[﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾].
﴿المص (١)﴾ تكلَّمنا على حروف الهجاء في «البقرة» (^١).
﴿حَرَجٌ مِنْهُ﴾ أي: ضيقٌ من تبليغه مع تكذيب قومك.
وقيل: الحرج هنا: الشكُ؛ فتأويله كقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧].
﴿لِتُنْذِرَ﴾ متعلّق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾.
﴿وَذِكْرَى﴾ منصوبٌ على المصدرية بفعل مقدَّر (^٢)؛ تقديره: لتنذر وتذكّر.
_________________
(١) انظر: ١/ ٢٦١.
(٢) في أ: «مضمر».
[ ٢ / ٣٢٩ ]
ذكرى؛ لأن الذكرى بمعنى التذكير.
أو مرفوعٌ؛ على أنه خبرُ ابتداءٍ مضمرٍ.
أو مخفوضٌ؛ عطفًا على موضع ﴿لِتُنْذِرَ﴾؛ أي: للإنذار والذكرى.
﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ انتصب ﴿قَلِيلًا﴾ بـ ﴿تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: تذكرون تذكرًا قليلًا.
و﴿مَا﴾ زائدةٌ؛ للتأكيد.
﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ قيل: إنه من المقلوب؛ تقديره: جاءها بأسنا فأهلكناها.
وقيل: المعنى: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا؛ لأن مجيء البأس قبل الإهلاك، فلا يصحُّ عطْفُه عليه بالفاء.
ويحتمل أن يكون ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ استئنافًا؛ على وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج إلى تكلُّفٍ.
والمراد: أهلكنا أهلها فجاءهم، ثم حذف المضاف؛ بدليل: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾.
﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ﴿بَيَاتًا﴾ مصدرٌ في موضع الحال؛ بمعنى: بائتين؛ أي: بالليل.
و﴿قَائِلُونَ﴾: من القائلة؛ أي: بالنهار.
وقد أصاب العذابُ بعض الكفار المتقدِّمين بالليل، وبعضهم بالنهار.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
و﴿أَوْ﴾ هنا: للتنويع.
﴿دَعْوَاهُمْ﴾ أي: ما كان دعاؤهم واستغاثتهم إلَّا للاعتراف بأنهم ظالمون.
وقيل: المعنى: أن دعواهم هنا: ما كانوا يدَّعونه من دينهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب أنهم كانوا ظالمين في ذلك.
﴿أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أسند الفعل إلى الجار والمجرور.
ومعنى الآية: أن الله يسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم، ويسأل الرسل عما أُجيبوا به.
﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم﴾ على الرسل والأمم.
﴿وَالْوَزْنُ﴾ يعني: وزن الأعمال.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم يُسأل الرسل وأممهم؛ وهو يوم القيامة.
﴿بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ أي: يكذِّبون بها ظلمًا.
[ ٢ / ٣٣١ ]
[﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾].
﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ قيل: المعنى: أردنا خلقكم وتصويركم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.
وقيل: خَلَقْنَا أباكم (^١)، ثم صوَّرناه.
وإنما احتيج إلى التأويل؛ ليصحَّ العطف.
_________________
(١) في د، وهامش أ زيادة: «آدم».
[ ٢ / ٣٣٢ ]
﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ «لا» زائدة؛ للتأكيد.
﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ استدلَّ بهِ بعضُ الأصوليينَ على أنَّ الأمرَ يقتضي الوجوبَ والفورَ؛ ولذلكَ وقعَ العقابُ على تركِ المبادرةِ للسجودِ.
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ تعليلٌ علَّلَ بهِ إبليسُ امتناعهُ من السجودِ، وهو يقتضي الاعتراضَ على اللهِ تعالى في أمرِهِ بسجودِ الفاضلِ للمفضولِ على زعمِهِ.
وبهذا الاعتراضِ كفرَ إبليسُ؛ إذ ليسَ كفرُهُ كفرَ جحودٍ.
﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أي: من السماءِ.
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الباءُ للتعليلِ؛ وهي تتعلقُ (^١) بفعلِ قسمٍ محذوفٍ تقديرهُ: أُقسِمُ باللهِ -بسببِ إغوائِكَ لي- لأغوينَّ بني آدمَ.
و«ما»: مصدريةٌ.
وقيلَ: استفهاميةٌ؛ ويُبطلهُ ثبوتُ الألفِ في «ما» معَ حرفِ الجرِّ.
﴿صِرَاطَكَ﴾ يريدُ: طريقَ الهدى والخيرِ، وهو منصوبٌ على الظرفيةِ.
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية؛ أي: من الجهاتِ الأربعِ، وذلكَ عبارةٌ عن تسليطهِ على بني آدمَ كيفما أمكنهُ.
وقال ابنُ عباسٍ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: الآخرةُ، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: الحسناتُ، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: السيئاتُ.
﴿مَذْءُومًا﴾ مِنْ ذَأَمَهُ -بالهمزِ-: إذا ذمَّهُ.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «وهو متعلق».
[ ٢ / ٣٣٣ ]
﴿مَدْحُورًا﴾ أي: مطرودًا حيث وقع.
﴿فَوَسْوَسَ﴾ إذا تكلَّم كلامًا خفيًّا يكرِّره؛ فمعنى ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾: ألقى لهما هذا الكلام.
﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ أي: ليُظهر ما سُتر من عوراتهما.
واللام في قوله: ﴿لِيُبْدِيَ﴾:
للتعليل؛ إن كان في انكشافهما غَرَضٌ لإبليس.
أو للصيرورة؛ إن وقع ذلك بغير قصدٍ منه إليه.
﴿الشَّجَرَةَ﴾ ذكرت في «البقرة» (^١).
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ أي: كراهة أن تكونا ملكين.
واستدلَّ به من قال: إن الملائكة أفضلُ من الأنبياء.
وقرئ: «مَلِكَيْنِ» بكسر اللام؛ ويقوِّي هذه القراءةَ قوله: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠].
﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي: حلَف لهما إنه لمن الناصحين.
وذكر قَسَم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين الاثنين:
لأنه اجتهد فيه.
أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته.
﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة.
_________________
(١) انظر: ١/ ٣٠١.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
﴿بِغُرُورٍ﴾ أي: غَرَّهما بحَلِفِهِ لهما؛ لأنهما ظَنَّا أنه لا يحلف كاذبًا.
﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ أي: زال عنهما اللباس، وظهرت عوراتهما، وكانا لا يَريانها من أنفُسِهما، ولا أحدهما (^١) من الآخر.
وقيل: كان لباسهما نورٌ يحول بينهما وبين النَّظَر.
﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي: يَصِلان بعضَه ببعض ليستترا بها.
﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ يَحتمل أن يكون هذا النداء: بواسطة مَلَك، أو بغير واسطة.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ اعترافٌ، وطلبٌ للمغفرة والرحمة.
وتلك (^٢) الكلمات التي تاب الله عليه بها.
﴿اهْبِطُوا﴾ وما بعده: مذكور في «البقرة» (^٣).
﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾ أي: في الأرض.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «لأحدهما».
(٢) في د زيادة: «هي».
(٣) انظر: ١/ ٣٠٢.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
[﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾].
﴿لِبَاسًا﴾ أي: الثياب التي تستر؛ ومعنى ﴿أَنزَلْنَا﴾: خلقنا.
وقيل: المراد: أنزلنا ما يكون عنه اللباس؛ وهو (^١) المطر.
واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة.
﴿وَرِيشًا﴾ أي: لباس الزينة؛ وهو مستعار من ريش الطائر.
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ استعارة للتقوى لباسًا؛ كقولهم: ألبسك الله قميص تقواه.
وقيل: لباس التقوى: ما يُتَّقى به في الحرب من الدروع وشبهها.
وقرئ: بالرفع؛ على الابتداء، وخبره: الجملة؛ وهي: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.
﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الإشارةُ إلى ما أنزل من اللباس.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «أي».
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وهذه الآية واردةٌ على وجه الاستطراد عَقِيب (^١) ما ذكر من ظهور السَّوءآت وخَصْفُ الورق عليهما؛ ليُبَيِّن إنعامه بما (^٢) خَلَقَ من اللباسِ.
﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ أي: كان سببًا في نَزْعِ لباسهما عنهما.
﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ يعني: في غالب الأمر.
وقد استدلَّ به من قال: إن الجن لا يُرَوْن.
وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة، فتُحْمَلُ الآية على الأكثر؛ جمعًا بينها وبين الأحاديث.
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ قيل: هي ما كانت العرب تفعلهُ من الطَّواف بالبيت عراةً؛ الرجالُ والنساء.
ويحتمل العموم في الفواحش.
﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ اعتذروا بعذرين باطلين:
أحدهما: تقليد آبائهم.
والآخر: افتراؤهم على الله.
﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ قيل: المراد إحضار النية، والإخلاص لله.
وقيل: فعل الصلاة والتوجُّه فيها.
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي: في كل مكان سجودٍ.
_________________
(١) في د: «عقب».
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «على ما».
[ ٢ / ٣٣٧ ]
أو: في وقت كلِّ سجود.
والأول أظهر.
والمعنى: إباحة الصلاة في كلِّ موضع؛ كقوله (^١) ﷺ: «جعلت لي الأرض مسجدًا» (^٢).
﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ احتجاجٌ على البعث الأخراوي بالبدأة الأولى.
﴿فَرِيقًا﴾ الأول: منصوب بـ ﴿هَدَى﴾.
والثاني: منصوبٌ بفعل مضمر؛ يفسره ما بعده.
﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ قيل: المراد به: الثياب الساترة، واحتجَّ به من أوجب ستر العورة في الصلاة.
وقيل: المراد به: الزينةُ زيادةً على السَّتر، كالتجمُّل للجمعة بأحسن الثياب وبالسواك والطيب.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الأمر فيهما للإباحة؛ لأن بعض العرب كانوا يحرمون أشياء من المآكل.
﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أي: لا تكثروا من الأكل فوق الحاجة.
وقال الأطباء: إن الطبَّ كلَّه مجموعٌ في هذه الآية (^٣).
وقيل: لا تسرفوا بأكل الحرام.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «لقوله».
(٢) هو جزء من حديث: «نصرت بالرعب ..» وقد تقدم تخريجه ١/ ٥٨٤.
(٣) انظر: الكشاف (٦/ ٣٧٢).
[ ٢ / ٣٣٨ ]
[﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾].
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ إنكارٌ لتحريمِها، وهي ما شرعه الله لعباده من الملابس والمآكل.
وكان بعض العرب إذا حجُّوا يُحرِّمون (^١) الثياب ويطوفون عراةً، ويحرِّمون الشحم واللبن؛ فنزل ذلك ردًّا عليهم.
﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: الزينة والطيبات في الدنيا: للذين آمنوا ولغيرهم، وفي الآخرة: خالصةٌ لهم دون غيرهم.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «يجردون».
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وقرئ ﴿خَالِصَةٌ﴾:
بالنصب؛ على الحال.
والرفع؛ على أنه: خبر بعد خبر، أو خبر ابتداء مضمر.
﴿وَالْإِثْمَ﴾ عامٌّ في كل ذنب.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: تفتروا عليه في التَّحريم وغيره.
﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ هي «إنْ» الشرطية دخلت عليها «ما» الزائدة؛ للتأكيد، ولزمتها النون الشديدة المؤكَّدة.
وجواب الشرط: ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الآية.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ ذُكر في «الأنعام» (^١).
﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: يصلُ إليهم ما كُتِب لهم من الأرزاق وغيرها.
﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: غابوا عنا.
﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: ادخلوا النارَ في جملةِ أممٍ؛ أي: مع أممٍ.
﴿ادَّارَكُوا﴾ أي: تلاحقوا واجتمعوا.
﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ المراد بـ ﴿أُولَاهُمْ﴾: الرؤساء والقادة، و﴿أُخْرَاهُمْ﴾: الأتباع والسَّفِلَة.
_________________
(١) انظر صفحة ٢٥٢.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
والمعنى: أن أخراهم طلبوا من الله أن يضاعف العذاب لأولاهم؛ لأنهم أضَلُّوهم.
وليس المعنى: أنهم قالوا لهم ذلك خطابًا لهم، إنما هو كقولك: قال فلان لفلان كذا؛ أي: قاله عنه، وإن لم يخاطبه به.
﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: لم يكن لكم علينا فضل في الإيمان والتقوى يوجب أن يكون عذابنا أشدُّ من عذابكم، بل نحن وأنتم متساوون.
﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ من قول أولاهم لأخراهم، أو من قول الله تعالى لجميعهم.
[ ٢ / ٣٤١ ]
[﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾].
﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يَصْعَدُ عملُهم إلى السماء.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
والثاني: لا يدخلون الجنة؛ فإن الجنة في السماء.
والثالث: لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم - إذا ماتوا - كما تفتح لأرواح المؤمنين.
﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ أي: حتى يدخل الجمل في ثقب الإبرة. والمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبدًا، فلا يدخلونها أبدًا.
﴿مِهَادٌ﴾ فراشٌ.
﴿غَوَاشٍ﴾ أغطيةٌ.
﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ جملةُ اعتراضٍ بين المبتدإِ والخبر؛ ليبين أنه إنما طلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي: من كان في صدره غِلٌّ لأخيه في الدنيا نُزع منه في الجنة، وصاروا إخوانًا أحبابًا.
وإنما قال: ﴿وَنَزَعْنَا﴾ بلفظ الماضي وهو مستقبل؛ لتحقق وقوعه في المستقبل، حتى عبَّر عنه بما يعبر عن الواقع.
وكذلك كلُّ ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، وهي تقع في الآخرة؛ كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ وغير ذلك.
﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ إشارةٌ إلى الجنة، أو إلى ما أوجبها من الإيمان والتقوى.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ و﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾، و﴿أَنْ لَعْنَةُ﴾، و﴿أَنْ سَلَامٌ﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَنْ﴾ في كل واحدة منها:
مخفَّفة من الثقيلة؛ فيكون فيها ضمير.
أو حرف عبارة وتفسير لمعنى القول.
﴿مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ حُذف مفعول ﴿وَعَدَ﴾:
استغناء عنه بمفعول ﴿وَعَدَنَا﴾.
أو لإطلاق الوعد؛ فيتناول الثواب والعقاب.
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي: أعْلَمَ مُعْلِمٌ؛ وهو مَلَكٌ.
﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ أي: بين الجنة والنار.
أو: بين أصحابهما، وهو الأرجح؛ لقوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣].
﴿الْأَعْرَافِ﴾ قال ابن عباس: هو تلٌ (^١) بين الجنة والنار.
ومجاهد: حجاب بين الجنة والنار.
وقيل: سور الجنة.
﴿رِجَالٌ﴾ هم أصحاب الأعراف.
وورد في الحديث: «أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم،
_________________
(١) في د: «جبل».
[ ٢ / ٣٤٤ ]
فلم يدخلوا الجنة ولا النار» (^١).
وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستُشهدوا، فمُنعوا من الجنة؛ لعصيان آبائهم، ونجوا من النار؛ للشهادة.
﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: يعرفون أهل الجنة بعلامتهم؛ من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم؛ من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات.
﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: سلَّم أصحابُ الأعراف على أهل الجنة.
﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أي: أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة، وهم يطمعون في دخولها من بعدُ.
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ الضمير لأصحاب الأعراف؛ أي: إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم منهم.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ يعني: من الكفار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ.
﴿جَمْعُكُمْ﴾ يحتمل أن يريد:
جمعكم للمال.
أو كثرتكم.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٢١ - ٢٢٢).
[ ٢ / ٣٤٥ ]
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: استكبارُكم على الناس، أو استكباركم عن الرجوع إلى الحق؛ فـ «ما» ها هنا مصدرية.
و«ما» في قوله: ﴿مَا أَغْنَى﴾: استفهاميةٌ، أو نافيةٌ.
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ من كلام أصحاب الأعراف خطابًا لأهل النار.
والإشارة بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى أهل الجنة؛ وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يُقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين ولا يَعبأُ بهم؛ فظهر خلاف ما قالوا.
وقيل: هي من كلام الملائكة؛ خطابًا لأهل النار.
والإشارة بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى أصحاب الأعراف.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ خطابٌ لأهل الجنة: إن كان من كلام أصحاب الأعراف؛ تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة.
وخطابٌ لأهل الأعراف: إن كان من كلام الملائكة.
﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ دليلٌ على أن الجنة فوق النار.
﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من سائر الأطعمة أو الأشربة.
﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ أي: نتركهم.
﴿كَمَا نَسُوا﴾ الكاف للتعليل.
﴿وَمَا كَانُوا﴾ عطفٌ على ﴿كَمَا نَسُوا﴾؛ أي: لنسيانهم وجحودهم.
﴿جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ يعني: القرآن.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
﴿فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: عَلِمنا كيف نُفَصِّله (^١).
﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ أي: هَلْ ينتظرون إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه؛ مِنْ ظهور ما نطق به من الوعد والوعيد؟.
﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: قَدْ تبين وظهر الآن أن الرسل جاؤوا بالحق.
_________________
(١) في أ، ب، د: «تَفْصِيلُهُ».
[ ٢ / ٣٤٧ ]
[﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾].
﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ حيث وقع:
حمله قومٌ على ظاهره؛ منهم ابن أبي زيد (^١) وغيره.
وتأوَّله قوم بمعنى: قصد؛ كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩].
ولو كان كذلك لقال: ثم استوى إلى العرش.
وتأوَّله الأشعرية أنّ معنى استوى: استولى بالملك والقدرة.
والحق: الإيمان به من غير تكييف؛ فإنَّ السلامة في التسليم، ولله درُّ مالك بن أنس الإمام في قوله للذي سأله عن ذلك: «الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عن هذا بدعة» (^٢).
وقد روي مثل قول مالك عن أبي حنيفة، وجعفر الصادق، والحسن البصري.
_________________
(١) هو ابن أبي زيد القيرواني، في مقدمة الرسالة في الفقه المالكي (ص: ١٠).
(٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٤٤١).
[ ٢ / ٣٤٨ ]
ولم يتكلمِ الصحابة ولا التابعون في معنى الاستواء، بل أمسكوا عنه؛ ولذلك قال مالك: «السؤال عنه بدعة» (^١).
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي: يُلحِق الليلَ بالنهار، أو يلحقُ النهارَ بالليل؛ يحتملُ الوجهين، هكذا قال الزمخشري (^٢).
وأصل اللفظة: من الغشاء؛ أي: يجعل أحدهما غشاءً للآخر يغطيه، فتغطي ظلمةُ الليل نورَ النهار.
