو يضمر له فعل تقديره: أُرسل رسولًا، أو جاء رسولًا.
﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أُرسل إليهم عيسى ﵇ مبينًا لحكم التوراة.
﴿أَنِّي﴾ تقديره: بأني.
_________________
(١) في د: «قال».
(٢) في أ، ب، د، هـ: «ثلاثة».
[ ١ / ٥٤١ ]
﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ بفتح الهمزة: بدلٌ من ﴿أَنِّي﴾ الأول، أو من ﴿بِآيَةٍ﴾.
وبكسرها: ابتداءُ كلام.
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ ذكَّر هنا الضمير؛ لأنه يعود على الطِّين (^١)، أو على الكاف من ﴿كَهَيْئَةِ﴾.
وأنَّث في «المائدة»؛ لأنه يعود على الهيئة.
﴿فَيَكُونُ طَائِرَا﴾ قيل: إنه لم يخلق غير الخُفَّاش.
وقرئ ﴿طَيْرًا﴾ بياءٍ ساكنة: على الجمع، وبألف وهمزة: على الإفراد.
وكرّر ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ رفعًا لوَهْم من توهَّم في عيسى الربوبية.
﴿وَأُبْرِئُ﴾ روي أنه كان يجتمع إليه جماعةٌ من العُميان والبُرْصِ (^٢) فيدعو لهم فيبرَؤون.
﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى﴾ روي أنه كان يضرب بعصاه الميت أو القبر، فيقوم الميت ويكلّمه.
وروي أنه أحيا سام بن نوح.
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ﴾ كان يقول: يا فلان أكلتَ كذا، وادَّخرت في بيتك كذا.
﴿وَمُصَدِّقًا﴾ عطفٌ:
على ﴿وَرَسُولًا﴾.
_________________
(١) في ب، د: «الطير»، وما أثبتُّه موافق لما في المحرر الوجيز (٢/ ٢٢٨).
(٢) في أ، ب، د، هـ: «والبرصى»، والذي لسان العرب (٨/ ٢٧٠): «وجمع الأبرص بُرْصٌ».
[ ١ / ٥٤٢ ]
أو على موضع: ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ لأنه في موضع الحال، وهو أحسن؛ لأنه من جملة كلام عيسى، فالتقدير: جئتكم (^١) بآية، وجئتكم مصدقًا.
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
وكانوا قد حُرِّم عليهم الشحمُ، ولحمُ الإبل، وأشياءُ من الحيتان والطيرِ، فأحلَّ لهم عيسى بعضَ ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي﴾ ردٌّ على مَنْ نسَب الربوبية لعيسى.
وانتهى كلام عيسى ﵇ إلى قوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، وابتداؤه من قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾.
وكلُّ ذلك يحتمل:
أن يكون مما ذكرت الملائكة لمريم حكايةً عن عيسى ﵇ أنه سيقولُه.
ويحتمل أن يكون خطابُ مريم قد انقطع، ثم استؤنف الكلام من قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾؛ على تقدير: جاء عيسى رسولًا بأني قد جئتكم بآية (^٢)، ثم استمرَّ كلامُه إلى آخره.
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾ أي: عَلِم علمًا ظاهرًا، كعلم ما يُدرك بالحواسِّ.
﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ طَلَبَ النُّصرةَ (^٣). والأنصار: جمع ناصرٍ.
_________________
(١) في د زيادة: «من ربكم».
(٢) في د زيادة: «من ربكم».
(٣) في ب، ج: «طلبٌ للنصرة».
[ ١ / ٥٤٣ ]
﴿إِلَى اللَّهِ﴾ تقديره: مَنْ يضيفُ أنفسَهم -في نصرتي- إلى الله؛ فلذلك قيل: «إلى» هنا بمعنى: «مع».
أو: يتعلَّق بمحذوف تقديره: ذاهبًا إلى الله، أو ملتجئًا إلى الله.
﴿الْحَوارِيُّونَ﴾ حواريُّ الرجل: صِفْوَتُه وخالصته؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي حواري، وإن حواريَّ الزبير» (^١).
وقيل: إنَّ الحواريين كانوا قَصَّارين (^٢) يُحَوِّرُون الثيابَ -أي: يبَيِّضونها- ولذلك سمَّاهم الحواريين.
﴿بِمَا أَنزَلْتَ﴾ يريدون: الإنجيل، و﴿الرَّسُولَ﴾ هنا: عيسى ﵇.
﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع الذين يشهدون بالحقِّ من الأمم.
وقيل: مع أمة محمد ﷺ؛ لأنهم يشهدون على الناس.
﴿وَمَكَرُوا﴾ الضمير لكفار بني إسرائيل، ومكرُهم: أنهم وكَّلوا بعيسى مَنْ يقتله غيلةً.
﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ أي: رفع عيسى إلى السماء، وألقى شَبَهَهُ على من أراد اغتياله حتى قُتِل عِوَضًا منه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٤٦)، ومسلم (٢٤١٥).
(٢) قَصَر الثوبَ قصارةً وقَصَّرَه: حوَّره ودقَّه، والقَصَّار والمُقَصِّر: المحوِّر للثياب؛ لأنه يدقُّها بالقَصْرَة التي هي القطعة من الخشب، وتسمى أيضًا المقصرة، وحرفته: القصارة. انظر: لسان العرب (٦/ ٤١٥).
[ ١ / ٥٤٤ ]
وعبَّر عن فِعْل الله بالمكر مشاكلةً لقوله: ﴿وَمَكَرُوا﴾ (^١).
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي: أقواهم، وهو فاعلٌ ذلك بحقٍّ، والماكر من البشر فاعلٌ بباطل.
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «عَبَّر عن فعل الله» إلخ. أقول: معناه أن الله سمَّى ما يفعله بالكافرين من العقوبة مكرا مشاكلةً لفظية، ليوافق مكر الكافرين بالرسول ﷺ والمؤمنين في الاسم، فيكون الجزاء من جنس العمل لفظا. وهذا خطأ، والحامل عليه عند المؤلف وغيره: استقباحُ إضافة المكر إلى الله حقيقة، بناء على اعتقاد أن المكر كلَّه مذموم، وليس كذلك؛ بل من المكر ما هو محمودٌ، وهو ما كان على وجه المجازاة عدلا، ومن هذا مكرُ الله بأعدائه وأعداء رسله، جزاء وفاقا، وسنةُ الله أن يكون الجزاء من جنس العمل. ومن مكر الله بالكافرين الإملاء لهم واستدراجهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾.
[ ١ / ٥٤٥ ]
[﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾].
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ العامل فيه: فعل مضمر، أو ﴿وَمَكَرَ﴾ (^١).
﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل: وفاة موت، ثم أحياه الله في السماء.
وقيل: رُفع حيًّا، ووفاةُ الموت: بعد أن ينزلَ إلى الأرض فيقتلَ الدَّجَّالَ.
وقيل: يعني: وفاة نوم.
وقيل: المعنى: قابضك من الأرض إلى السماء.
﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ أي: إلى سمائي (^٢).
_________________
(١) في جميع النسخ الخطية كذا: «أو يمكر»!، والمثبت هو لفظ الآية، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز (٢/ ٢٣٧)، والكشاف (٤/ ١١٩).
(٢) قال الشيخ عبد الرحمن البرَّاك: قول ابن جزي في قوله تعالى في شأن عيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قال: أي: «إلى سمائي»، أقول: هذا عدول باللفظ عن =
[ ١ / ٥٤٦ ]
﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ أي: من سوءِ جِوَارهم.
﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ هم المسلمون، وعُلُوُّهم على الكفار: بالحجة وبالسيف في غالب الأمر.
وقيل: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ (^١): النصارى، و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: اليهود؛ فالآية مخبرةٌ عن عِزَّة النصارى على اليهود، وإذلالهم لهم.
﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّم من الأخبار.
﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾ المتلوَّة، أو المعجزات.
﴿وَالذِّكْرِ﴾ القرآن.
﴿الْحَكِيمِ﴾ الناطق بالحكمة.
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ الآية؛ حجةٌ على النصارى في قولهم: كيف يكون ابنٌ دون أب؟، فمثَّله الله بآدم الذي خلقه دون أمٍّ ولا أبٍ، وذلك أغرب مما استبعدوه؛ فهو أقطعُ لقولهم.
_________________
(١) = ظاهره، بتفسيره بلازمه؛ فإنَّ رفعَ عيسى ﵇ إلى الله الذي هو مدلولُ اللفظ، يستلزم رفعَه إلى السماء، والذي حمل ابنَ جزي وأمثالَه على هذا التأويل مذهبُهم في علوِّ الله، وهو أنه ليس سبحانه بذاته فوقَ سماواته، بل هو في كل مكان، كما تقدم في عددٍ من المواضع التي جرى التعليق عليها، وهذا خلافُ ما دلت عليه النصوصُ، وأجمع عليه أهلُ السنة، ورفعُ عيسى ﵇ إلى السماء التي وجده النبي ﷺ فيها ليلة الإسراء يتضمَّن تكريما وتقريبا، فمن كان من العباد أعلى مكانا كان أقربَ إلى الله تعالى، فإبراهيم وموسى ﵈ أقربُ إلى الله من المسيح، فإنَّ إبراهيم في السماء السابعة، وموسى في السادسة، وعيسى في الثانية، كما في حديث أنس عند مسلم، (رقم ١٦٢). والله أعلم.
(٢) في ب، ج، هـ: «الذين اتبعوه».
[ ١ / ٥٤٧ ]
﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ تفسيرٌ لحالِ آدم.
﴿فَيَكُونُ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، والأصل لو قال: «خلقه من تراب ثم قال له كن فكان»، لكنه وضع المضارعَ موضعَ الماضي؛ ليصوّرَ في نفوس المخاطبين أن الأمرَ كأنه حاضرٌ دائمٌ.
﴿الْحَقُّ﴾ خبر ابتداءٍ مضمر.
