[﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)﴾].
﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والظلمات: الكفر والجهل، والنور: الإيمان والعلم.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره، (وهو إرساله) (^١).
﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ بدلٌ من إلى ﴿إِلَى النُّورِ﴾.
_________________
(١) سقط من أ، ب، ج، هـ.
[ ٢ / ٦٩١ ]
﴿اللَّهِ﴾ قرئ بالرفع: وهو مبتدأ، أو خبر مبتدإٍ مضمرٍ.
وبالخفض: بدل.
﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾ أي: يؤثرون.
﴿وَيَبْغُونَهَا﴾ قد ذُكر (^١).
﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أي: بلغتهم وكلامهم.
﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ «أن» مفسّرة، أو مصدرية على تقدير: بأن.
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أي: عقوبته للأمم المتقدمة.
وقيل: إنعامه على بني إسرائيل.
واللفظ يعمُّ النعم والنقم.
وعبَّر عنها بالأيام؛ لأنها كانت في أيام، وفي ذلك تعظيمٌ لها، كقولهم: يوم كذا ويوم كذا.
﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ذُكر هنا بالواو؛ ليدلَّ على أن سوء العذاب:
غيرُ الذبح.
أو أعمُّ من ذلك، ثم جرَّد الذبح، كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].
وذُكر في «البقرة» بغير واو؛ تفسيرًا للعذاب.
_________________
(١) انظر: ١/ ٥٦٥.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
[﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾].
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ من كلام موسى، و﴿تَأَذَّنَ﴾ بمعنى: آذن؛ أي: أعلم، كقولك: توعّد وأوعد، وإعلامُ الله مقترنٌ بإنفاذ ما أعلم به.
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ هذا معمولُ ﴿تَأَذَّنَ﴾؛ لأنه يتضمن معنى «قال».
ويحتمل أن تكون الزيادة:
من خير الدنيا.
أو من الثواب في الآخرة.
أو منهما.
﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ يحتمل أن يريد:
[ ٢ / ٦٩٣ ]
كفر النعم.
أو الكفر بالإيمان.
والأول أرجح؛ لمقابلته بالشكر.
﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ عبارةٌ عن كثرتهم، كقوله: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨].
﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الضمائر لقوم الرسل، والمعنى: أنهم ردُّوا أيديهم في أفواه أنفسهم:
غيظًا من الرسل، كقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩].
أو استهزاءً وضَحِكًا، كمن غلبه الضَّحِك فوضع يده على فمه.
والثاني: أن الضمائر لهم، والمعنى: أنهم ردُّوا أيديهم في أفواه أنفسهم؛ إشارةً على الأنبياء بالسكوت.
والثالث: أنهم ردُّوا أيديهم في أفواه الأنبياء تسكيتًا لهم، ودفعًا لقولهم.
﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ المعنى: أفي وجود الله شك، أو في إلهيته؟.
وقيل: في وحدانيته.
والهمزة للتقرير والتوبيخ؛ لأنه لا يحتمل الشكَّ؛ لظهور الأدلة، ولذلك وَصَفَه (^١) بعدُ بقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
_________________
(١) في ج، هـ: «وُصف».
[ ٢ / ٦٩٤ ]
﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل: إن «من» زائدة.
ومنع سيبويه زيادتها في الواجب، وهي عنده للتبعيض، ومعناه: أنه يغفر للكافر إذا أسلم ما تقدَّم من ذنوبه قبل الإسلام، ويبقى ما يذنب بعده في المشيئة، فوقعت المغفرة للبعض.
ولم يأتِ في القرآن غفران بعض الذنوب إلَّا للكفار، كهذا الموضع، والذي في «الأحقاف» وسورة «نوح».
وجاء للمؤمنين بغير «من»، كالذي في «الصفّ».
﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال الزمخشري وأهل مذهبه من المعتزلة: معناه: يؤخّركم إن آمنتم إلى آجالكم، وإن لم تؤمنوا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت (^١).
وهذا بناء على قولهم بالأجلين، وأهل السنة يأبون هذا؛ فإن الأجل عندهم واحدٌ محتوم (^٢).