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ حيث وقع، إلخ، أقول: ذكر فيه مذاهب: الأول: إجراؤه على ظاهره، لابن أبي زيد المالكي. الثاني: مذهب أهل التأويل، ومنهم الأشاعرة، وبعضهم قال: استوى: قصد، وقالت الأشاعرة: استوى بالملك والقدرة. الثالث: مذهب الصحابة والأئمة، وهو الإيمان به من غير تكييف، وقرر هذا القول بقوله: "والحق: الإيمان به من غير تكييف؛ فإنّ السلامة في التسليم". وكلامه هنا متردد بين الإثبات من غير تكييف، وبين التفويض، ولذا استشهد بقول الإمام مالك وغيره: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، ولكنه قال: "ولم يتكلم الصحابة ولا التابعون في معنى الاستواء، بل أمسكوا عنه"، قال: "ولذا قال مالك: والسؤال عنه بدعة"، ومفهوم كلام المؤلف ﵀ أن السؤال عن معنى الاستواء بدعة، وهذا خطأ فالذي سئل عنه مالك، وقال: "السؤال عنه بدعة" هو الكيفية؛ لأنه قال: "الاستواء معلوم" أي معناه، "والكيف مجهول، والسؤال عنه" أي السؤال عن الكيف. وقد أخطأ ابن جزي ﵀ أيضا في زعمه أن الصحابة والتابعين لم يتكلموا في معنى استوى. والصواب هو إثبات الاستواء لله على العرش بمعناه المعلوم، وهو علا وارتفع، مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية. ومن يتدبر كلام ابن جزي يدرك أنه إلى التفويض أميل، أي تفويض معنى الاستواء، أو هو قوله الذي يقول به. والله أعلم.
(٢) انظر: الكشاف (٦/ ٤٠٤).
[ ٢ / ٣٤٩ ]
﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أي: سريعًا، والجملة في موضع الحال من ﴿اللَّيْلَ﴾؛ أي: يطلب (^١) النهارَ فيُدركه.
﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ قيل: الخلق: المخلوقات، والأمر: مصدر أمَرَ يأمُرُ.
وقيل: الخلق: مصدر خلَق، والأمر: واحد الأمور؛ كقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]. والكلُّ صحيحٌ.
﴿تَبَارَكَ﴾ من البركة؛ وهو فعل غير متصرِّف لم تَنطِق له العرب بمضارع.
﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ مصدرٌ في موضع الحال، وكذلك: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
﴿وَخُفْيَةً﴾ من الإخفاء.
وقرئ: "خِيفَةً" من الخوف.
﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ المجاوزين للحدِّ.
وقيل هنا: هو رفع الصوت بالدعاء، والتشطُّط فيه.
﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ جمعَ اللهُ الخوف والطمع؛ ليكون العبد خائفًا راجيًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
فإن مُوجِب الخوف: معرفةُ سَطَوات (^٢) الله وشدَّة عقابه.
ومُوجِب الرجاء: معرفة رحمة الله وعظيم ثوابه؛ قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي
_________________
(١) في د زيادة: "الليل".
(٢) في د: "سطوة".
[ ٢ / ٣٥٠ ]
أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
ومَن عَرَف فضلَ الله رجاه، ومَن عرف عذابه خافه؛ ولذلك جاء في الحديث: «لو وُزِن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» (^١).
إلَّا أنه يستحب أن يكون العبد طول عمره يَغْلِب عليه الخوف؛ ليقوده إلى فعل الطاعات وترك السيئات، وأن يَغْلِب عليه الرجاء عند حضور الموت؛ لقوله ﷺ: «لا يموتنَّ أحدُكم إلَّا وهو يُحسن الظن بالله تعالى» (^٢).
* واعلم أن الخوف على ثلاث درجات:
الأولى: أن يكون ضعيفًا يخطر على القلب، ولا يؤثِّر في الباطن ولا في الظاهر، فوجود هذا كالعدم.
والثانية: أن يكون قويًّا فيوقظ العبد من الغفلة ويحمله على الاستقامة.
والثالثة: أن يشتدَّ حتى يبلغ إلى القنوط واليأس، وهذا لا يجوز، وخير الأمور أوسطها.
* والناس في الخوف على ثلاث مقامات:
فخوف العامة: من الذنوب.
وخوف الخاصة: من الخاتمة.
_________________
(١) لا يصحُّ حديثًا، قال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص: ٥٥٥): «لا أصل له في المرفوع، وإنما يؤثر عن بعض السلف»، وأخرجه أحمد في الزهد (ص: ٢٣٩) عن مطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير من قوله.
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٧٧).
[ ٢ / ٣٥١ ]
وخوف خاصة الخاصة: من السَّابقة؛ فإن الخاتمة مبنيَّة عليها.
* والرجاء على ثلاث درجات:
الأولى: رجاء رحمة الله مع التسبُّب فيها بفعل طاعته وترك معصيته؛ فهذا هو الرجاء المحمود.
والثانية: الرجاء مع التفريط والعصيان؛ فهذا غرورٌ.
والثالثة: أن يقوى الرجاء حتى يبلغ الأمن؛ فهذا حرام.
* والناس في الرجاء على ثلاث مقامات:
فمقام العامة: رجاء ثواب الله.
ومقام الخاصة: رجاء رضوان الله.
ومقام خاصة الخاصة: رجاء لقاء الله حبًّا فيه وشوقًا إليه.
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ حذفت تاء التأنيث من ﴿قَرِيبٌ﴾ وهو خبر عن الرحمة:
على تأويل الرحمة بالرَّحِم، أو الترحُّم، أو العفو.
أو لأن تأنيث الرحمة غيرُ حقيقيٍّ.
أو لأنه صفة موصوف محذوف تقديره: شيءٌ قريب.
أو على تقدير النَّسب؛ أي: ذات قرب.
وقيل: ﴿قَرِيبٌ﴾ هنا ليس خبرًا عن الرحمة (^١)، وإنما هو ظرفٌ لها.
_________________
(١) قوله: «عن الرحمة» لم ترد في أ، ب، ج، هـ.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
﴿الرِّياحَ نُشُرًا﴾ قرئ ﴿الرِّيَاحَ﴾: بالجمع؛ لأنها رياح المطر.
وقد اطَّرد في القرآن جَمْعُها إذا كانت للرحمة، وإفرادها إذا كانت للعذاب ومنه ورد في الحديث: «اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها رِيحًا» (^١).
وقرئ بالإفراد؛ والمراد: الجنس.
وقرئ: ﴿نَشْرًا﴾ -بفتح النون وإسكان الشين-؛ وهو على هذا مصدر في موضع الحال.
وقرئ بضمهما؛ وهو جمع ناشر، وقيل: جمع منشور.
وقرئ بضم النون وإسكان الشين؛ وهو تخفيف من الضم؛ كَرُسُلٍ ورُسْل.
وقرئ بالباء في موضع النون؛ من البشارة.
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: قَبْلَ المطر.
﴿أَقَلَّتْ﴾ حمَلَتْ.
﴿سَحَابًا ثِقَالًا﴾ لأنها تحمل الماء فتثقُل به.
﴿سُقْنَاهُ﴾ الضمير للسحاب.
﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ يعني: لا نبات فيه من شدة القحط، وكذلك معناه حيث وقع.
﴿فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ الضمير: للسحاب.
_________________
(١) أخرجه الشافعي في مسنده (١/ ١٧٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢١٣).
[ ٢ / ٣٥٣ ]
أو البلد؛ على أن تكون الباء ظرفيةً.
﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ تمثيلٌ لإخراج الموتى من القبور بإخراج الزرع من الأرض.
وقد وقع ذلك في القرآن في مواضع؛ منها: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩]، ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ١١].
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ هو الكريم من الأرض، الجيّد التراب (^١).
﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ بخلاف ذلك؛ كالسبخة ونحوها.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ عبارةٌ عن السهولة والطيب، والنَّكِد بخلاف ذلك.
ويحتمل أن يكون المراد:
ما يقتضيه ظاهر اللفظ؛ فتكون متمّمةً للمعنى الذي قَبلها في المطر.
وأن يكون (^٢) تمثيلًا للقلوب:
فقيل -على هذا-: الطيب: قلب المؤمن، والخبيث: قلب الكافر.
وقيل: هما الفهمُ (^٣) والبليد.
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «الترب».
(٢) في ج، د: «تكون».
(٣) في د: «الفهيم».
[ ٢ / ٣٥٤ ]
[﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾].
﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قرأ الكسائي: بالخفض - حيث وقع -؛ على اللفظ.
وقرأ غيره: بالرفع؛ على الموضع.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: يوم القيامة، أو يوم هلاكهم.
﴿الْمَلأُ﴾ أشراف الناس.
﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ إنما قال ﴿ضَلَالَةٌ﴾ ولم يقل «ضلال» كقولهم؛ لأن الضلالة أخص من الضلال، كما إذا قيل لك: أعندك تمر؟ تقول: ما عندي تمرة؛ فتعم بالنفي.
﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد.
وهو في موضع صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾، أو استئناف.
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من صفاته ورحمته وعذابه.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف؛ كأنه قال: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر.
﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ أي: على لسان رجل.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
﴿فِي الْفُلْكِ﴾ يَتعلَّق:
بِـ ﴿مَعَهُ﴾؛ والتقدير: استقرُّوا معه في الفلك.
ويحتمل أن يتعلَّق بـ ﴿أَنْجَيْنَاهُ﴾.
﴿عَمِينَ﴾ جمع عَمٍ؛ وهو مِنْ عَمَى القلب.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
[﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾].
﴿أَخَاهُمْ﴾ أي: واحدًا من قبيلتهم، وهو معطوفٌ على ﴿نُوحًا﴾.