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى، وكان الذي حاجَّه فيه وفدُ نجران من النصارى، وكان لهم سيِّدان يقال لأحدهما: السيد، وللآخر: العاقب.
﴿نَبْتَهِلْ﴾ نلتعن، والبهلةُ: اللعنة؛ أي: نقول: «لعنةُ الله على الكاذب منَّا ومنكم»، هذا أصل الابتهال.
ثم استعمل في كل دعاءٍ يُجتهَدُ فيه، وإن لم يكن لعنةً.
ولما نزلت الآية أرسل رسول الله ﷺ إلى عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين، ودعا نصارى نجران إلى الملاعنة فخافوا أن يُهلكهم الله أو يمسخهم الله قردةً وخنازير، فأبوا من الملاعنة، وأعطوا الجزية.
[ ١ / ٥٤٨ ]
[﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾].
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ خطاب لنصارى نجران، وقيل: لليهود.
﴿سَوَاءٍ﴾ أي عدل ونصف.
﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ بدل من ﴿كَلِمَةٍ﴾.
أو رفع على تقدير: هي.
ودعاهم ﷺ إلى توحيد الله، وترك ما عبدوا من دونه، كالمسيح والأحبار والرهبان.
﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ قالت اليهود: كان إبراهيم يهوديًا، وقال النصارى: كان نصرانيًا، فنزلت الآية ردًا عليهم؛ لأن ملة اليهود والنصارى إنما وجدت بعد موت إبراهيم بمدة طويلة.
[ ١ / ٥٤٩ ]
﴿هَاأَنتُمْ﴾ «ها» تنبيهٌ، وقيل: بدلٌ من همزة الاستفهام، و«أنتم» مبتدأ: و﴿هَؤُلَاءِ﴾ خبره، و﴿حَاجَجْتُمْ﴾ استئناف.
أو: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ منصوبٌ على التخصيص، و﴿حَاجَجْتُمْ﴾ الخبر.
﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ فيما نطقت به التوراة والإنجيل.
﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ما تقدَّم على ذلك من حال إبراهيم.
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ ردٌّ على اليهود والنصارى.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ نفيٌ للإشراك الذي هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي يتضمَّنه دينُ اليهود والنصارى.
﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ عطف على ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، أي: محمدٌ ﷺ أولى الناس بإبراهيم؛ لأنه على دينه.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: أمة محمد ﷺ.
﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ هم اليهود؛ دَعَوا حذيفة وعمارًا ومعاذًا إلى اليهوديَّة.
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ أي: لا يعود وبال الإضلال إلَّا عليهم.
﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: تعلمون أن محمدًا ﷺ نبيٌّ.
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ﴾ أي: تَخْلِطون. والحق: نبوة محمد ﷺ، والباطل: الكفر به.
[ ١ / ٥٥٠ ]
[﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾].
﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ﴾ كان قومٌ من اليهود أظهروا الإيمان أولَ النهار، ثم كفروا آخره؛ ليخدعوا المسلمين فيقولوا: ما رجع هؤلاء إلَّا عن علم.
وقال السهيلي: إنَّ هذه الطائفة هم عبد الله بن الصَّيْف، وعَدِيُّ بن زيد، والحارث بن عوف (^١).
_________________
(١) انظر: التعريف والإعلام، للسهيلي، ص: ٧٥ - ٧٦.
[ ١ / ٥٥١ ]
﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ يحتمل:
أن يكون من تمام الكلام الذي أُمر النبي ﷺ أن يقوله؛ فيكون متصلًا بقوله: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾.
وأن يكون من كلام أهل الكتاب؛ فيكون متصلًا بقولهم: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، ويكون ﴿إِنَّ الْهُدَى﴾ اعتراضًا بين الكلامين.
فعلى الأول: يكون المعنى: كراهةَ أن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم: قُلتم ما قلتم، ودبّرتم ما دبّرتم من الخداع.
فموضع ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾:
مفعولٌ من أجله.
أو منصوبٌ بفعل مضمر تقديره: فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة.
وعلى الثاني: يكون المعنى: لا تؤمنوا أي: لا تُقِرُّوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴿إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، واكتموا ذلك عمَّن لم يتبع دينكم؛ لئلا يدعوهم إلى الإسلام.
فموضع ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾:
مفعولٌ بـ ﴿تُؤْمِنُوا﴾ المضمَّنِ معنى: تُقِرُّوا.
ويمكن أن يكون في موضع المفعول من أجله؛ أي: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم؛ كراهةَ أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم.
[ ١ / ٥٥٢ ]
﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾، وضمير الفاعل: للمسلمين، وضمير المفعول: لليهود.
﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ ردٌّ على اليهود في قولهم: لم يؤتِ الله أحدًا مثلَ ما أوتي بنو إسرائيل من النبوة والشرف.
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية؛ إخبارٌ أن أهل الكتب على قسمين: أمين، وخائن.
وذَكَر القنطارَ مثالًا (^١) للكثير؛ فمن أدَّاه أدَّى ما دونه، وذكر الدينارَ مثالًا للقليل؛ فمن منعه منع ما فوقه بطريق الأولى.
﴿قَائِمًا﴾ يحتمل أن يكون:
من القيام الحقيقي بالجسد.
أو من القيام بالأمر؛ وهو العزيمة عليه.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ الإشارةُ إلى خيانتهم، والباء: للتعليل.
﴿لَيْسَ عَلَيْنَا﴾ زعموا أنَّ أموال الأمِّيِّين -وهم العرب- حلالٌ لهم.
﴿الْكَذِبَ﴾ هنا: قولهم: إنَّ الله أحلها لهم في التوراة، أو كذِبُهم على الإطلاق.
﴿بَلَى﴾ أي: عليهم سبيلٌ وتبِاعةٌ في أموال الأمِّيِّين.
﴿بِعَهْدِهِ﴾ الضمير يعود على: ﴿مَنْ﴾، أو على ﴿اللَّه﴾.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «وذِكْرُ القنطارِ مثالٌ».
[ ١ / ٥٥٣ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ الآية؛ قيل: نزلت في اليهود؛ لأنهم تركوا عهد الله في التوراة لأجل الدنيا.
وقيل: نزلت بسبب خصومةٍ بين الأشعث بن قيس وآخَرَ، فأراد خصمهُ أن يحلف كاذبًا.
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ الضميرُ عائد على أهل الكتاب.
﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم﴾ أي: يحرِّفون اللفظ، أو المعنى.
﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ الضمير يعود على ما دلَّ عليه قوله: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم﴾، وهو الكلام المحرَّف.
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ الآية؛ هذا النفي يتسلَّطُ (^١) على ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾، والمعنى: لا يدَّعي الربوبية من آتاه الله النبوَّةَ.
والإشارة: إلى عيسى ﵇، ردٌّ على النصارى الذي قالو: إنه إلهٌ.
وقيل: إلى محمد ﷺ؛ لأن اليهود قالوا له: يا محمد أتريد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى؟ فقال: «معاذ الله!، ما بذلك أُمِرتُ، ولا إليه دعوتُ» (^٢).
﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ جمع ربَّانيّ؛ وهو العالِم.
وقيل: الرباني: الذي يربّي الناسَ بصغار العلم قبل كباره.
﴿بِمَا كُنتُمْ﴾ الباء: سببية، و«ما»: مصدرية.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «متسلِّط».
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٥٢٤).
[ ١ / ٥٥٤ ]
﴿تَعْلَمُونَ﴾ بالتخفيف: تَعْرِفُونَ.
وقرئ بالتشديد: من التَّعْلِيم.
﴿وَلَا يَأْمُرُكُمْ﴾ بالرفع: استئناف، والفاعل: الله، أو البشر المذكور.
وقرئ بالنصب: عطفًا على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾، أو على ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾، والفاعل على هذا: البشر.
[ ١ / ٥٥٥ ]
[﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾].
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ معنى الآية: أن الله أخذ العهد والميثاق على كل نبيٍّ أن يؤمنَ بمحمدٍ ﷺ وينصرَه إن أدركه، وتضمَّن ذلك أخذَ هذا الميثاق على أمم الأنبياء.
واللام في قوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ لام التوطئة؛ لأنَّ أخذَ الميثاق في معنى الاستحلاف.
واللام في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ جواب القسم.
[ ١ / ٥٥٦ ]
و«ما» يَحتمل:
أن تكون شرطيةً، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ سدَّ مَسَدَّ جواب القسَم والشرط.
وأن تكون موصولةً؛ بمعنى: الذي آتيناكموه لَتؤمنُنَّ به.
والضمير في: ﴿بِهِ﴾ و﴿وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾: عائدٌ على الرسول.
﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ اعترفتم.
﴿إِصْرِي﴾ عهدي.
﴿فَاشْهَدُوا﴾ أي: على أنفسكم، وعلى أُممكم بالتزام هذا العهد.
﴿وَأَنَا مَعَكُمْ﴾ تأكيدٌ للعهد بشهادة ربِّ العزة ﷻ.
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: مَنْ تولَّى عن الإيمان بهذا النبي ﷺ بعد هذا الميثاق فهو فاسقٌ مُتمردٌ (^١) في كفره.
﴿أَفَغَيْرَ﴾ الهمزة: للإنكار، والفاء: عَطفت جملةً على جملة، و«غيرَ»: مفعولٌ؛ قُدِّمَ: للاهتمام به، أو للحصر.
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ أي: انقادَ واستسلم.
﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ مصدرٌ في موضع الحال.
والطَّوع: للمؤمنين.
والكَره: للكافر إذا عاين الموتَ.
وقيل: عند أخذ الميثاق المتقدِّم.
_________________
(١) في ج: «مرتدٌ»، وفي د: «متزدٌّ»، والمثبت موافق لعبارة الكشاف (٤/ ١٦٧).
[ ١ / ٥٥٧ ]
وقيل: إقرارُ كلِّ كافر بالصانع هو إسلامُه كَرهًا.