_________________
(١) انظر: الكشاف (٨/ ٥٦٣).
(٢) قال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله: قول ابن جزي ﵀: «وهذا بناء على قولهم - أي المعتزلة - بالأجلين»، أقول: هذا صحيح عن المعتزلة؛ معناه أن المعتزلة يقولون: إن المقتول ومن يعاجَل بالعقوبة له أجل متأخر لو لم يُقتل أو يعاجَل لانتهى إليه، ولقتله أو تعجيل عقوبته أجلٌ متقدم، وقال بعضهم عن المعتزلة: إن الأجل واحد، وهو الأجل المسمَّى، وأن المقتول مقطوع عليه أجله، وكذا من يعاجَل بالعقوبة بسبب كفره، والحقُّ أن الأجل الذي قدَّره الله في علمه وكتابه واحدٌ، سواء كان متقدما أو متأخرا، ولا يقع إلا هو، فالمتقدم لا يتأخر، والمتأخر لا يتقدم، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا =
[ ٢ / ٦٩٥ ]
﴿قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ يَحتمل أن يكون قولهم:
استبعادًا لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة.
أو يكون إحالةً لنبوة البشر.
والأول أظهر؛ لطلبهم البرهان في قولهم: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، ولقول الرسل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: بالتفضيل بالنبوة.
﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ المعنى: أي: شيءٌ يمنعنا من التوكُّلِ على الله.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ إن قيل: لم كرَّر الأمر بالتوكل؟.
فالجواب عندي: أن قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ راجعٌ إلى ما تقدَّم من طلب الكفار لسلطان مبين؛ أي: حجة ظاهرة، فتوكَّل الرسل في ورودها على الله، وأما قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾؛ فهو راجعٌ إلى قولهم: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ أي: نتوكل على الله في دفع أذاكم.
وقال الزمخشري: إن هذا الثاني بمعنى الثبوت على التوكل (^١).
_________________
(١) = كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾، وهذا معنى ما أشار إليه المؤلف في قوله: «وأهل السنة يأبون هذا؛ فإن الأجل عندهم واحدٌ محتوم». والله أعلم.
(٢) انظر: الكشاف (٨/ ٥٦٥).
[ ٢ / ٦٩٦ ]
[﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾].
﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا:
بمعنى «إِلَّا أَنْ».
أو على أصلها؛ لوقوع أحد الشيئين.
والعَوْدُ هنا: بمعنى الصَّيرورة، وهو كثير في كلام العرب، ولا يقتضي أن الرسل كانوا في مِلَّة الكفار قبل ذلك.
﴿خَافَ مَقَامِي﴾ فيه ثلاثة أوجه هنا، وفي ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ في «الرحمن»:
فالأول: أن معناه: مقام الحساب في القيامة.
والثاني: أن معناه: قيام الله على عباده بأعمالهم.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
والثالث: أن معناه: خافني، وخاف ربه (^١)، على إقحام المقام، أو على التعبير به عن الذات.
﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ الضمير للرسل؛ أي: استنصروا بالله، وأصله: طلب الفتح، وهو الحُكْم.
﴿جَبَّارٍ﴾ أي: قاهرٍ، أو متكبرٍ.
﴿عَنِيدٍ﴾ مخالفٍ لا ينقاد.
﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ في الموضعين: الوراء هنا: بمعنى ما يستقبل من الزمان.
وقيل: معناه هنا: أمامه، وهو بعيد.
﴿وَيُسْقَى﴾ معطوفٌ على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى، وإنما ذكر هذا السَّقْي تجريدًا بعد ذكر جهنم؛ لأنه من أشدِّ عذابها.
﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يتكلَّف جَرْعَه، وتصعب عليه إسَاغته.
ونفي «كاد» يقتضي وقوع الإساغة بعد جُهْدٍ.
ومعنى ﴿يُسِيغُهُ﴾: يبتلعه.
﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: يجد ألمًا مثل ألم الموت وكرباته من جميع الجهات.
﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ أي: لا يُرَاحُ بالموت.