و﴿هُودًا﴾ بدلٌ منه، أو عطفُ بيانٍ.
وكذلك ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ وما بعده، وما هو مثله حيث وقعَ.
﴿الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قيَّدَ هنا بالكفرِ؛ لأن في الملإ من قومِ هودٍ مَنْ آمنَ؛ وهو مَرْثَدُ بنُ سعدٍ، بخلافِ قومِ نوحٍ؛ فإنهم لم يكن فيهم مؤمنٌ، فأطلقَ لفظَ الملإ.
﴿أَمِينٌ﴾ يحتملُ أن يريدَ:
أمانته على الوحيِ.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
أو أنهم قد كانوا عرفوه بالأمانة والصِّدق.
﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: خلفتموهم في الأرض، أو جعلكم ملوكًا. ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ كانوا عِظَام الأجسام؛ كان أقصرُهم ستين ذراعًا، وأطولهم مئة ذراع.
﴿آلاءَ اللَّهِ﴾ نِعَمَهُ حيث وقع.
﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ استبعدوا توحيد الله مع اعترافهم بربوبيته؛ ولذلك قال لهم هود: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: حَقَّ عليكم ووجب عذاب من ربكم وغضب.
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ يعني: الأصنام؛ أي: تجادلونني في عبادة مسمَّياتِ أسماء؛ ففي الكلام حذفٌ.
وأراد بقوله: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾:
جعلتم لها أسماء؛ فدلَّ ذلك على أنها محدثةٌ، فلا يصحُّ أن تكون آلهة.
أو سمَّيتموها آلهةً من غير دليل على أنها آلهةٌ؛ فقولكم باطل.
فالجدال:
على القول الأول: في عبادتها.
وعلى القول الثاني: في تسميتها آلهةً.
والمراد بالأسماء:
على القول الأول: المسمَّى.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
وعلى القول الثاني: التَّسمية.
﴿دَابِرَ﴾ ذكر في «الأنعام» (^١).
_________________
(١) انظر صفحة ٢٦٤.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
[﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾].
﴿بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَي: آيةٌ ظاهرة؛ وهي الناقة، وأضيفت إلى الله تشريفًا لها، ولأنه خلقها من غير فحل.
وكانوا قد اقترحوا على صالح ﵇ أن يخرجها لهم من صخرة، وعاهدوه أن يؤمنوا به إن فعل ذلك، فانشقَّت الصخرة وخرجت منها الناقة وهم ينظرون، ثم نُتِجَتْ ولدًا فآمن به قوم منهم وكفر آخرون.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
﴿لَكُمْ آيَةً﴾ أي: معجزة تدلُّ (^١) على صحة نبوة صالح.
والمجرور في موضع الحال من ﴿آيَةً﴾؛ لأنه لو تأخر لكان صفةً.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ أي: لا تَضُرُّوها (^٢)، ولا تطردوها.
﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ كانت أرضهم بين الحجاز والشام، وقد دخلها رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال لهم ﷺ: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلَّا وأنتم باكون؛ مخافة أن يصيبكم مثلُ الذي أصابهم» (^٣).
﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي: تبنون قصورًا في الأرض البسيطة.
﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ أي: تَنْجُرُون (^٤) بيوتًا في الجبال، (وكانوا يسكنون القصور في الصيف، والجبال في الشتاء.
وانتصب ﴿بُيُوتًا﴾ على الحال) (^٥)؛ وهو كقولك: خِطتُ هذا الثوب قميصًا.
﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾.
﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ إنما لم يقولوا: ﴿بِمَا أُرْسِلَ بِهِ﴾ كما قال الآخرون؛ لئلَّا يكون اعترافًا برسالته.
_________________
(١) لم ترد في أ، ب، ج، هـ.
(٢) في ج، د: «لا تضربوها».
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠).
(٤) في أ: «تتخذون».
(٥) سقط من أ، ب، هـ.
[ ٢ / ٣٦١ ]
﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ نَسبَ العقرَ إلى جميعهم؛ لأنهم رضوا به، وإن لم يفعله إلَّا واحدٌ منهم؛ وهو الأُحَيْمِرُ.
﴿الرَّجْفَةُ﴾ الصيحةُ حيث وقعتْ؛ وذلك أن الله أمر جبريل فصاح صيحةً بين السماء والأرض فماتوا منها.
﴿جَاثِمِينَ﴾ حيث وقع: أي: قاعدين لا يتحرَّكون.
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ الآية؛ يحتمل أن يكون تولِّيه عنهم وقولُه لهم:
حين عقروا الناقة، قبل نزول العذاب بهم؛ لأنه روي أنه خرج حينئذٍ من بين أظهرهم.
أو يكون ذلك بعد أن هَلكوا؛ وهو ظاهرُ الآية، وعلى هذا: خاطبهم بعد موتهم على وجه التفجُّع عليهم.
وقوله: ﴿لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضية.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾: «أرسلنا» المضمرُ، أو يكون بدلًا من ﴿لُوطًا﴾.
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي: لم يفعلْها أحدٌ من العالمين قبلكم.
و﴿مِنْ﴾ الأولى: زائدةٌ.
والثانية: للتبعيض، أو للجنس.
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ الآية؛ أي: أنهم عَدَلوا عن جوابه على كلامه إلى الأمر بإخراجه وإخراج أهله.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
﴿أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: يتنزَّهون عن الفاحشة.
﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: من الهالكين.
وقيل: من الذين غَبَروا في ديارهم فهلكوا، أو مِنْ الباقين من أترابها؛ يقال: غَبَر: بمعنى مضى، وبمعنى بقي.
وإنما قال: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ بجمع المذكَّر؛ تغليبًا للرجال الغابرين.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَطَرًا﴾ يعني: الحجارة؛ أُصيب بها من كان منهم خارجًا عن بلادهم، وقُلبت البلاد بمن كان فيها.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
[﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾].
﴿بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: آيةٌ ظاهرةٌ، ولم تَعَيَّنْ في القرآن آيةُ شعيب.
﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ كانوا يَنقُصون في الكيل والوزن، فبُعِث شعيب لينهاهم عن ذلك.
والكيل هنا: بمعنى المكيال الذي يكال به؛ مناسبةً للميزان؛ كما جاء في «هود»: ﴿الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤].
[ ٢ / ٣٦٤ ]
ويجوز أن يكون ﴿الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ مصدرين.
﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ قيل: هو نهيٌ عن السَّلْبِ وقطع الطريق؛ وكان ذلك من فِعْلِهم.
وقيل: كانوا يقعدون على الطريق؛ يردُّون الناس عن اتباع شعيب ويُوعدونهم إن اتَّبعوه.
﴿وَتَصُدُّونَ﴾ أي: تمنعون الناس من (^١) سبيل الله؛ وهو الإيمان.
والضمير في ﴿بِهِ﴾: للصِّراط، أو لله.
﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ ذُكِر في «آل عمران» (^٢).
﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أي: ليكونَنَّ أحدُ الأمرين: إما إخراجُكم، أو عَوْدُكم إلى ملة الكفر.
فإن قيل: إن العَوْد إلى الشيء يقتضي أنه قد كان فُعِل قبل ذلك؛ فيقتضي قولهم: ﴿لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أن شعيبًا ومن كان معه كانوا أولًا على ملة قومهم، ثم خرجوا منها فطلب قومُهم أن يعودوا إليها، وذلك محالٌ؛ فإن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدها!.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: قاله ابن عطية؛ وهو أنَّ «عاد» قد تكون بمعنى: صار؛
_________________
(١) في ج، د: «عن».
(٢) انظر ١/ ٥٦٥.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
فلا تقتضي تقدُّم ذلك الحال الذي صار إليه (^١).
والثاني: قاله الزمخشري؛ وهو أن المراد بذلك: الذين آمنوا بشعيب دون شعيب، وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك؛ كما أدخلوه في الخطاب معهم في قولهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾؛ فغلَّبوا في الخطاب بالعَوْد الجماعةَ على الواحد (^٢).
وبمثل ذلك يُجاب عن قوله: ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾، و﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾.
﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الهمزة: للاستفهام والإنكار، والواو: للحال، تقديره: أنعود في مِلَّتكم (^٣) ونحن كارهون؟!.
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ أي: إن عدنا فيها فقد وقعنا في أمرٍ عظيم من الافتراء على الله، وذلك تبرُّؤٌ من العود فيها.
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ هذا استسلامٌ لقضاء الله على وجه التأدُّب مع الله وإسنادِ الأمور إليه؛ وذلك أنه لما تبرَّأ من ملتهم: أخبر أن الله يحكم عليهم بما يشاء من عَوْدٍ وتَرْكِه؛ فإن القلوب بيده يقلِّبها كيف يشاء.
فإن قلت: إنَّ ذلك يصحُّ في حق قومه، وأما في حق نفسه فلا؛ فإنه معصوم من الكفر؟.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٦١٣).
(٢) انظر: الكشاف (٦/ ٤٧٣).
(٣) في أ، ب، هـ زيادة: «ويكون لنا أن نعود فيها».
[ ٢ / ٣٦٦ ]
فالجواب: أنه قال ذلك تواضعًا وتأدُّبًا مع الله تعالى، واستسلامًا لأمره؛ كقول نبينا ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (^١) مع أنه قد علم أنه يثبته.
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ أي: احكم.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: كأن لم يقيموا في ديارهم.
﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي: كيف أحزن عليهم وقد استحقُّوا ما أصابهم من العذاب بكفرهم.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١٢١٠٧)، والترمذي (٢١٤٠).