﴿قُلْ آمَنَّا﴾ أُمِر النبيُّ ﷺ أن يُخبرَ عن نفسه وعن أمّته بالإيمان.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ تعدَّى هنا بـ «على»؛ مناسبةً لقوله: ﴿قُلْ﴾.
وفي «البقرة» بـ «إلى»؛ لقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ لأنَّ «على» حرف استعلاء يقتضي النزول من عُلُوٍ، ونزولُه على هذا المعنى مختصٌّ بالنبي ﷺ، و«إلى» حرف غاية؛ وهو مُوصِلٌ (^١) إلى جميع الأمة.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ﴾ الآية؛ إبطالٌ لجميع الأديان غير الإسلام.
وقيل: نسخت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ [البقرة: ٦٢] الآية.
﴿كَيْفَ﴾ سؤالٌ، والمراد به هنا: استبعاد الهدى.
﴿قَوْمًا كَفَرُوا﴾ نزلت في الحارث بن سُوَيْدٍ وغيره؛ أسلموا ثم ارتدُّوا ولحقوا بالكفار، ثم كتبوا إلى أهليهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت الآية إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، فرجعوا إلى الإسلام.
وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، شهدوا بصفة النبي ﷺ، وآمنوا به، ثم كفروا به لما بُعِث.
﴿وَشَهِدُوا﴾ عطف على ﴿إِيمَانِهِمْ﴾؛ لأنَّ معناه: بعد أن آمنوا.
وقيل: الواو للحال.
وقال ابن عطية: عطفٌ على ﴿كَفَرُوا﴾، والواو لا ترتّب (^٢).
_________________
(١) في ب: «موصول».
(٢) المحرر الوجيز (٢/ ٢٧٨).
[ ١ / ٥٥٨ ]
﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ عمومٌ بمعنى الخصوص في المؤمنين.
أو على عمومه؛ وتكون اللعنة في الآخرة.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الضمير عائد: على اللَّعْنة.
وقيل: على النار وإن لم تُذْكَر؛ لأنَّ المعنى يقتضيها.
﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قيل: هم اليهود؛ كفروا بعيسى بعد إيمانهم بموسى، ثم ازدادوا كفرًا بكفرهم بمحمد ﷺ.
وقيل: كفروا بمحمد ﷺ بعدما كانوا مؤمنين قبل مَبْعثِه، ثم ازدادوا كفرًا بعداوتهم له وطَعْنِهم عليه.
وقيل: هم الذين ارتدّوا.
﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قيل: ذلك عبارةٌ عن موتهم على الكفر؛ أي: ليس لهم توبةٌ فتقبلُ، وذلك في قوم بأعيانهم ختم الله لهم بالكفر.
وقيل: لن تقبل توبتهم مع إقامتهم على الكفر؛ فذلك عامٌّ.
﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ﴾ جَزْمٌ بالعذاب لكلِّ مَنْ مات على الكفر.
والواو في قوله: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾:
قيل: زائدةٌ.
وقيل: للعطف على محذوف؛ كأنه قال: لن يقبل من أحدهم لو تصدَّق به، ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾.
وقيل: نفى أوَّلًا القَبول جملةً على الوجوه كلِّها، ثم خصَّ الفدية بالنفي؛ كقولك: أنا لا أفعل كذا أصلًا ولو رَغِبتَ إليَّ.
[ ١ / ٥٥٩ ]
[﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾].
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ أي: لن تكونوا من الأبرار، و(^١) لن تنالوا البرَّ الكامل حتى تنفقوا مما تحبونه من أموالكم.
ولما نزلت قال أبو طلحة: إنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرَحَى (^٢)، وإنها صدقة.
وكان ابن عمر يتصدَّق بالسُّكر؛ ويقول: إني لأُحبُّه.
_________________
(١) في هـ، د: «أو».
(٢) قال ابن الأثير في النهاية (١/ ٢٧٥): «هذه اللفظة كثيرا ما تختلف ألفاظ المحدثين فيها، فيقولون بِيْرحاء، بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها، والمد فيهما، وبفتحهما والقصر، وهي اسم مالٍ وموضع بالمدينة»، وقال الزمخشري في «الفائق» (١/ ٩٣): «كأنها فَيْعَلَى، من البَرَاح، وهي الأرض المنكشفة الظاهرة».
[ ١ / ٥٦٠ ]
﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ الآية؛ إخبارٌ أن الأطعمة كانت حلالًا لبني إسرائيل، إلَّا ما حرَّم أبوهم على نفسه؛ وهو لحم الإبل ولبنها.
ثم حُرّمت عليهم أنواعٌ من الأطعمة كالشُّحوم وغيرها؛ عقوبةً لهم على معاصيهم.
وفيها ردٌّ عليهم في قولهم: إنهم على ملَّة إبراهيم ﵇، وإنَّ الأشياء التي هي محرمةٌ عليهم كانت محرمةً على إبراهيم.
وفيها دليلٌ على جواز النسخ ووقوعه؛ لأنَّ الله حرَّم عليهم تلك الأشياء بعد حِلِّها، خلافًا لليهود في قولهم: إنَّ النسخ محالٌ على الله.
وفيها معجزةٌ للنبي ﷺ؛ لإخباره بذلك من غير تعلُّمٍ من أحدٍ.
وسبب تحريم إسرائيل لحومَ الإبل على نفسه: أنه مرض، فنذر إن شفاه الله أن يُحرِّم أحبَّ الطعام إليه؛ شكرًا لله وتقربًا إليه.
ويؤخذ من ذلك: أنه يجوز للأنبياء أن يحرّموا على أنفسهم باجتهادهم.
﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ تعجيزٌ لليهود، وإقامةُ حجة عليهم.
وروي: أنهم لم يَجسُروا على إخراج التوراة.
﴿فَمَنِ افْتَرَى﴾ أي: مَنْ زَعَم بعد هذا البيان أن الشحم وغيره كان محرَّمًا على بني إسرائيل قبل نزول التوراة فهو الظَّالم المكابر بالباطل.
﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: الأمرُ كما وصف، لا كما تكذبون أنتم؛ ففيه تعريضٌ بكذبهم.
[ ١ / ٥٦١ ]
﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلزامٌ لهم أن يُسْلِموا؛ لما ثبت أنَّ مِلَّة الإسلام هي ملةُ إبراهيم التي لم يحرم فيها شيءٌ مما هو محرَّمٌ عليهم.
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ أي: أول مسجد بُني في الأرض.
وقد سأل أبو ذرّ النبيَّ ﷺ: أيُّ مسجد بني أوَّلُ (^١)؟ قال: «المسجد الحرام، ثم بيت المقدس» (^٢).
وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: المعنى: أنه أول بيت وُضِع مباركًا وهدًى، وقد كانت قبله بيوتٌ.
﴿بِبَكَّةَ﴾ قيل: هي مكة؛ والباء بدل من الميم.
وقيل: مكةُ: الحرم كلُّه، وبكَّةُ: المسجد وما حوله.
﴿مُبَارَكًا﴾ نُصِب على الحال، والعامل فيه:
على قول عليٍّ: ﴿وُضِعَ﴾؛ لأنه حالٌ من الضمير الذي فيه.
وعلى القول الأوَّل: هو حالٌ من الضمير الذي في المجرور، والعامل فيه: العامل في المجرور من معنى الاستقرار.
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ آيات البيت (^٣) كثيرة:
منها: الحَجَر الذي هو مقام إبراهيم، وهو الذي قام عليه حين رَفع القواعد من البيت، فكان كلَّما طال البناء ارتفع به الحجر في الهواء حتى
_________________
(١) في د: «أولًا»، ووردت بالوجهين في صحيح مسلم.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٦٦)، ومسلم (٥٢٠).
(٣) في ب، ج، هـ، د: «البينات».
[ ١ / ٥٦٢ ]
أكمل البناء، وغَرِقت قدَمُ إبراهيم في الحجر كأنها في طين، وذلك الأثر باقٍ إلى اليوم.
ومنها: أن الطَّيْرَ لا تعلُوه.
ومنها: إهلاكُ أصحاب الفيل، وردُّ الجبابرة عنه.
ونَبْعُ زمزم لهاجَرَ أُمِّ إسماعيل بهَمْز جبريل بعَقِبه، وحفْرُ عبد المطلب لها بعد دُثُورها، وأنَّ ماءها ينفع لما شُرِب به، إلى غير ذلك.
﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ قيل: إنه بدلٌ من الآيات، أو عطف بيان؛ وإنما جاز بدل الواحد من الجمع؛ لأن المقامَ يحتوي على آياتٍ كثيرة؛ لدلالته على قدرة الله تعالى، وعلى نبوة إبراهيم وغير ذلك.
وقيل: الآيات: مقامُ إبراهيم، وأمْنُ مَنْ دخَله؛ فعلى هذا: يكون قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾ عطفًا.
وعلى الأول: استئنافًا.
وقيل: التقدير: منهنَّ مقامُ إبراهيم؛ فهو على هذا: مبتدأٌ.
والمقام: هو الحجَر المذكور.
وقيل: البيت كله.
وقيل: مكة كلها.
﴿كَانَ آمِنًا﴾ أي: آمنًا من العقاب؛ فإنه كان في الجاهلية إذا فعل أحدٌ جَرِيرةً (^١) ثم لجأ إلى البيت لا يُطلَبُ، ولا يُعاقَب.
_________________
(١) في د: «جريمة».
[ ١ / ٥٦٣ ]
فأما في الإسلام: فإنَّ الحرم لا يَمنع من الحدود، ولا من القصاص.
وقال ابن عباس وأبو حنيفة: ذلك الحكم باقٍ في الإسلام؛ إلَّا أنَّ مَنْ وجب عليه حدٌّ أو قصاصٌ فدخل الحرم لا يُطْعَم ولا يُباع منه حتى يخرج.
وقيل: آمنًا من النار.
﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ بيانٌ لوجوب الحج، واختلف هل هو على الفور أو على التراخي؟.
وفي الآية ردٌّ على اليهود؛ لمَّا زعموا أنهم على ملة إبراهيم قيل لهم: إن كنتم صادقين فحُجُّوا البيت الذي بناه إبراهيم ودعا الناس إليه.
﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ «مَنْ»: بدلٌ من ﴿النَّاسِ﴾.
وقيل: فاعلٌ بالمصدر؛ وهو ﴿حِجُّ﴾.
وقيل: شرطٌ مبتدأٌ؛ أي: من استطاع فعليه الحجُّ.
والاستطاعةُ:
عند مالك: هي القدرة على الوصول إلى مكة بصِحَّةِ البدن، إمَّا راجلًا وإما راكبًا، مع الزاد المبلِّغ والطريق الآمن.
وقيل: الاستطاعة: الزاد والراحلة؛ وهو مذهب الشافعي وعبد الملك ابن حبيب، وروي في ذلك حديث ضعيف (^١).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٣/ ٢١٣)، والبيهقي (٩/ ٢٠٦).
[ ١ / ٥٦٤ ]
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قيل: المعنى: من لم يحجَّ؛ وعبَّر عنه بالكفر تغليظًا؛ كقوله ﷺ: «من ترك الصلاة فقد كفر» (^١).
وقيل: أراد اليهود؛ لأنهم لا يحجون.
وقيل: مَنْ زعم أن الحج ليس بواجب.
﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ توبيخ لليهود.
﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ توبيخ أيضًا، وكانوا يمنعون الناس من الإسلام، ويرومون فتنة المسلمين عن دينهم.
و﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هنا: الإسلام.
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ الضمير يعود على السبيل؛ أي: تطلبون لها الاعوجاج.
﴿وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ﴾ أي: تشهدون أن الإسلام حقٌّ.
﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾ الآية؛ لفظها عام، والخطاب للأوس والخزرج؛ إذ كان اليهود يريدون فتنتهم.
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ إنكار واستبعاد.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي (٤٦٢)، وابن ماجه (١٠٧٩)، وأحمد (٢٢٩٣٧)، (٢٣٠٠٧).
[ ١ / ٥٦٥ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾].
﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قيل: نسخها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقيل: لا نسخ؛ إذ لا تعارض، فإنَّ العباد أُمِروا بالتقوى على الكمال فيما استطاعوا؛ تحرُّزًا من الإكراه وشبهه.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أي: تمسَّكوا، والحبل هنا: مستعارٌ من الحبل الذي يُشَدُّ عليه اليدُ.
والمراد به هنا: القرآن، وقيل: الجماعة.
﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ نهيٌ عن التدابر والتقاطع؛ إذ كان الأوس هَمُّوا بالقتال مع الخزرج، لما رام اليهود إيقاعَ الشرِّ بينهم.
ويحتمل أن يكون نهيًا عن التفرُّق في أصول الدين.
ولا يدخل في النهي: الاختلافُ في الفروع.
[ ١ / ٥٦٦ ]
﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ كان بين الأوس والخزرج عداوةٌ وحروب عظيمة إلى أن جمعهم الله على الإسلام.
﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ أي: حَرْفِ حفرةٍ، وذلك تشبيهٌ لما كانوا عليه من الكفر والعداوة التي تقودهم إلى النار.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ الآية؛ دليلٌ على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ دليلٌ على أنه فرض كفاية؛ لأن «مِنْ» للتبعيض.
وقيل: إنها لبيان الجنس، وأن المعنى: كونوا أمةً. وتغييرُ المنكر يكون: باليد وباللسان وبالقلب، على حسَب الأحوال.
﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ هم اليهود والنصارى، نهى الله المسلمين أن يكونوا مثلهم.
ورد في الحديث أنه ﵇ قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين (^١) وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلُّها في النار إلَّا واحدة» قيل: ومن تلك الواحدة؟ قال: «مَنْ كان على ما أنا وأصحابي عليه» (^٢).
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ العامل فيه: محذوفٌ. وقيل: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «اثنين».
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٤١) واللفظ له، وأبو داود (٤٥٩٦)، وابن ماجه (٣٩٩٢)، وأحمد (١٢٤٧٩).
[ ١ / ٥٦٧ ]
﴿أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: يقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُم﴾.
والخطاب: لمن ارتدَّ عن الإسلام.
وقيل: للخوارج.
وقيل: لليهود؛ لأنهم آمنوا بصفة النبي ﷺ المذكورة في التوراة، ثم كفروا به لما بعث.
[ ١ / ٥٦٨ ]
[﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾].
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ «كان» هنا: هي التي تقتضي الدَّوام، كقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقيل: كنتم في علم الله.
[ ١ / ٥٦٩ ]
وقيل: كنتم فيما وُصِفتم به في الكتب المتقدِّمة.
وقيل: «كنتم» بمعنى: «أنتم».
والخطاب: لجميع المؤمنين. وقيل: للصَّحابة خاصةً.
﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ أي: بالكلام خاصة، وهو أهون المضرَّة.
﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ إخبارٌ بغيب ظهر في الوجود صِدْقُهُ.
﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ إخبارٌ مستأنَفٌ، غير معطوف على ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾، وفائدة ذلك: أنَّ توليتهم الأدبار مقيَّدةٌ بوقت القتال، وعدم النصر على الإطلاق.
وعُطفت الجملة على جملة الشرط والجزاء.
و﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الأحوال؛ لأن عدم نصرهم على الإطلاق أشدُّ من توليتهم الأدبار حين القتال.
﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هو هنا: العهد والذمة.
﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي: ليس أهلُ الكتاب مستوِين (^١) في دينهم.
﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أي: قائمةٌ بالحقِّ، وذلك فيمن أسلم من اليهود، كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية وأخيه أسد وغيرهم.
﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يدلُّ أن تلاوتَهم للكتاب في الصلاة.
﴿فَلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾ أي: لا تُحرمون ثوابه.
﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ الآية؛ تشبيهٌ لنفقة الكفَّار بزرعٍ أهلكته ريحٌ باردة، فلم
_________________
(١) في أ: «مستويين».
[ ١ / ٥٧٠ ]
ينتفع به أصحابه، فكذلك لا ينتفع الكفار بما ينفقون.
وفي الكلام حذف تقديره:
مَثَل ما ينفقون كمثل مُهْلِكِ ريحٍ.
أو: مثل إهلاكِ ما ينفقون كمثل إهلاك ريحٍ.
وإنما احتيج لهذا؛ لأنَّ ما ينفقون ليس شبيها بالريح، إنما هو شبيهٌ بالزرع الذي أهلكته الريح.
﴿صِرٌّ﴾ أي: برْدٌ.
﴿حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ أي: عَصَوا الله فعاقبهم بإهلاك حرثهم.
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ الضمير:
للكفار والمنافقين.
أو لأصحاب الحرث.
والأول أرجح؛ لأن قوله: ﴿أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فعلُ حالٍ فدلَّ (^١) على أنه للحاضرين.
﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: أولياءَ من غيركم؛ فالمعنى: نهيٌ عن استخلاص الكفار وموالاتهم.
وقيل لعمر ﵁: إن هنا رجلًا من النصارى لا أحد أحسنُ خطًّا منه،
_________________
(١) في ب: «يدلُّ».
[ ١ / ٥٧١ ]
أفلا يكتب عنك؟ فقال: إذن أَتَّخِذُ بطانةً من دون المؤمنين (^١).
﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي: لا يُقَصِّرون في فسادكم، والخبال: الفساد.
﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: تمنَّوْا مضرَّتكم، و«ما» مصدرية.
وهذه الجملة والتي قبلها: صفةٌ للبطانة. أو استئنافٌ.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بكلِّ كتابٍ أنزله الله، واليهود لا يؤمنون بقرآنكم.
﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ عبارةٌ عن شدَّة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه. و﴿الْأَنَامِلَ﴾: جمع أنملة بضم الميم وفتحها.
﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ تقريعٌ وإغاظة، وقيل: دعاء.
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ الحسنة هنا: الخيرات من النصر والرزق وغير ذلك، والسيئة: ضدها.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ من الضَّيْر؛ بمعنى الضُّرِّ.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤/ ٢٨٩).
[ ١ / ٥٧٢ ]
[﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾].
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ نزلت في غزوة أحد، وكان غُدُوُّ رسول الله ﷺ للقتال صبيحةَ يوم السبت، وخرج من المدينة يوم الجمعة بعد الصلاة، وكان قد شاور أصحابه قبل الصلاة.
﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تُنزلهم، وذلك يوم السبت حين حضر القتال.
وقيل: ذلك يوم الجمعة بعد الصلاة حين خرج من المدينة، وذلك ضعيف؛ لأنه لا يقال: «غدوت» فيما بعد الزوال إلَّا على المجاز.
وقيل: ذلك يوم الجمعة قبل الصلاة حين شاور الناس، وذلك ضعيف؛ لأنه لم يبوِّئ حينئذٍ مقاعد للقتال؛ إلَّا أن يراد أنه بوَّأهم بالتدبير حين المشاورة.
﴿مَقَاعِدَ﴾ مواضع، وهو جمع مَقْعَدٍ.
﴿طَائِفَتَانِ مِنكُمْ﴾ هما: بنو حارثة مِنَ الأوس، وبنو سَلِمَةَ مِنْ الخزرج.
[ ١ / ٥٧٣ ]
لَمَّا رأوا كثرة المشركين وقلَّة المسلمين همُّوا بالانصراف؛ فعصمهم الله ونهضوا مع رسول الله ﷺ.
﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾ الفشل في البدن: هو الإعياء، والفشل في الرأي: هو العجز والحيرة وفساد العزم.
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي: مُثبِّتُهما.
وقال جابر بن عبد الله: ما وددنا أنها لم تنزل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (^١).