_________________
(١) قوله: «وخاف ربَّه» هذا تفسير لآية «الرحمن»: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مذهب سيبويه والفراء فيه كقولهما في: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ التي في «الرعد» و«القتال».
والخبر عند سيبويه: محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم.
والخبر عند الفراء: الجملة التي بعد.
والمثَل هنا بمعنى التَّشبيه.
﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ شبهها بالرماد في ذهابها وتلاشيها.
﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ أي: شديد الريح، والعُصوف في الحقيقة من صفة الريح.
﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لا يرون له منفعة.
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ أي: ظهروا، ومعنى الظُّهور هنا:
خروجهم من القبور.
وقيل: معناه صاروا بالبراز، وهي الأرض المتسعة.
﴿تَبَعًا﴾ جمع تابع، أو مصدر وصف به مبالغة، أو على حذف مضاف.
﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ «من» الأولى: للبيان، والثانية: للتبعيض.
ويجوز أن يكونا للتبعيض معًا. قاله الزمخشري (^١).
والأظهر: أن الأولى: للبيان، والثانية: زائدة، والمعنى: هل أنتم
_________________
(١) انظر: الكشاف (٨/ ٥٧٧).
[ ٢ / ٦٩٩ ]
دافعون أو متحمّلون عنا شيئًا من عذاب الله.
﴿مَحِيصٍ﴾ أي: مهربٍ، حيث وقع، ويحتمل أن يكون: مصدرًا، أو اسم مكان.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
[﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾].
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني: إبليس الأقدم، روي أنه يقوم خطيبا بهذا الكلام: يوم القيامة.
أو في النار يقوله لأهلها.
﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ إن كان كلام إبليس في القيامة: فمعنى ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: تعيَّن قومٌ للنار وقومٌ للجنة.
وإن كان في النار: فمعنى ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: حصل أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة.
﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ استثناء منقطع.
﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أي: ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثين لي.
[ ٢ / ٧٠١ ]
﴿بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ «ما» مصدرية؛ أي: بإشراككم لي مع الله في الطاعة.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يتعلق بـ ﴿أَشْرَكْتُمُونِ﴾.
ويحتمل أن يتعلق بـ ﴿كَفَرْتُ﴾.
والأول أظهر وأرجح.
﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ استئناف، من كلام الله تعالى.
ويحتمل أن يكون حكاية عن إبليس.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ يتعلق بـ ﴿وَأُدْخِلَ﴾، أو بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، والأول أحسن.
﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ ابن عباس وغيره: هي: «لا إله إلا الله».
(وقيل: كلُّ كلمة حسنة) (^١).
﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ هي النخلة في قول الجمهور.
واختار ابن عطية: أنها شجرة غير معينة، إلَّا أنها كلُّ ما اتصف بتلك الصفات (^٢).
﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: في الهواء، وذلك عبارةٌ عن طولها.
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ الحين في اللغة: وقت غير محدود، وقد تقترن به قرينة تحدُّه؛ فقيل في: ﴿كُلَّ حِينٍ﴾: كل سنة لأن النخلة تُطعم في كل سنة، وقيل غير ذلك.
_________________
(١) سقط من أ، ب، هـ.
(٢) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٤٤).
[ ٢ / ٧٠٢ ]
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كلمة الكفر، وقيل: كل كلمة قبيحة.
﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي الحنظلة عند الجمهور، واختار ابن عطية: غير معينة (^١).
﴿اجْتُثَّتْ﴾ أي: اقتلعت، وحقيقة الاجتثاث: أخذ الجُثَّة، وهذا في مقابلة قوله: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾.
﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ هو «لا إله إلا الله»، والإقرار بالنبوة.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إذا فُتِنوا لم يَزِلُّوا.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ هو عند السؤال في القبر عند الجمهور.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٢٤٦).
[ ٢ / ٧٠٣ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾].
﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ نعمة الله هنا: هو محمد ﷺ ودينه، أنعم الله به على قريش فكفروا النعمة ولم يقبلوها، والتقدير: بدلوا شكر نعمة الله كفرًا.
﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ أي: مَنْ أطاعهم واتبعهم.
﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ فسّرها بقوله: ﴿جَهَنَّمَ﴾.
﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا﴾ هي جواب شرط مقدَّر، يتضمنه قوله: ﴿قُلْ﴾، تقديره: إن تقل لهم أقيموا يقيموا، ومعمول القول على هذا محذوف.
وقيل: جُزم بإضمار لام الأمر، تقديره: ليقيموا.
﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ من الخُلَّة، وهي المودة.
﴿إِنَّ الإِنسَانَ﴾ يريد الجنس.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
[﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾].
﴿الْبَلَدَ آمِنًا﴾ ذُكر في «البقرة» (^١).
﴿وَاجْنُبْنِي﴾ أي: امنعني، والماضي منه: جَنَب، يقال: جَنَب وجنَّب -بالتشديد- وأجنب بمعنى واحد.
﴿وَبَنِيَّ﴾ يعني: بنيه من صلبه، وفيهم أجيبت دعوته، وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام.
﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ يريد: من عصاه بغير الكفر، أو عصاه بالكفر ثم تاب منه، فهو الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة، ولكنه ذكر اللفظ بالعموم؛ لِمَا كان فيه ﵇ من الرحمة لِلْخَلْقِ وحسن الخُلُقِ.
﴿أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يعني: ابنه إسماعيل ﵇، لما وَلَدته أمه هاجر غارت بها (^٢) سارة زوجة إبراهيم، فحمله مع أمه من الشام إلى مكة.
_________________
(١) انظر: ١/ ٣٦٢.
(٢) في د: «منه».
[ ٢ / ٧٠٥ ]
﴿بِوَادٍ﴾ يعني: مكة، والوادي: ما بين جبلين وإن لم يكن فيه ماء.
﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ يعني الكعبة:
فإما أن يكون البيت أقدم من إبراهيم على ما جاء في بعض الروايات.
وإما أن يكون إبراهيم قد علم أنه سيبنى هناك بيت (^١).
﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ اللام يحتمل أن تكون:
لام الأمر بمعنى الدعاء.
أو لام «كي»، وتتعلق بـ ﴿أَسْكَنتُ﴾.
وجَمْعُ الضمير يدل على أنه كان قد عَلِمَ أن ابنه يُعْقِبُ هنالك نَسْلًا.
﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ أي: تسير بِجِدٍّ وإسراع، ولهذه الدعوة حبب الله حج البيت إلى الناس، على أنه قال ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ بالتبعيض.
قال بعضهم: لو قال: «أفئدة الناس» لحجته فارس والروم.
﴿وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: ارزقهم في ذلك الوادي مع أنه غير ذي زرع، وأجاب الله دعوته فجعل مكة تُجْبَى (^٢) إليها ثمرات كل شيء.
﴿وَمَا يَخْفَى﴾ الآية؛ يحتمل أن تكون: من كلام الله تعالى، أو حكاية عن إبراهيم.
﴿وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ روي: أنه ولد له إسماعيل وهو
_________________
(١) في ج: «سيبني هناك بيتًا».
(٢) في أ، ب، هـ: «تجيء».
[ ٢ / ٧٠٦ ]
ابن مئةٍ وسبعةَ عشرَ عامًا، وروي أقل من هذا، وإسماعيل أسنُّ من إسحاق.
﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ إن أراد بالدعاء: الطلب والرغبة فمعنى القبول: الاستجابة.
وإن أراد بالدعاء: العبادة، فالقبول على حقيقته.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ قيل: إنما دعا بالمغفرة لأبويه الكافرين بشرط إسلامهما.
والصحيح: أنه دعا لهما قبل أن يتبيَّن له أنه عدوٌّ لله، حسَبما ورد في «براءة».
[ ٢ / ٧٠٧ ]
[﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾].
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ هذا وعيدٌ للظالمين، وهم الكفار هنا على الأظهر.
فإن قيل: لمن هذا الخطاب هنا وفي قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾؟
فالجواب: أنه يحتمل أن يكون خطابًا للنبي ﷺ، أو لغيره.