[ ٢ / ٣٦٧ ]
[﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾].
﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ قد تقدَّم (^١).
﴿بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ أي: أبدلنا البأساء والضراء بالنعيم؛ اختبارًا لهم في الحالتين.
_________________
(١) انظر صفحة ٢٦٤.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
﴿حَتَّى عَفَوا﴾ أي: كَثُرُوا ونَمَوْا في أنفسهم وأموالهم.
﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ أي: قد جرى ذلك لآبائنا ولم يَضُرَّهم؛ فهو بالاتفاق لا بقصد الاختبار.
﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بالمطر، والزرع.
﴿أَوَأَمِنَ﴾ مَنْ قرأ بإسكان الواو: فهي «أو» العاطفة.
ومن قرأ بفتحها: فهي واو العطف دخلت عليها همزة التوبيخ؛ كما دخلت على الفاء في قوله: ﴿أَفَأَمِنَ﴾.
﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ أي: استدراجه وأَخْذه للعبد من حيث لا يشعر.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ أو لم يتبيَّن.
﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ أي: يسكنونها.
﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ هو فاعلُ ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾، ومقصود الآية الوعيد.
﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ عطفٌ على ﴿أَصَبْنَاهُم﴾؛ لأنه في معنى المستقبل. أو منقطعٌ؛ على معنى الوعيد.
وأجاز الزمخشري أن يكون عطفًا على ﴿يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾، أو على ما دلَّ عليه معنى ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾؛ كأنه قال: يَغْفُلون عن الهداية ونطبعُ على قلوبهم (^١).
﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِنْ عَهْدٍ﴾ الضمير لـ ﴿أَهْلَ الْقُرَى﴾، والمعنى: وجدناهم ناقضين للعهود.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٦/ ٤٩١).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ من قرأ ﴿عَلَيَّ﴾ بالتشديد على أنها ياء المتكلم: فالمعنى ظاهر؛ وهو أن موسى قال: حقيق عليه أن لا يقول على الله إلا الحق.
وموضع ﴿أَنْ لَا أَقُولَ﴾ -على هذا- رفعٌ؛ على أنه:
خبر ﴿حَقِيقٌ﴾، و﴿حَقِيقٌ﴾ مبتدأ.
أو بالعكس.
ومن قرأ ﴿عَلَى﴾ بالتخفيف: فموضع ﴿أَنْ لَا أَقُولَ﴾ خفضٌ بحرف الجر، و﴿حَقِيقٌ﴾ صفة لرسول.
وفي المعنى -على هذا- وجهان:
أحدهما: أن «على» بمعنى الباء؛ فمعنى الكلام: رسولٌ حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق.
والثاني: أن معنى حقيق: حريصٌ؛ ولذلك تعدَّى بـ «على».
﴿قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بمعجزةٍ تدلُّ على صدقي؛ وهي العصا، أو جنسُ المعجزات.
﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: خَلِّهم يذهبوا معي إلى الأرض المقدَّسة موطن آبائهم.
وذلك أنه لما تُوفِّي يوسف ﵇ غَلَب فرعون على بني إسرائيل واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى: أربع مئة عام.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ وكان موسى ﵇ شديد الأَدَمَةِ، فأظهر يدَه لفرعون ثم أدخلها في جيبه، ثم أخرجها وهي بيضاءُ شديدة البياض كاللبن أو أشدُّ بياضًا.
وقيل: إنها كانت منيرةً شفافة كالشمس، وكانت ترجع بعد ذلك إلى لون بدنه.
﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ مبالغةٌ في وصف يده بالبياض؛ كأنَّ الناسَ يجتمعون للنظر إليها، والتعجبُ منها.
[ ٢ / ٣٧١ ]
[﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾].
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)﴾ حكى هذا الكلام هنا عن الملأ، وفي «الشعراء» عن فرعون:
فكأنه قد قاله هو وهُم.
أو قاله هو، ووافقوه عليه؛ كعادة جلساء الملوك في اتّباعهم لما يقول الملك.
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي: يخرجكم منها بالقتال (^١) أو بالحيل.
وقيل: المراد إخراج بني إسرائيل، وكانوا خُدَّامًا لهم؛ فتخرب الأرض.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «بالقتل».
[ ٢ / ٣٧٢ ]
بخروج الخُدَّام والعُمَّار منها.
﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ من قول الملإ، أو من قول فرعون.
وهو من معنى:
المؤامرة؛ أي (^١): المشاورة.
أو من الأمر وهو ضدُّ النهي.
﴿أَرْجِهْ﴾ من قرأه بالهمز: فهو من أرجأتُ الرجل: إذا أخَّرتَه؛ فمعناه: أخِّرهما حتى ننظرَ في أمرهما. وقيل: المراد بالإرجاء -هنا-: السَّجن.
ومن قرأ بغير همز: فتَحتمل:
أن تكون بمعنى المهموز؛ وسُهِّلت الهمزة.
أو يكون بمعنى الرجاء؛ أي: أطْمِعْهُ.
وأما ضمُّ الهاء وكسرُها: فلغتان.
وأما إسكانها: فلعله أُجرى فيها الوصل مجرى الوقف.
﴿حَاشِرِينَ﴾ يعني: الشُّرَط؛ أي: جامعين للسحرة.
﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ قبل هذا محذوفٌ يدلُّ عليه سياق الكلام؛ وهو أنه بعث إلى السَّحرة.
﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ من قرأه بهمزتين: فهو استفهام.
_________________
(١) في أ، ج، هـ: «أو».
[ ٢ / ٣٧٣ ]
ومن قرأه بهمزة واحدة: فيحتمل أن يكون خبرًا، أو استفهامًا حذفت منه الهمزة.
والأجر هنا: الأُجرة؛ طلبوها من فرعون إن غلبوا موسى، فأَنْعَم لهم فرعون بها، وزادهم التَّقريب منه، والجاه عنده.
﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عطفٌ على معنى ﴿نَعَمْ﴾؛ كأنه قال: نعطيكم أجرًا ونقربكم.
واختلف في عدد السحرة اختلافًا متباينا من سبعين رجلًا إلى سبعين ألفًا؛ وكلُّ ذلك لا أصل له في صحة النقل.
﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ خيَّروا موسى بين أن يبدأ بالإلقاء أو يبدؤوا هم بإلقاء سِحْرهم، فأمرهم أن يلقوا.
وانظر كيف عبَّروا عن إلقاء موسى بالفعل، وعن إلقاء أنفسهم بالجملة الاسمية؛ إشارةً إلى أنهم أهلُ الإلقاء المتمكنون فيه.
﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: خوَّفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر.
﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ لما ألقاها صارت ثعبانًا عظيمًا على قَدْر الجبَل.
وقيل: إنه طال حتى جاوز النَّيل.
﴿تَلْقَفُ﴾ أي: تبتلعُ.
﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: ما صوَّروا من إفكهم وكذبهم.
وروي: أن الثعبان أكل ملءَ الوادي من حبالهم وعصيِّهم، ومدَّ موسى يده إليه فصار عصًا كما كان، فعَلِم السحرةُ أن ذلك ليس من السحر،
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وليس في قدرة البشر، فآمنوا بالله وبموسى ﵇.
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية؛ وعيدٌ من فرعون للسحرة.
وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكنه روي أنه أنفذه عن ابن عباس وغيره.
وقد ذُكر معنى ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ في «العقود» (^١).
﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ أي: لا نبالي بالموت؛ لانقلابنا إلى ربِّنا.
﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾ أي: ما تَعيب منَّا إلَّا إيمانَنا.
_________________
(١) انظر صفحة ١٧١.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
[﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾].
﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يُخربوا ملك فرعون وقومه ويخالفوا دينه.
﴿وَيَذَرَكَ﴾ معطوفٌ على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾، أو منصوبٌ بإضمار «أنْ» بعد الواو.
﴿وَآلِهَتَكَ﴾ قيل: إن فرعون كان قد جعل للناس أصنامًا يعبدونها، وجعل نفسه الإله الأكبر؛ فلذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]؛ فـ ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ - على هذا -: هي تلك الأصنام.
وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس: «وَإِلَهَتَكَ»؛ أي: عبادتكَ والتذللَ لك.
﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ تعليلٌ للصبر الذي أمرهم به.
يعني: أرض الدنيا هنا وفي قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.
وقيل: يعني: أرض فرعون.
فأشار لهم موسى أولًا بالنصر في قوله: ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ﴾، ثم صرّح به في قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ الآية.
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ حضٌّ على الاستقامة والطاعة.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
[﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾].
﴿بِالسِّنِينَ﴾ أي: بالجدب والقحط (^١).
﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ الآية؛ أي: إذ جاءهم الْخَصْبُ والرَّخاءُ قالوا: هذا لنا وبِسَعْدِنا، ونحن مستحقُّون له، وإذ جاءهم الجدب والشدة ﴿يَطَّيَّرُوا
_________________
(١) في د: «والقحط».
[ ٢ / ٣٧٧ ]
بِمُوسَى﴾ أي: قالوا: هذا بشؤمه.
فإن قيل: لم قال: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ بـ «إذا» وتعريف الحسنة، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ بـ «إن» وتنكير السيئة؟.
فالجواب: أن الحسنة وقوعها كثير، والسيئة وقوعها نادر؛ فعرَّف الكثير الوقوع باللام التي للعهد، وذكره بـ «إذا»؛ لأنها تقتضي التحقيق، وذكر السيئة بـ «إن» لأنها تقتضي الشك، ونكرها للتقليل.