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ تذكيرٌ بنصر الله يوم بدر؛ لتقوى قلوبهم.
﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ هذه الذلَّةُ: هي قلة عددهم وضعف عُددهم؛ كانوا يوم بدر ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا، ولم يكن لهم إلَّا فرسٌ واحد، وكان المشركون ما بين التسع مئة والألف، وكان معهم مئة فرسٍ، فقُتل من المشركين سبعون، وأُسر منهم سبعون، وانهزم سائرهم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ متعلِّقٌ: بـ ﴿نَصَرَكُمُ﴾، أو بـ ﴿فَاتَّقُوا﴾، والأوَّل أظهر.
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كان هذا القولُ: يوم بدر.
وقيل: يوم أحد.
فالعامل في «إذ»:
على الأول: محذوف.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٠٥١)، ومسلم (٢٥٠٥).
[ ١ / ٥٧٤ ]
وعلى الثاني: هي بدلٌ من: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾.
﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ تقريرٌ، جوابُه: ﴿بَلَى﴾.
وإنما جاوب المتكلِّمُ؛ لصحة الأمر وبيانه؛ كقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦].
﴿وَيَأْتُوكُم مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ الضمير للمشركين، والفَوْر: السُّرعة (^١).
أي: من ساعتهم.
وقيل: المعنى: من سفرهم.
﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ بأكثر من العدد الذي يكفيكم (^٢)؛ ليزيدَ ذلك في قوَّتكم (^٣).
فإن كان هذا يومَ بدر: فقد قاتلتْ فيه الملائكة.
وإن كان يومَ أحد: فقد شَرط قولَه: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، فلما خالفوا الشَّرْط لم تنزل الملائكة.
﴿مُسَوِّمِينَ﴾ - بفتح الواو وكسرها - أي: مُعَلَّمين، أو مُعْلِمين أنفسهم أو خيَلهم.
وكانت سِيما الملائكة يوم بدر عمائمَ بيضاء، إلَّا جبريل فإنه كانت عمامتُه صفراء.
_________________
(١) في هـ، ج: «الساعة»، والمثبت هو الصواب كما في الكشاف (٤/ ٢٥٢).
(٢) في ج، د: «يكفيهم».
(٣) في هـ، د: «قوتهم».
[ ١ / ٥٧٥ ]
وقيل: كانوا بعمائم صفرٍ، وكانت خيلهم مجزوزة الأذناب.
وقيل: كانوا على خيل بُلْقٍ.
﴿وَمَا جَعَلَهُ﴾ الضمير عائد على: الإنزال و(^١) الإمداد.
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ معطوف على ﴿بُشْرَى﴾؛ لأنه هذا الفعل بتأويل المصدر.
وقيل: يتعلّق بفعل مضمر يدلُّ عليه ﴿جَعَلَهُ﴾.
﴿لِيَقْطَعَ﴾ يتعلَّق: بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾. أو بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ﴾.
﴿لَيْسَ لَكَ﴾ جملةٌ اعتراضية بين المعطوفين.
ونزلت لما دعا رسول الله ﷺ في الصلاة على أحياء من العرب، فترك الدعاء عليهم (^٢).
﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ معناه: يُسْلِمون.
_________________
(١) في أ: «أو».
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٦٩).
[ ١ / ٥٧٦ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾].
﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ كانوا يزيدون فيه كلما حلَّ، عامًا بعد عام.
﴿سَارِعُوا﴾ بغير واو: استئناف، وبالواو: عطف على ما تقدَّم.
﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ أي: إلى الأعمال التي تستحقُّون بها المغفرةَ.
﴿عَرْضُهَا﴾ ابن عباس: تُقْرَنُ السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تُبسَط الثياب، فذلك عَرْض الجنة، ولا يعلم طولَها إلّا الله.
[ ١ / ٥٧٧ ]
وقيل: ليس العرضُ هنا خلافَ الطول، وإنما المعنى: سعتُها كسعة السموات والأرض.
﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ في العسر واليسر.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حُذف مفعولُه، وتقديره: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا.
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ خطابٌ للمؤمنين؛ تأنيسًا لهم.
وقيل: للكفار؛ تخويفًا لهم.
﴿فَانظُرُوا﴾ من نظر العين عند الجمهور.
وقيل: هو بالفكر.
﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ تقويةٌ لقلوب المؤمنين.
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ إخبارٌ بعلوِّ كلمة الإسلام.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ الآية؛ معناها: إن مسَّكم قتلٌ أو جراح في أحد فقد مسَّ الكفارَ مثله في بدر.
وقيل: قد مسَّ الكفار يومَ أحد مثلُ ما مسكم فيه؛ فإنهم نالوا منكم ونلتم منهم.
وذلك تسلية (^١) للمؤمنين بالتأسِّي.
﴿نُدَاوِلُهَا﴾ تسليةٌ أيضًا عما جرى يوم أحد.
_________________
(١) في د: «تأنيس».
[ ١ / ٥٧٨ ]
﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ متعلق بمحذوف؛ تقديره: أصابكم ما أصاب يوم أحد؛ لِيَعْلَمَ.
والمعنى: لِيعلمَ ذلك علمًا ظاهرًا لكم تقوم به الحجة.
﴿شُهَدَاءَ﴾ مَنْ قُتِل من المسلمين يوم أحد.
﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ أي: يُطهّر، وقيل: يُميز.
وهو معطوف على ما تقدَّم من التعليلات لقصة أحد.
والمعنى: أن إدالة الكفار على المسلمين إنما هي لتمحيص المؤمنين، وأنَّ نَصْرَ المؤمنين على الكفار إنما هو ليمحق الله الكافرين؛ أي: يُهلِكهم.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ «أم» هنا منقطعة، مقدَّرة بـ «بل» والهمزة عند سيبويه.
وهذه الآيةُ وما بعدها معاتبةٌ لقوم من المؤمنين صدرت منهم أشياءُ يوم أحد.
﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ خوطب به قومٌ فاتتهم غزوة بدر، فتمنَّوا حضور قتال الكفار مع النبي ﷺ؛ ليستدركوا ما فاتهم من الجهاد، فعلى هذا: إنما تمنَّوا الجهاد، وهو سبب الموت.
وقيل: تمنَّوا الشهادة في سبيل الله.
[ ١ / ٥٧٩ ]
[﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾].
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ المعنى: أنَّ محمدًا ﷺ رسول كسائر الرسل؛ قد بلَّغ الرِّسالة كما بلَّغوا، فيجب عليكم التَّمسُّك بدينه في حياته وبعد موته.
وسببها: أنه صرَخ صارخٌ يوم أحد: إنَّ محمدًا قد مات، فتزلزل بعض الناس.
﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ دخلت أَلف التَّوبيخ على جملة الشَّرط والجزاء، ودخلت الفاء؛ لتربط الجملة الشَّرطية بالجملة التي قبلها.
والمعنى: أنَّ موت رسول الله ﷺ أو قتله لا يقتضي انقلاب أصحابه على أعقابهم؛ لأن شريعته قد تقرَّرت، وبراهينه قد صحَّت، فعاتبهم على تقدير أنْ لو صدَر منهم انقلابٌ لو مات ﷺ، أو قُتِل، وقد عَلم أنه لا يُقتل؛ ولكنه (^١) ذَكر ذلك لما كان قد صرخ به صارخ ووقع في نفوسهم.
﴿الشَّاكِرِينَ﴾ قال علي بن أبي طالب ﵁: الثابتون على دينهم.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «ولكن»
[ ١ / ٥٨٠ ]
﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ نُصِب على المصدر؛ لأنَّ المعنى: كُتِب الموتُ كتابًا. وقال ابن عطية: نصب على التمييز (^١).
﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ في ثواب الدنيا مقيَّد بالمشيئة؛ بدليل قوله: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨].
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ﴾ الفعل مسندٌ إلى ضمير النبيِّ، و﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ على هذا في موضع الحال.
وقيل: إنه مسند إلى الرِّبِّيين، فيكون (^٢) ﴿رِبِّيُّونَ﴾ على هذا مفعولًا لما لم يُسمَّ فاعلُه.
فعلى الأول: يوقف على قوله: ﴿قُتِلَ﴾.
ويترجَّح الأوَّل: بما صرخ به الصارخ يوم أحد: إن محمدًا قد قُتل، فضرب لهم المثل بنبيٍّ قُتل.
ويترجح الثاني: بأنه لم يُقتل قطُّ نبيٌّ في محاربة.
﴿رِبِّيُّونَ﴾ علماء؛ مثل ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾.
وقيل: جموعٌ كثيرة.
﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ الضمير لـ ﴿رِبِّيُّونَ﴾؛ على إسناد القتل للنبي.
وهو لمن بقي منهم؛ على إسناد القتل إليهم.
_________________
(١) المحرر الوجيز (٢/ ٣٧٤).
(٢) في أ، د: «ويكون».
[ ١ / ٥٨١ ]
﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أي: لم يذلُّوا للكفَّار.
قال بعض النحاة: استكانَ مشتقٌ من السُّكون، ووزنه افتَعَلُوا؛ مُطلت (^١) فتحةُ الكاف فحدَث عن مَطْلِها ألفٌ، وذلك كالإشباع.
وقيل: أنه مِنْ: كان يكون، فوزنه استفعلوا (^٢).
وقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ وما بعده: تعريضٌ بما صدر من بعض الناس يوم أحد.
﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: في الحرب.
﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ النصر.
﴿ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ الجنة.
_________________
(١) المطل: المدُّ. كما في القاموس المحيط، مادة (م ط ل).
(٢) قال ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/ ٣٨١): «أصله: استكْوَنوا، نُقلت حركة الواو إلى الكاف، وقُلبت ألفًا .. والمعنى: إنَّهم لم يضعفوا ولا كانوا قريبًا من ذلك».
[ ١ / ٥٨٢ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾].
﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم المنافقون الذين قالوا في قضية (^١) أحد ما قالوا.