فإن كان لغيره فلا إشكال.
وإن كان له فهو مشكلٌ؛ لأن النبي ﷺ لا يحسَبُ أن الله غافلٌ، وتأويل ذلك بوجهين:
أحدهما: أن المراد: الثبوت على علمه بأن الله غير غافل وغير مخلف وعده.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
والآخر: أن المراد: إعلامه بعقوبة الظالمين، فمقصد الكلام الوعيد لهم.
﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أي: تُحِدُّ النظر من الخوف.
﴿مُهْطِعِينَ﴾ قيل: الإهطاع: الإسراع.
وقيل: شدَّة النظر من غير أن يطرف.
﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قيل: الإقناع هو رفع الرأس.
وقيل: خفضه من الذلة.
﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: لا يطرفون بعيونهم؛ من الحذر والجزع.
﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي: منخرقة، لا تعي شيئًا؛ من شدَّة الجزع، فشبهها بالهواء في تفرغه من الأشياء.
ويحتمل أن يريد مضطربةً في صدورهم.
﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ يعني: يوم القيامة، وانتصاب ﴿يَوْمَ﴾ على أنه مفعول ثان لـ ﴿أَنْذِرِ﴾، ولا يجوز أن يكون ظرفًا.
﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا﴾ تقديره: يقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا﴾ الآية.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ هو المقسم عليه، ومعنى ﴿مِنْ زَوَالٍ﴾: أي: من الأرض بعد الموت؛ أي: حلفتم أنكم لا تبعثون.
﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي: جزاءُ مكرهم.
﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ «إن» هنا نافية، واللام لام
[ ٢ / ٧٠٩ ]
الجحود، والجبال يراد بها: الشرائع والنبوات، شبهت بالجبال في ثبوتها، والمعنى: تحقير مكرهم؛ لأنه لا تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة.
وقرأ الكسائي: ﴿لِتَزُولُ﴾ بفتح اللام ورفع ﴿تَزُولُ﴾، و«إن» - على هذه القراءة - مخففة من الثقيلة، واللام للتأكيد، والمعنى: تعظيم مكرهم؛ أي: إِنَّ مكرهم من شدته بحيث تزول منه الجبال، ولكن الله عصم ووقَّى منه.
﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ يعني: الوعد بالنصر على الكفار. فإن قيل: هلا قال: «مخلف رسلِه وعدَه»، ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟.
فالجواب: أنه قدَّم الوعد ليُعلَم أنه لا يُخلف الوعد أصلًا على الإطلاق، ثم قال: ﴿رُسُلَهُ﴾؛ ليُعلَم أنه إذا لم يخلف وعد أحدٍ من الناس، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه؟، فقدَّم الوعد أولًا؛ لقصد الإطلاق، ثم ذكر الرسل؛ لقصد التخصيص.
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾ العامل في الظرف: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، أو محذوف.
وتبديل الأرض: بأن تكون يوم القيامة بيضاء عفراء كقُرصة النَّقي، هكذا ورد في الحديث الصحيح (^١).
﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ تبديلها: بانشقاقها، وانتشار كواكبها، وخسوف شمسها وقمرها.
وقيل: تبدَّل أرضًا من فضة، وسماءً من ذهب، وهذا ضعيف.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٢١)، ومسلم (٢٧٩٠).
[ ٢ / ٧١٠ ]
﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني: الكفار.
﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ أي: مربوطين في الأغلال.
﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾ أي: قمصهم، والسَّربال: القميص.
﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ هو الذي تُهْنَأُ به الإبل، وللنار فيه اشتعالٌ شديد، فلذلك جعل الله قمص أهل النار منه.
﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلِّقٌ بمحذوف؛ أي: فعل الله ذلك ليجزيَ.
﴿هَذَا بَلَاغٌ﴾ إشارةٌ: إلى القرآن، أو إلى ما تضمنته هذه السورة.
﴿وَلِيُنذَرُوا﴾ معطوفٌ على محذوف تقديره: ليُنصحوا به ولينذروا.
[ ٢ / ٧١١ ]