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: إنما حظُّهم ونصيبهم الذي قُدّر لهم من الخير والشر عند الله.
وهو مأخوذ من زَجْرِ الطير، ثم سُمّي به ما يصيب الإنسان.
ومقصود الآية: الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم.
﴿مَهْمَا﴾ هي «ما» الشرطية ضُمَّت إليها «ما» الزائدة؛ نحو: «أينما»، ثم قلبت الألف هاءً.
وقيل: هي اسمٌ بسيط غير مركب.
والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود على ﴿مَهْمَا﴾.
وإنما قالوا: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾:
على تسميةِ موسى لها آيةً.
أو على وجه التهكُّم.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ روي: أنه كان مطرًا شديدًا دائمًا، مع فَيْضِ النيل
[ ٢ / ٣٧٨ ]
حتى هَدَم بيوتهم، وكادوا يَهْلِكون، وامتنعوا من الزراعة.
وقيل: هو الطَّاعون.
﴿وَالْجَرَادَ﴾ هو المعروف؛ أكل زرعهم وثمارهم حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسُقُفَ بيوتهم.
﴿وَالْقُمَّلَ﴾ قيل: هي صغار الجراد. وقيل: البراغيث. وقيل: السُّوس.
وقرئ «القَمَلَ» - بفتح القاف والتخفيف -؛ فهي - على هذا -: القمل المعروف، وكانت تتعلَّق بلحومهم وشعورهم (^١).
﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ هي المعروفة؛ كثرت عندهم حتى امتلأت بها فُرُشهم وأوانيهم، وإذا تكلَّم أحدهم وثَب الضفدع إلى فمه (^٢).
﴿وَالدَّمَ﴾ صارت مياهُهم دمًا؛ فكان يستقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد، فيخرج ما يلي القبطي دمًا، وما يلي الإسرائيلي ماءً.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أي: العذاب؛ وهي الأشياء المتقدمة، وكانوا مهما نزل بهم أمرٌ منها عاهدوا موسى على أن يؤمنوا به إن كشفه عنهم، فإذا (^٣) كشفه عنهم نقضوا العهد وتمادَوا على كفرهم.
﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: بذِمَامِك إليه ووسائلك.
_________________
(١) هذه اللفظة لم ترد في أ، ب، ج، هـ.
(٢) في ب: «وقع الضفدع في فمه».
(٣) في أ، ب، ج: «فلما».
[ ٢ / ٣٧٩ ]
والباء تحتمل:
أن تكون للقسم، وجوابه ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾.
أو تتعلَّق بـ ﴿ادْعُ لَنَا﴾؛ أي: توسَّلْ إليه بما عهد عندك.
﴿فِي الْيَمِّ﴾ البحر حيث وقع.
﴿الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ هم بنو إسرائيل.
﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الشام ومصر.
﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي: بالخصْب، وكثرة الأرزاق.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي نفذت لهم واستقرَّت.
والكلمة هنا:
ما قُضِي لهم في الأزل.
وقيل: هي قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥].
﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أي: يبنون.
وقيل: هي الكُرُوم وشبهُها.
فهو على الأوَّل: من العَرْش.
وعلى الثاني: من العَرِيش.
﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ أي: اجعل لنا صنمًا نعبده كما يعبد هؤلاء أصنامهم.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
ولما تمَّ خبر موسى مع فرعون: ابتدأ خبرُه مع بني إسرائيل من هنا إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾.
﴿مُتَبَّرٌ﴾ من التَّبار؛ وهو الهلاك.
﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وما بعده: مذكور في «البقرة» (^١).
_________________
(١) انظر (١/ ٣١٢).
[ ٢ / ٣٨١ ]
[﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾].
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ روي: أن الثلاثين: هي شهر ذي القعدة، والعشر بعدها: هي العَشْرُ الأول من ذي الحجة؛ وذلك تفصيل للأربعين المذكورة في «البقرة».
﴿مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ أي: ما وَقَّت له من الوقت لمناجاته في الطُّور.
﴿اخْلُفْنِي﴾ أي: كن خليفتي على بني إسرائيل مدة مغيبي.
﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي﴾ لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها،
[ ٢ / ٣٨٢ ]
كما قال الشاعر:
وأبرحُ ما يكون الشَّوقُ يومًا … إذا دنت الدِّيارُ من الديارِ (^١)
واستدلَّ الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزةٌ عقلًا، وأنها لو كانت محالًا لم يسألها موسى ﵇؛ فإن الأنبياء ﵈ يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل عليه.
وتأوَّل الزمخشري طلب موسى للرؤية بوجهين:
أحدهما: أنه إنما سأل ذلك تَبْكِيتًا لمن خرج معه من بني إسرائيل، فهم (^٢) الذين طلبوا الرؤية، فقالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ فقال موسى ذلك ليسمعوا الجواب في المنع فيتأدَّبوا.
والآخر: أن معنى ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾: عرِّفني نفسَك تعريفًا واضحًا جليًّا (^٣).
وكلا الوجهين بعيد، والثاني أبعد وأضعف؛ فإنه لو لم يكن المراد الرؤية لم يقل له ﴿انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ الآية.
﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ قال مجاهد وغيره: إن الله قال لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؛ لأنك لا تطيق ذلك، ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشدُّ،
_________________
(١) البيت لإسحاق بن إبراهيم الموصلي، المعروف بإسحاق النديم؛ لمنادمته لعدد من الخلفاء العباسيين. انظر: الوافي بالوفَيَات (٨/ ٢٥٥).
(٢) لم ترد في ب، ج.
(٣) انظر: الكشاف (٦/ ٥٥١).
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فإن استقرَّ وأطاق الصبر لهيبتي أمكن أن تراني أنت، وإن لم يطق الجبل فأحرى أن لا تطيق أنت. فعلى هذا؛ إنما جعل الله الجبل مثالًا لموسى.
وقال قوم: المعنى: سأتجلى لك على الجبل؛ وهذا ضعيف؛ يبطله قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾.
فإذا تقرَّر هذا؛ فقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ نفيٌ للرؤية، وليس فيه دليلٌ على أنها محال؛ فإنه إنما جعل علَّة النفي: عدم إطاقة موسى الرؤية لا استحالتها.
ولو كانت الرؤية مستحيلةً؛ لكان في الجواب زجرٌ وإغلاظ، كما قال الله لنوح: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].
فهذا المنع من رؤية الله إنما هو في الدنيا؛ لضعف البنية البشرية عن ذلك.
وأما في الآخرة: فقد صرَّح بوقوع الرؤية كتابُ الله وسنة رسوله ﷺ، فلا ينكرها إلَّا مبتدع.
وبين المعتزلة وأهل السنة في مسألة الرؤية نزاعٌ طويل.
وفي هذه القصة قَصَصٌ كثيرٌ تركته؛ لعدم صحته، ولما فيه من الأقوال الفاسدة.
﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكًا؛ فهو مصدر بمعنى مفعول، كقولك: ضربُ الأمير.
والدَّكُّ والدَّقُّ: أخوان؛ وهو التفتُّت.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
وقرئ: ﴿دَكَّاءَ﴾ - بالمد والهمز -؛ أي: أرضًا دكاءً:
قيل: ذهب أعلى الجبل وبقي أكثره.
وقيل: تفتت حتى صار غبارًا.
وقيل: ساخ في الأرض، وأفضى إلى البحر.
﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي: مغشيًا عليه.
﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ معناه: تبت من سؤال الرؤية في الدنيا وأنا لا أطيقها.
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أولُ قومه، أو أهل (^١) زمانه، أو على وجه المبالغة في السَّبْق إلى الإيمان.
﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ عمومٌ يراد به الخصوص؛ فإِنَّ جميع الرسل قد شاركوه في الرسالة.
واختلف: هل كلم الله غيره من الرسل أم لا؟.
والصحيح: أنه كلم نبينا محمدًا ﷺ ليلة الإسراء.
﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ تأديب؛ أي: اقنعْ بما أعطيتك من رسالتي وكلامي، ولا تطلب غير ذلك.
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ أي: في ألواح التوراة.
وكانت: سبعة، وقيل: عشرة، وقيل: اثنان.
وقيل: كانت من زُمُرُّد، وقيل: من ياقوت، وقيل: من خشب.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «أول».
[ ٢ / ٣٨٥ ]
﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عمومٌ يراد به الخصوص فيما يحتاجون إليه في دينهم. وكذلك: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
وموضع ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: نصبٌ؛ على أنه مفعول ﴿كَتَبْنَا﴾، و﴿مَوْعِظَةً﴾: بدلٌ منه.
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجِدٍّ وحزمٍ (^١). والضمير للتوراة.
﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ أي: فيها ما هو حَسَنٌ وأحسنُ منه؛ كالقصاص مع العفو، وكذلك سائر المباحات من المندوبات.
﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: دار فرعون وقومه؛ وهي مصر. والمعنى: أريكم كيف أَقْفَرَتْ منهم لما هلكوا.
وقيل: منازل عاد وثمود ومَن هلك مِنْ الأمم المتقدمة؛ ليعتبروا بها.
وقيل: جهنم.
وقرأ ابن عباس: «سأورثكم» - بالثاء المثلثة -؛ من الوراثة.
وهي - على هذا - مصرُ؛ لقوله ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩].
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآياتُ: يحتمل - هنا - أن يراد بها:
آيات القرآن وغيره من الكتب.
أو العلامات والبراهين.
_________________
(١) في أ: «وعزم».