وقيل: مشركو قريش.
وقيل: اليهود.
_________________
(١) في د: «قصة».
[ ١ / ٥٨٣ ]
﴿الرُّعْبَ﴾ قيل: ألقى الله الرعب في قلوب المشركين بأحد، فرجعوا إلى مكة من غير سبب.
وقيل: لما كانوا ببعض الطريق همُّوا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، فألقى الله الرعب في قلوبهم فأمسكوا.
والآية بعدُ تتناول جميع الكفَّار؛ لقوله ﷺ: «نُصِرتُ بالرُّعب» (^١).
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ كان رسول الله ﷺ قد وعد المسلمين عن الله بالنصر، فنصرهم الله أوَّلًا، وانهزم المشركون وقُتِل منهم اثنان وعشرون رجلًا، وكان رسول الله ﷺ قد أمر الرُّماة أن يثبتوا في مكانهم ولا يَبْرَحوا، فلما رأوا المشركين قد انهزموا طَمِعوا في الغنيمة وأَتْبَعُوهم، وخالفوا ما أُمِروا به من الثُّبوت في مكانهم، فانقلبت الهزيمة على المسلمين.
﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ أي: تقتلونهم قتلًا ذريعًا؛ يعني: في أوَّل الأمر.
﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾ وقع التنازع بين الرماة، فثبت بعضهم كما أُمِروا، ولم يثبت بعضهم.
﴿وَعَصَيْتُم﴾ أي: خالفتم ما أمرتم به من الثبوت.
وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين، وإن كان المخالفُ بعضَهم؛ وعْظًا للجميع، وسترًا على مَنْ فعل ذلك.
وجواب ﴿إِذَا﴾: محذوف؛ تقديره: انهزمتم.
﴿مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ الذين حرَصوا على الغنيمة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).
[ ١ / ٥٨٤ ]
﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ معناه: لينزل بكم ما نزل من القتل والتَّمحيص.
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ إعلامٌ بأن الذنب كان يستحقُّ أكثر مما نزل بهم؛ لولا عفو الله عنهم، فمعناه: لقد أبقى عليكم.
وقيل: هو عفوٌ عن الذنب.
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ العامل في "إذ":
﴿عَفَا﴾؛ فيُوصل ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ مع ما قبله.
ويحتمل أن يكون العامل فيه مضمرًا.
﴿وَلَا تَلْوُونَ﴾ مبالغةٌ في صفة الانهزام.
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ كان رسول الله ﷺ يقول (^١): "إليَّ عبادَ الله"، وهم يفرون (^٢).
﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾ في ساقتِكم.
وفيه مدحٌ للنبي ﷺ؛ فإِنَّ الآخر هو موقفُ الأبطال (^٣).
﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ أي: جازاكم.
﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ قيل: أثابكم غمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين إذ عصيتم وتنازعتم.
_________________
(١) في د: "ينادي".
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ١٤٧).
(٣) في هـ، ج: «فإن الآخر موقوف على الأبطال».
[ ١ / ٥٨٥ ]
وقيل: أثابكم غمًّا متصلًا بغمٍّ؛ وأحد الغميّن: ما أصابهم من القتل والجراح، والآخر: ما أُرجف به من قتل رسول الله ﷺ.
﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من النَّصر والغنيمة.
﴿مَا أَصَابَكُمْ﴾ من القتل والجراح والانهزام.
﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ قال ابن مسعود: نعسنا يوم أحد، والنعاس في الحرب أمنٌ من الله (^١).
﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنكُمْ﴾ هم المؤمنون المخلصون، غشيهم النعاس؛ تأمينًا لهم.
﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ هم المنافقون، كانوا خائفين من أن يرجع إليهم أبو سفيان والمشركون.
﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ معناه: يظنُّون أن الإسلام ليس بحقٍّ، وأن الله لا ينصره.
و﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ بدل؛ وهو على حذف موصوف، تقديره: ظنَّ المُدَّةِ الجاهلية، أو الفرقة الجاهلية.
﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قالها عبد الله بن أبيِّ بن سلول، والمعنى:
ليس لنا رأيٌ، ولا يُسمع قولنا.
أو: لسنا على شيءٍ من الأمر الحقِّ؛ فيكون قولهم هذا كفرًا.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسير (٦/ ١٦٣) بلفظ: «النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان».
[ ١ / ٥٨٦ ]
﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ يحتمل أن يريد:
الأقوال التي قالوها.
أو الكفر.
﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قاله مُعَتِّبُ بن قُشَيرٍ، ويحتمل من المعنى ما احتمل قول عبد الله بن أبيّ.
﴿قُلْ لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ الآية؛ ردٌّ عليهم، وإعلامٌ بأنَّ أَجَلَ كلِّ إنسان إنما هو واحد، وأن من لم يُقتل يموتُ لأجله، ولا يؤخَّر، وأَنَّ مَنْ كُتب عليه القتل لا ينجيه منه شيءٌ.
﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ يتعلق بفعلٍ، تقديره: ليبتلي فعل بكم ذلك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ الآية؛ نزلت فيمن فرَّ يوم أحد.
﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ أي: طلب منهم أن يَزِلُّوا. ويحتمل أن يكون معناه: أزلَّهم؛ أي: أوقعهم في الزَّلَل.
﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ أي: كانت لهم ذنوبٌ عاقبهم الله عليها؛ بأن مكَّن الشيطان (^١) من استزلالهم.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: غفر لهم ما وقعوا فيه من الفرار.
_________________
(١) في ج: «مكنهم الشيطان».
[ ١ / ٥٨٧ ]
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾].
﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم المنافقون.
﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾ هم (^١) إخوة القرابة؛ لأن المنافقين كانوا من الأوس
_________________
(١) في هـ، ج: «هي».
[ ١ / ٥٨٨ ]
والخزرج، وكان أكثر المقتولين يوم أحد منهم، ولم يُقتل من المهاجرين إلا أربعة.
﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافروا.
وإنما قال: «إذا» التي للاستقبال مع ﴿قَالُوا﴾؛ لأنه على حكاية الحال الماضية.
﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ جمع غازٍ، ووزنه فُعَّل -بضم الفاء وتشديد العين-.
﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ اعتقادٌ منهم فاسد؛ لأنهم ظنُّوا أن إخوانهم لو كانوا عندهم لم يموتوا ولم يُقتلوا، وهذا قول من لا يؤمن بالقدر والأجل المحتوم.
ويقرب منه مذهب المعتزلة في القول بالأجلين (^١).
﴿لِيَجْعَلَ﴾ يتعلَّق بـ ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالوا ذلك فكان حسرةً في قلوبهم، فاللام لام الصيرورة لبيان العاقبة.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى قولهم واعتقادهم الفاسد الذي أوجب لهم الحسرة؛ لأن الذي يتيقَّنُ بالقدر والأجل تذهب عنه الحسرة.
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ردٌّ على قولهم واعتقادهم.
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ الآية؛ إخبارٌ أن مغفرة الله ورحمته لهم إذا قُتلوا أو ماتوا في سبيل الله خيرٌ لهم مما يجمعون من الدنيا.
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: ذكروا أن المعتزلة يقولون: المقتول مقطوعٌ عليه أجله الذي قدَّر له، أو إن له أجلين: أحدهما: ما حصل بسبب القتل، والآخر: هو الذي لو عاش لبلغه.
[ ١ / ٥٨٩ ]
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ الآية؛ إخبارٌ أن من مات أو قتل فإنه يُحشَر إلى الله.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ «ما» زائدةٌ للتأكيد.
﴿لَانفَضُّوا﴾ أي: تفرَّقوا.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فيما يختصُّ بك.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيما يختصُّ بحقِّ الله.
﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ المشاورة مأمورٌ بها شرعًا، وإنما يشاور النبي ﷺ الناسَ في الرأي؛ في الحروب وغيرها، لا في أحكام الشريعة (^١).
وقرأ ابن عباس: «وشاورهم في بعض الأمر».
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكُّل: هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع، أو حفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرَّات، أو رفعها بعد وقوعها.
وهو من أعلى المقامات؛ لوجهين:
أحدهما: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
والآخر: الضَّمان الذي في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
وقد يكون واجبًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، فجعله شرطًا في الإيمان، ولظاهر قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
_________________
(١) في هـ، ج: «الأحكام الشرعية».
[ ١ / ٥٩٠ ]
الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ فإن الأمر محمولٌ على الوجوبِ.
واعلم أن الناس في التوكُّل على ثلاث مراتب:
الأولى: أن يعتمد العبد على ربّهِ، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده الذي لا يشُكُّ في نصيحته له، وقيامه بمصالحه.
والثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمّهِ؛ فإنه لا يعرف سواها، ولا يلجأ إلَّا إليها.
والثالثة: أن يكون العبد مع ربه: كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم نفسه إليه بالكلية.
(فصاحب الدرجة الأولى: عنده حظٌ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية.
وصاحب الثانية: له حظٌ من المراد والاختيار، بخلاف صاحب الثالثة) (^١) (^٢).
_________________
(١) ما بين القوسين سقط في هـ، ج.
(٢) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب» إلخ، أقول: التوكل من أعمال القلوب، وهو من تحقيق توحيد الربوبية، ومن مقامات العبودية القلبية، وجعْلُه ثلاث درجات طريقة الصوفية، والحق أنه درجتان: الأولى: توكل المقتصدين، والثانية: توكل المقربين، وهذا يوافق معنى ما ذكره المؤلف في الدرجة الأولى والثانية؛ فإنه لا إشكال فيهما، وأما الدرجة الثالثة فهي من بدع الصوفية التي خالفوا فيها الحس والعقل والشرع، فكون الإنسان يصل إلى حالة يكون فيها كالميت بين يدي الغاسل، بحيث لا تكون له إرادة في جلب ولا دفع حالةٌ ممتنعة حسًّا وعقلًا، وغير مطلوبة شرعا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعليقا على قول بعض =
[ ١ / ٥٩١ ]
وهذه الدَّرجات مبنيَّةٌ على التوحيد الخاصِّ الذي تكلَّمنا عليه في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] (^١)، فهي تقْوَى بقوَّته، وتَضعف بضعْفه.
فإن قيل: هل يُشترط في التوكل تركُ الأسباب أم لا؟
فالجواب: أنَّ الأسباب على ثلاثة أقسام:
أحدها: سببٌ معلومٌ قطعًا، قد أجراه الله تعالى، فهذا لا يجوز تركه، كالأكل لدفع الجوع، واللِّباس لدفع البرد.
والثاني: سببٌ مظنونٌ، كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدحُ فعلُه في التوكل؛ فإن التوكل من أعمال القلب، لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي على ذلك.
والثالث: سبب موهومٌ بعيد، فهذا يقدحُ فعلُه في التوكل.
ثم إنَّ فوقَ التوكل التفويضُ؛ وهو الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مرادٌ واختيار، وهو يطلب مراده باعتماده على ربه، وأما المفوِّض فليس له مرادٌ ولا اختيار، بل أسند الاختيارَ إلى الله تعالى، فهو أكملُ أدبًا مع الله تعالى.
_________________
(١) = الصوفية: (إن العارف يصير كالميت بين يدي الغاسل)، أي في استسلامه للقدر، قال الشيخ: «فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدمُ حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه. ومن أراد بذلك أنه تبطل إرادته بالكلية، وأنه لا يُحس باللذة والألم والنافع والضار، فهذا مخالف لضرورة الحس والعقل، ومن مَدح هذا فهو مخالف لضرورة الدِّين والعقل» أهـ من العقيدة التدمرية (ص ٢٢٠).
(٢) انظر صفحة ٣٨٣.
[ ١ / ٥٩٢ ]
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ هو من الغُلول، وهو أخذ الشيء في خفية من المغانم وغيرها.
وقرئ بفتح الياء وضم الغين، ومعناه: تبرئةٌ للنبي ﷺ من الغلول.
وسببها: أنه فُقدت من المغانم قطيفة حمراء، فقال بعض المنافقين: لعلَّ رسول الله ﷺ أخذها.
وقرئ بضم الياء وفتح الغين:
أي: ليس لأحد أن يُغَلَّ نبيًا؛ أي: يخونه في المغانم.
وخصَّ النبي بالذكر وإن كان ذلك محظورًا مع الأمراء؛ لشنُعة الحال مع النبي؛ لأن المعاصي تعظُم بحضرته.
وقيل: معنى هذه القراءة: أن يوجد غالًّا، كما تقول: أحمدتُ الرجلَ؛ إذا أصبته محمودًا، فعلى هذا القول يرجع معنى هذه القراءة إلى معنى فتح الياء.
﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ وعيدٌ لمن غلَّ بأن يسوق يوم القيامة على رقبته الشيء الذي غلَّ.
وقد جاء ذلك مفسَّرًا في الحديث، قال رسول الله ﷺ: «لا أُلفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير، لا ألفين أحدكم على رقبته فرس، لا ألفين أحدكم على رقبته رقاع، لا ألفين أحدكم على رقبته صامت (^١)، لا ألفين أحدكم على رقبته إنسان، فيقول: يا رسول الله أغثني!، فأقول: لا أملك
_________________
(١) يعني: الذهب والفضة، خلاف الناطق وهو الحيوان. انظر: النهاية (٦/ ٢٣٧٥).
[ ١ / ٥٩٣ ]
لك من الله شيئًا، قد بَلَّغْتُك» (^١).
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ الآية؛ قيل: إن الذي اتَّبع رضوان الله: من لم يَغُلَّ، والذي باء بالسَّخَط: من غلَّ.
وقيل: الذي اتبع الرضوان: من استُشهد بأحد، والذي باء بالسخط: المنافقون الذين رجعوا عن الغزو.
﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ أي: ذووا درجات، والمعنى:
تفاوتُ ما بين منازل أهل الرّضوان وأهل السُّخْط.
أو التفاوت بين درجات أهل الرضوان، فإن بعضهم فوقَ بعض، وكذلك (^٢) درجات أهل السخط.
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ الآية؛ إخبارٌ بفضل الله على المؤمنين ببعث رسوله محمد ﷺ.
﴿مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ معناه: في الجنس واللسان، فكونه من جنسهم: يوجب الأُنْسَ به، وقلَّةَ الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم: يُوجب حسنَ الفهم عنه، ولكونه منهم يعرفون حسَبَه وصدقه وأمانته ﷺ، ويكون هو ﷺ أشفق عليهم وأرحم بهم من الأجنبيين.
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ﴾ الآية؛ عتابٌ للمسلمين على كلامهم فيمن أصيب منهم يوم أحد.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١).
(٢) في ب، ج، هـ: «فكذلك».
[ ١ / ٥٩٤ ]
ودخلت ألف التوبيخ على واو العطف.
والجملة معطوفة على:
ما تقدَّم من قصة أحد.
أو على محذوف.
﴿قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا﴾ قُتِل من المسلمين يوم أحد سبعون، وكان قد قُتِل من المشركين يوم بدر سبعون، وأُسِر سبعون.
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ﴾ قيل: معناه أنهم عوقبوا بالهزيمة؛ لمخالفتهم رسول الله ﷺ حين أراد أن يقيم بالمدينة ولا يَخرج إلى المشركين، فأبوا إلَّا الخروج.
وقيل: بل ذلك إشارةٌ إلى عصيان الرماة حسبما تقدَّم.
﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: جَمْعُ المسلمين والمشركين يوم أحد.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ الآية؛ كان رأي عبد الله بن أبيّ بن سلول أن لا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طَلَب الخروجَ قومٌ من المسلمين فخرج رسول الله ﷺ غضب عبد الله، وقال: أطاعهم وعصاني!، فرجع ورجع معه ثلاث مئة رجل، فمشى في أَثَرهم عبد الله بن عَمرو بن حرام الأنصاري، فقال لهم: ارجعوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا!، فقال له عبد الله بن أبيّ: ما أرى أن يكون قتالٌ، ولو علمنا أنه يكون قتال لكُنَّا معكم.
﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ أي: كثروا السَّواد وإن لم تقاتلوا.
﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾.
[ ١ / ٥٩٥ ]
﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾: في النَّسَب؛ لأنهم كانوا من الأوس والخزرج.
﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾ أي: ادفعوا، والمعنى: ردٌّ عليهم.
[ ١ / ٥٩٦ ]
[﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾].
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ إعلام بأن حال الشهداء حال الأحياء؛ من التمتع بأرزاق الجنة، بخلاف سائر الأموات من المؤمنين؛ فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حتى يدخلوا الجنة يوم القيامة.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ المعنى: أنهم يفرحون بإخوانهم الذين
[ ١ / ٥٩٧ ]
بَقُوا في الدنيا من بعدهم؛ لأنهم يرجون أن يُسْتَشهدوا مثلهم، فينالوا مثل ما نالوا من السَّعادة.
﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾ في موضع المفعول من أجله، أو بدلٌ من ﴿الَّذِينَ﴾.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ كُرِّر ليُذكر ما تعلَّق به من النعمة والفضل.
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ صفةٌ لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو مبتدأ وخبره: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ الآية.
ونزلت في الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ في اتِّباع المشركين بعد غزوة أحد، فبلغ بهم إلى حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وكانوا قد أصابتهم جراحاتٌ وشدائدُ، فتجلَّدوا وخرجوا، فمدحهم الله بذلك.
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية؛ لما خرج رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد بعد أحد، بلغ ذلك أبا سفيان، فمرَّ عليه ركْبٌ من عبد القيس يريدون المدينة بالميرة، فجعل لهم حِمْلَ بعيرٍ من زبيب على أن يثبِّطوا المسلمين عن اتِّباع المشركين، فخوَّفوهم بهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وخرجوا.
فـ ﴿النَّاسُ﴾ الأول: ركْب عبد القيس، و﴿النَّاسُ﴾ الثاني: مشركو قريش.
وقيل: نادى أبو سفيان يوم أحد: موعدنا بدرٌ في العام القابل، فقال رسول الله ﷺ: «إن شاء الله»، فلما كان العام القابل خرج رسول الله ﷺ إلى بدر للميعاد، فأرسل أبو سفيان نُعيم بن مسعود الأشجعيَّ ليثبِّط المسلمين.
[ ١ / ٥٩٨ ]
فعلى هذا: ﴿النَّاسُ﴾ الأول: نعيم، وإنما قيل له: «الناس» وهو واحد؛ لأنه من جنس الناس، كقولك: ركبت الخيل؛ إذا ركبت فرسًا.
﴿فَزَادَهُمْ﴾ الفاعل ضمير المقُول، وهو: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾.
والصحيح أن الإيمان يزيد وينقص، فمعناه هنا: قَوِيَ يقينهم وثقتهم بالله.
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ كلمةٌ يُدفع بها ما يخاف ويكره، وهي التي قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار.
ومعنى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كافينا الله وحده؛ فلا نخاف غيرَه.
ومعنى: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ثناءٌ على الله، وأنه خير مَنْ يتوكَّل العبدُ عليه ويلجأ إليه.
﴿فَانقَلَبُوا﴾ أي: رجعوا بنعمة السَّلامة وفضل الأجر.
﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ لخروجهم مع رسول الله ﷺ.
﴿ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ المراد به هنا: أبو سفيان، أو نعيم الذي أرسله أبو سفيان أو إبليس.
و﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ، و﴿الشَّيْطَانُ﴾ خبره، وما بعده استئناف.
أو: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ نعتٌ، وما بعده خبر.
﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوِّفكم أيها المؤمنون أولياءه؛ وهم الكفار، فالمفعول الأول محذوف، ويدل عليه: قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾، وقراءةُ ابن عباس وابن مسعود: «يخوفكم أولياءه».