[ ٢ / ٣٨٦ ]
والصَّرْف يراد به: صدُّهم عن فَهْمِها وعن الإيمان بها؛ عقوبةً لهم على تكبُّرهم.
وقيل: الصَّرْف: مَنْعُهم من إبطالها.
﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ يجوز أن يكون:
من إضافة المصدر إلى المفعول به؛ أي: ولقائهم الآخرةَ.
أو من إضافة المصدر إلى الظرف.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
[﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾].
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى﴾ هم بنو إسرائيل.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد غيبته في الطور.
﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ -بضم الحاء والتشديد-: جمع حَلْيٍ؛ نحو ثَدْيٍ وثُدُيٍّ.
وقرئ بكسر الحاء؛ للإتباع.
وقرئ بفتح الحاء وإسكان اللام.
والحَلْيُ: هو ما يُتزيَّن به من الذهب والفضة.
﴿جَسَدًا﴾ أي: جسمًا دون روح. وانتصابه على البدل.
﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ الخوار: هو صوت البقر.
وكان السامريُّ قد قبَض قبضة من تراب أثَر فرس جبريل يوم قطع البحرَ، فقذَفَه في العجل فصار له خوارٌ.
وقيل: كان إبليس يدخل في جوف العجل فيصيح فيه، فيُسمع له خوار.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ ردٌّ عليهم، وإبطال لمذهبهم الفاسد في عبادته.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
﴿اتَّخَذُوهُ﴾ أي: اتَّخَذُوه إلهًا؛ فحذف المفعول الثاني للعلم به.
وكذلك حذف من قوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى﴾.
﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا؛ يقال: سُقِط في يد فلان: إذا عجز عما يريد، أو وقع فيما يكره.
﴿أَسِفًا﴾ شديد الحزن على ما فعلوا.
وقيل: شديد الغضب؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥].
﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ أي: قُمتم مقامي.
وفاعل «بئس» مضمرٌ؛ يفسره «ما»، واسم المذموم محذوف.
والمخاطب بذلك:
إما القوم الذين عبدوا العجل مع السَّامري؛ حيث عبدوا غير الله في غَيْبة موسى عنهم.
أو رؤساء بني إسرائيل كهارون ﵇؛ حيث لم يكفُّوا الذين عبدوا العجل.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ معناه: أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حتى يرجع من الطور؛ فإنهم لما رأوا أنَّ الأمر قد تمَّ ظنوا أن موسى ﵇-قد مات فعبدوا العجل.
﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ طرحها؛ لما لحقه من الدَّهَش والضَّجَر؛ غضبًا لله من عبادة العجل.
﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ أي: بشَعَر رأسه يجرُّه؛ لأنه ظنَّ أنه فرَّط في كفِّ الذين عبدوا العجل.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
﴿ابْنَ أُمَّ﴾ كان هارون شقيق موسى، وإنما دعاه بأُمِّهِ؛ لأنه أدعى إلى العَطْفِ والحُنُوِّ.
وقرئ: ﴿ابْنَ أُمِّ﴾:
بالكسر؛ على الإضافة إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء.
وبالفتح؛ تشبيها بخمسة عشر؛ جعل الاسمان اسمًا واحدًا فبُني.
﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تظنَّ أني منهم.
أو: لا تجدُ عليَّ في نفسك ما تجدُ عليهم؛ يعني: أصحاب العجل.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
[﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾].
﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ﴾ أي: غضبٌ في الآخرة، وذلَّةٌ في الدنيا.
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: سكن؛ وكذلك قرأ بعضهم.
وقال الزمخشري: قوله: ﴿سَكَتَ﴾ مَثَلٌ؛ كأنَّ الغضب كان يقول له: أَلْقِ الألواح وجُرَّ برأس أخيك، ثم سكت عن ذلك (^١).
﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي: فيما ينسخ منها، والنُّسخة: فُعْلَةٌ بمعنى مفعول.
﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي: يخافون.
_________________
(١) انظر: الكشاف (٦/ ٥٩٥).
[ ٢ / ٣٩١ ]
ودخلت اللام؛ لتقدُّم المفعول؛ كقوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣].
وقال المبرِّد: تتعلَّق بمصدر تقديره: رهبتهم لربهم.
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومه سبعين رجلًا، حملهم معه إلى الطور فسَمعوا (^١) كلام الله لموسى، فقالوا: أرنا الله جهرة، فأخذتهم الرجفة؛ عقابًا لهم على قولهم.
وقيل: إنما أخذتهم الرجفة لعبادتهم العجل، أو لسكوتهم عن (^٢) عبادته. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣].
ويحتمل أن تكون رجفة:
موتٍ.
أو إغماءٍ.
والأول أظهر؛ لقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦].
﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ يحتمل أن تكون ﴿لَوْ﴾ هنا للتمني؛ أي: تمنَّى أن يكون هو وهم قد ماتوا قبل ذلك؛ لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين.
ويحتمل أن يكون قال ذلك على وجه التضرُّع والاستسلام لأمر الله؛ كأنه
_________________
(١) في ب، ج، هـ: «فيسمعوا».
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «على».
[ ٢ / ٣٩٢ ]
قال: لو شئت أن تهلكنا قبل ذلك لفعلت؛ فإنَّا عبيدك وتحت قهرك، وأنت تفعل ما تشاء.
ويحتمل أن يكون قالها على وجه التضرُّع والرغبة؛ كأنه قال: لو شئت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت، لكنَّك عافيتنا وأبقيتنا فافعل معنا الآن كما عوَّدتنا (^١)، وأحِي هؤلاء القوم الذين أخذتهم الرجفة.
﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ أي: أتهلكني وتهلك بني إسرائيل بما فعل السفهاء الذين طلبوا الرؤية، والذين عبدوا العجل.
فمعنى هذا: إدلاءٌ بحجته، وتبرُّؤٌ من فعل السفهاء، ورغبةٌ إلى الله أن لا يعمَّ الجميع بالعقوبة.
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: الأمور كلها بيدك تضلُّ من تشاء وتهدي من تشاء.
ومعنى هذا: اعتذارٌ عن فعل السفهاء بأنه (^٢) كان بقضاء الله ومشيئته.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تُبْنَا.
وهذا الكلام الذي قاله موسى ﵇ إنما هو كلُّه استعطافٌ ورغبة إلى الله وتضرُّع إليه، ولا يقتضي شيئًا مما توهم الجُهَّال فيه من الجفاء في قوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾؛ لأنَّا قد بيَّنَّا أنه إنما قال ذلك استعطافًا لله، وبراءةً من فعل السفهاء.
_________________
(١) في أ، ج، د، هـ: «وعدتنا».
(٢) في د: «فإنه».
[ ٢ / ٣٩٣ ]
﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ قيل: الإشارة بذلك إلى الذين أخذتهم الرجفة.
والصحيح: أنه عموم يندرجون فيه مع غيرهم.
وقرئ «من أساء» -بالسين وفتح الهمزة-؛ من الإساءة، وأنكرها بعض المقرئين وقال: إنها تصحيف.
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يحتمل أن يريد رحمته في الدنيا؛ فيكون خصوصًا في الرحمة، وعمومًا في كل شيء؛ لأنَّ المؤمن والكافر والمطيع والعاصي تنالهم رحمة الله ونعمته في الدنيا.
ويحتمل أن يريد رحمة الآخرة؛ فيكون خصوصًا في كل شيء؛ لأنَّ الرحمة في الآخرة مختصة بالمؤمنين.
ويحتمل أن يريد جنس الرحمة على الإطلاق؛ فيكون عمومًا في الرحمة، وفي كل شيء.
﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إن كانت الرحمة المذكورة رحمة الآخرة: فهي -بلا شك- مختصة بهؤلاء الذين كتبها الله لهم، وهم أُمَّة محمد ﷺ.
وإن كانت رحمة الدنيا: فهي -أيضًا- مختصة بهم؛ لأن الله نصرهم على جميع الأمم، وأعلى دينهم على جميع الأديان، ومكَّن لهم في الأرض ما لم يمكّن لغيرهم.
وإن كانت على الإطلاق: فقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ تخصيص للإطلاق.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء،
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وليس ذلك لغير هذه الأمة.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ هذا الوصف خَصَّص أمة محمد ﷺ.
قال بعضهم: لما قال الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ طمع فيها كلُّ أحد حتى إبليس، فلما قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ يئس إبليس، وبقيت اليهود والنصارى، فلما قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ الآية: يئس اليهود والنصارى (^١).
﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ أي: الذي لا يقرأ ولا يكتب، وذلك من أعظم دلائل نبوة محمد (^٢) ﷺ؛ لأنه أتى بالعلوم الجمَّة من غير قراءة ولا كتابة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
قال بعضهم: الأُمِّيُّ منسوبٌ إلى الأمِّ، وقيل: إلى الأمَّة (^٣).
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ ضمير الفاعل في ﴿يَجِدُونَهُ﴾ لبني إسرائيل، وكذلك الضمير في ﴿عِندَهُمْ﴾. ومعنى ﴿يَجِدُونَهُ﴾: يجدون نعته وصفته.
* ولنذكر هنا ما ورد في التوراة والإنجيل وأخبار المتقدمين من ذكر نبينا ﷺ:
فمن ذلك: ما ورد في البخاري وغيره أنَّ في التوراة من صفة النبي ﷺ:
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (١٠/ ٤٨٣ - ٤٨٤).
(٢) في ج، د: «نبوته».
(٣) في أ، ب، هـ: «للأمة».
[ ٢ / ٣٩٥ ]
«يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، أسميتك المتوكل، ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب (^١) في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح (^٢)، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء؛ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به عيونًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا» (^٣).