[ ١ / ٥٩٩ ]
وقيل: المعنى: يخوّفُ المنافقين - وهم أولياؤه - من كفار قريش، فالمفعول الثاني على هذا محذوف.
﴿وَلَا يَحْزُنكَ﴾ تسلية للنبي ﷺ.
وقرئ بفتح الياء وضم الزاي حيث وقع مضارعًا، من: «حَزَن» الثلاثي، وهو أشهر في اللغة من «أحزن».
﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يبادرون إلى أقواله وأفعاله، وهم: المنافقون، أو الكفار.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ الآية؛ هم: المذكورون قبل، أو على العموم في جميع الكفار.
﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: نُمهلهم.
و«أنّ» مفعول بـ ﴿يَحْسَبَنَّ﴾، و«ما» اسم «أنَّ»؛ فحقّها أن تكتب منفصلة، و﴿خَيْرٌ﴾ الخبر.
﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ «ما» هنا كافَّةٌ، والمعنى: ردٌّ عليهم؛ أي: أن الإملاء لهم ليس خيرًا لهم، إنما هو استدراج؛ ليكتسبوا الآثام.
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية؛ خطاب للمؤمنين، والمعنى: ما كان الله ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، ولكنه ميَّز هؤلاء من هؤلاء؛ بما ظهر في غزوة أحد من الأقوال والأفعال، التي تدلُّ على الإيمان أو على النفاق.
[ ١ / ٦٠٠ ]
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي: ما كان الله ليُطلِعكم على ما في القلوب من الإيمان والنفاق.
أو: ما كان الله ليطلعكم على أنكم تغلبون أو تُغلبون.
﴿يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ﴾ أي: يختار مَنْ شاء مِنْ رسله، فيطلعه على ما شاء من غيبه.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يمنعون الزكاة وغيرها.
﴿هُوَ خَيْرًا﴾: ﴿هُوَ﴾ فَضْلٌ، و﴿خَيْرًا﴾ مفعول ثان، والأول محذوف؛ تقديره: لا يَحسبنَّ (^١) البخل خيرًا لهم.
﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أي: يُلزَمون إثم ما بخلوا به.
وقيل: يُجعَلُ ما بَخِل به حَيَّةً يُطوَّقُها في عنقه يوم القيامة.
_________________
(١) في أ، د: «تحسبنَّ».
[ ١ / ٦٠١ ]
[﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾].
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآية؛ لما نزل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال بعض اليهود -وهو فِنْحَاصُ، أو حُيي بن أخطب، أو غيرهما-: إنما يَستقرضُ الفقيرُ من الغني، فالله فقير ونحن أغنياء، فنزلت هذه الآية، وكان ذلك القول منهم اعتراضًا على القرآن، أوجبه قلَّةُ فهمهم، أو تحريفهم للمعاني، فإن كانوا قالوه باعتقادٍ فهو كفر، وإن قالوه بغير اعتقاد: فهو استخفاف، وعناد.
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ أي: تكتبه الملائكة في الصحف.
[ ١ / ٦٠٢ ]
﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ أي: قتَلَ آباؤهم للأنبياء، وأُسنِد إليهم؛ لأنهم راضون به، ومتَّبِعون لمن فعَله من آبائهم.
﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ صفةٌ لـ ﴿الَّذِينَ﴾، وليس صفةً ﴿لِلْعَبِيدِ﴾.
﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾ كانوا إذا أرادوا أن يعرفوا قَبولَ الله لصدقةٍ أو غيرها جعلوه في مكان، فتنزل نارٌ من السماء فتحرِقُه، وإن لم تنزل فليس بمقبول، فزعموا أن الله جعل لهم ذلك علامةً على صدق الرُّسل.
﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ﴾ الآية؛ ردٌّ عليهم بأن الرسل قد جاؤوهم بمعجزات توجب الإيمان بهم، وجاؤوهم أيضًا بالقُربان الذي تأكله النار، ومع ذلك كذَّبوهم وقتلوهم، فذلك يدلُّ على أن كفرهم عنادٌ، وأنهم كذَّبوا في قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾.
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ﴾ الآية؛ تسليةٌ للنبي ﷺ بالتأسِّي بغيره.
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ أي: نُحِّي (^١) وأُبعد.
﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ الآية؛ خطابٌ للمسلمين، والبلاء في الأنفس: بالموت والأمراض، وفي الأموال: بالمصائب والإنفاق.
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ الآية؛ سببها: قولُ اليهود: «إن الله فقير»، وسبُّهم للنبي ﷺ وللمسلمين.
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ ابنُ عباس: هي لليهود؛ أُخِذ عليهم العهد في أمر محمد ﷺ فكتموه.
_________________
(١) في ج، د: «نجا».
[ ١ / ٦٠٣ ]
وقيل: هي عامَّةٌ في كل من علَّمه الله علمًا.
﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا﴾ الآية؛ ابنُ عباس: نزلت في أهل الكتاب؛ سألهم النبي ﷺ عن شيءٍ فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أرَوه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستَحمدوا إليه بذلك، وفرحوا بما أتوا من كِتمانهم إياه ما سألهم عنه.
وقال أبو سعيد الخدري: نزلت في المنافقين؛ كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزوِ تخلَّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وإذا قَدِم النبي ﷺ اعتذروا إليه، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
﴿فَلَا تَحْسِبَنَّهُم﴾ بالتاء وفتح الباء: خطاب للنبي ﷺ.
وبالياء وضم الباء: أسند الفعل لـ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾؛ أي: لا يحسبون أنفسَهم (^١) بمفازةٍ من العذاب.
ومن قرأ: ﴿لَا يَحْسِبَنَّ﴾ بالتاء: فهو أيضًا خطاب للنبي ﷺ و﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ مفعول به، و﴿بِمَفَازَةٍ﴾ المفعول الثاني، وكرَّر ﴿فَلَا تَحْسِبَنَّهُم﴾ للتأكيد.
ومن قرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء من أسفل: فإنه حذف المفعولين؛ لدلالة مفعولي ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾ عليهما.
_________________
(١) في د: «أنهم».
[ ١ / ٦٠٤ ]
[﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾].
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ذكر في «البقرة» (^١).
﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أي: يذكرون الله على كل حال؛ فكأن هذه الهيئات حصر لحال ابن آدم.
_________________
(١) انظر صفحة ٣٨٧.
[ ١ / ٦٠٥ ]
وقيل: إن ذلك في الصلاة؛ يصَلُّون قيامًا، فإن لم يستطيعوا صلَّوا قعودًا، فإن لم يستطيعوا صلَّوا على جنوبهم.
﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون: ربنا ما خلقت هذا لغير فائدة، بل خلقته وخلقت البشر؛ لينظروا فيه فيعرفوك فيعبدوك.
﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ هو النبيُّ ﷺ.
﴿مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي: على ألسنة رسلك.
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ «من»: لبيان الجنس، وقيل: زائدةٌ؛ لتقدُّم النفي.
﴿بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: الرجال والنساء سواءٌ في الأجور والخيرات.
﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ هم المهاجرون؛ آذاهم المشركون بمكة حتى خرجوا منها.
﴿ثَوَابًا﴾ منصوبٌ على المصدرية.
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ الآية؛ تسليةٌ للنبي ﷺ؛ أي: لا تظنَّ أن حال الكفار في الدنيا دائمةٌ فتهتمَّ لذلك، وأنزل ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ منزلة: «لا يَحْزُنُكَ».
﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: تقلبهم في الدنيا قليلٌ؛ بالنظر إلى ما فاتهم في الآخرة.
﴿نُزُلًا﴾ منصوبٌ:
على الحال من ﴿جَنَّاتٌ﴾.
أو على المصدرية.
﴿لِلْأَبْرَارِ﴾ جمع بارٍّ أو بَرٍّ، ومعناه: العاملون بالبرِّ؛ وهو غاية التقوى والعمل الصالح.
[ ١ / ٦٠٦ ]
قال بعضهم: الأبرار: هم الذين لا يؤذون الذَّرَّ (^١).
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية؛ قيل: نزلت في النجاشيِّ ملك الحبشة، فإنه كان نصرانيًّا فأسلم.
وقيل: في عبد الله بن سلَّام وغيره ممن أسلم من اليهود.
﴿لَا يَشْتَرُونَ﴾ مدحٌ لهم، وفيه تعريضٌ بذمِّ غيرهم ممن اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا.
﴿وَصَابِرُوا﴾ أي: صابروا أعداءكم (^٢) في القتال.
﴿وَرَابِطُوا﴾ أقيموا في الثُّغور رابطين خيلكم، مستعدّين للجهاد.
وقيل: هو مرابطةُ العبد فيما بينه وبين الله؛ أي: معاهدتُه على فعل الطاعة وترك المعصية.
والأول أظهر وأشهر؛ قال ﷺ: «رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه» (^٣).
وأما قوله -في انتظار الصلاة-: «فذلكم الرِّباط» (^٤) فهو تشبيه بالرباط في سبيل الله؛ لعِظَم أجره.
_________________
(١) قال ذلك الحسن البصري، أورده بإسناده الإمام أحمد في الزهد (٦٣٢)، والطبري في تفسيره (٢٤/ ٢٠٦).
(٢) في ب: «عدوكم».
(٣) أخرجه مسلم (١٩١٣).
(٤) أخرجه مسلم (٢٥١).
[ ١ / ٦٠٧ ]
والمرابط عند الفقهاء: هو الذي يسكن الثغور؛ ليرابط فيها، وهي غيرُ موطنه.
فأمَّا سكَّانُها دائمًا بأهليهم لمعايشهم فليسوا بمرابطين، ولكنهم حُماةٌ. حكاه ابن عطية (^١).
_________________
(١) المحرر الوجيز (٢/ ٤٥٨).
[ ١ / ٦٠٨ ]