ومن ذلك: ما في التوراة مما أجمع عليه أهل الكتاب، وهو باق بأيديهم إلى الآن: «إنَّ الملك نزل على إبراهيم فقال له: في هذا العام يولد لك غلام اسمه إسحاق، فقال إبراهيم: يا ربّ ليت إسماعيل يعيش يخدمك، فقال الله لإبراهيم: ذلك لك، قد استجيب لك في إسماعيل، وأنا أباركه وأنميه وأكبره وأعظمه بماذْ مَاذْ».
وتفسير هذه الحروف: محمد.
ومن ذلك: في التوراة: «إنَّ الربَّ تعالى جاء في طور سيناء، وطلع من ساعير، وظهر من جبال فاران».
ويعني بطور سيناء: موضع مناجاة موسى ﵇، وساعير: موضع عيسى ﵇، وفاران: هي مكة موضع مولد نبينا محمد ﷺ ومبعثه.
ومعنى ما ذُكر من مجيء الله وطلوعه وظهوره: هو ظهور دينه على يد محمد.
_________________
(١) الذي في الرواية: «سخَّاب» بالسين، وهما بمعنى واحد، قال في النهاية (٥/ ٢٢٨٩): «الصَّخَب والسَّخَب: الضجَّة واضطراب الأصوات للخصام».
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «ولا تجزي .. تعفو وتصفح»، والمثبت موافق لما في الرواية.
(٣) أخرجه البخاري (٢١٢٥)، (٤٨٣٨).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
الأنبياء الثلاثة المنسوبين لتلك المواضع.
وتفسير ذلك: ما في كتاب أشعيا خطابًا لمكة: «قومي فأزهري مصباحك، فقد دنا وقتك، وكرامةُ الله طالعةٌ عليك، فقد تجلَّل الأرضَ الظلامُ، وغطَّى على الأمم المصاب، والربُّ يشرق عليك إشراقًا، ويُظهِر كرامته عليك، تسير الأمم إلى نورك، والملوك إلى ضوء طلوعك، ارفعي بصرك إلى ما حولك، وتأملي فإنهم مستجمعون عندك، وتحجُّ إليك عساكر الأمم».
وفي بعض كتبهم: «لقد تقطَّعت السماء من بهاء محمد المحمود، وامتلأت الأرض من حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته».
ومن ذلك: في التوراة: «أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة تراءى لها مَلَك فقال لها: يا هاجر أين تريدين؟ ومن أين أقبلت؟ فقالت: أهربُ من سيدتي سارة، فقال لها: ارجعي إلى سارة وستحبلين وتلدين ولدًا اسمه إسماعيل وهو يكون عين الناس، وتكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطةً إليه بالخضوع».
ووجه دلالة هذا الكلام على نبوة محمد ﷺ: أن هذا الذي وعدها به المَلَكُ من أن يد ولدها فوق الجميع وأن يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع إنما ظهرت بمبعث النبي محمد ﷺ وظهور دينه وعلوِّ كلمته، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره قبل محمد ﷺ.
ومن ذلك: في التوراة - أيضًا -: «أن الرب يقيم لهم نبيًا من إخوتهم،
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وأيُّ رجلٍ لم يسمع الكلام الذي يؤديه ذلك النبي عن الله فينتقم (^١) الله منه». ودلالة هذا الكلام ظاهرةٌ بأن أولاد إسماعيل هم إخوة أولاد إسحاق، وقد انتقم الله من اليهود الذين لم يسمعوا كلام محمد ﷺ كبني قريظة وبني قينقاع وغيرهم.
ومن ذلك: في التوراة: «إن الله أوحى إلى إبراهيم ﵇: قد أجبتُ دعاءك في إسماعيل، وباركت عليك، وسيلد اثني عشر عظيمًا، وأجعله لأمة عظيمة».
ومن ذلك: في الإنجيل: «أن المسيح قال للحواريين: أنا ذاهب عنكم، وسيأتيكم البارَقْليط الذي لا يتكلَّم من قِبَلِ نفسه، إنما يقول كما يُقال له».
وبهذا وصف الله سبحانه نبينا محمد ﷺ في قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].
وتفسير البارقليط: أنه مشتق من الحمد، واسم نبينا ﷺ محمدٌ وأحمدُ.
وقيل: معنى البارقليط: الشافع المشفع.
ومن ذلك: في التوراة: «أن مولده بمكة، ومسكنه بطيبة، وأمته الحمادون».
وبيان ذلك: أن أمته يقرأون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في صلاتهم مرارًا كثيرة في كل يوم وليلة.
وعن شهر بن حوشب مثل ذلك في إسلام كعب الأحبار، وهو من اليمن
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «ينتقم».
[ ٢ / ٣٩٨ ]
من حِمْيَرَ: أن كعبًا أخبره بأمره وكيف كان ذلك، وقال كان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله ﷺ، وكان من عظمائهم وخيارهم، قال كعب: وكان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من التوراة، وبكُتُبِ الأنبياء، ولم يكن يدَّخر عني شيئًا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعاني، فقال: يا بني قد علمت أني لم أكن أدَّخر عنك شيئًا مما كنت أعلمُ، إلَّا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث، وقد أظلَّ زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذَّابين فتتبعه، وقد قطعتهما من كتابك وجعلتهما في هذه الكُوَّة التي ترى وطَيَّنت عليهما، فلا تتعرَّض لهما ولا تنظرهما زمانك هذا، وأقِرَّهما في موضعهما حتى يخرج ذلك النبي، فإذا خرج فاتَّبعه وانظر فيهما؛ فإن الله يزيدك بذلك خيرًا. فلما مات والدي لم يكن شيءٌ أحبَّ إلي من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين، فلما انقضى المأتم فتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما: «محمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين، لا نبي بعده، مولده بمكة، ومُهَاجَره بطيبة، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمَّادون الذي يَحمَدون الله على كل شرف، وعلى كل حال، وتُذلَّلُ (^١) ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء، ويأتزرون على أوساطهم، وأناجيلُهم في صدورهم، ويأكلون قُربانهم في بطونهم ويؤجرون عليها، وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم.
_________________
(١) في أ: «وتتذلل».
[ ٢ / ٣٩٩ ]
والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، وهم السابقون المقربون، والشافعون المشفع لهم».
فلما قرأتُ هذا قلت في نفسي: والله ما علَّمني شيئًا خيرًا لي من هذا، فمكثت ما شاء الله حتى بُعث النبي ﷺ وبيني وبينه بلاد بعيدة منقطعة لا أقدر على إتيانه، وبلغني أنه خرج في مكة فهو يظهر مرة ويستخفي مرة، فقلت: هو هذا، وتخوفت ما كان والدي حذّرني وخوفني من ذكر الكذابين، وجعلت أحبُّ أن أتبين وأتثبت، فلم أزل بذلك حتى بلغني أنه أتى المدينة، فقلت في نفسي: إني لأرجو أن يكون إياه، وجعلت ألتمس السبيل إليه، فلم يُقدَّر لي حتى بلغني أنه توفي رسول الله ﷺ، فقلت في نفسي: لعلَّه لم يكن الذي كنت أظن.
ثم بلغني أن خليفةً قام مقامه، ثم لم ألبث إلَّا قليلًا حتى جاءتنا جنوده فقلت في نفسي: لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أهم الذين كنت أرجو وأنتظرُ، وأنظر كيف سيرتهم وأعمالهم، وإلى ما تكون عاقبتهم.
فلم أزل أدفع ذلك وأؤخّره لأتبين وأتثبت حتى قدِم علينا عمر بن الخطاب، فلما رأيت صلاة المسلمين وصيامهم وبِرَّهم ووفاءهم بالعهد، وما صنع الله لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذي كنت أنتظر، فحدثت نفسي بالدخول في الإسلام، فوالله إني ذات ليلة فوق سطح لي إذا برجل من المسلمين يتلو كتاب الله حتى أتى على هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [النساء: ٤٧]،
[ ٢ / ٤٠٠ ]
فلما سمعت هذه الآية خشيت والله ألا أصبح حتى يحوَّل وجهي في قفاي، فما كان شيء أحبَّ إليَّ من الصباح، فغدوتُ على عمر فأسلمت حين أصبحت.
وقال كعبٌ لعمر عند انصرافه إلى الشام: يا أمير المؤمنين إنه مكتوب في كتاب الله: إن هذه البلاد، التي كان فيها بنو إسرائيل، وكانوا أهلها؛ مفتوحةٌ على يد رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، سرُّه مثل علانيته، وعلانيته مثل سرِّه، وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد عنده في الحق سواء، وأتباعه رهبان بالليل أُسْدٌ بالنهار، متراحمون متواصلون متباذلون.
فقال له عمر: ثكلتك أمك، أحقٌّ ما تقول؟ قال: إي والذي أنزل التوراة على موسى والذي يسمع ما نقول إنه لحق.
فقال عمر: الحمد لله الذي أعزَّنا وشرفنا وأكرمنا ورحمنا بمحمد ﷺ، وبرحمته التي ﴿وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ﴾ (^١).
ومن ذلك: كتاب فروة بن عمرو الجذامي إلى رسول الله ﷺ، وكان من ملوك العرب بالشام، فكتب إليه: «بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، لمحمد رسول الله من فروة بن عمرو: إني مقرٌّ بالإسلام مصدِّقٌ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وأنه الذي بشَّر به عيسى ابن مريم ﵇»، فأخذه هرقل لما بلغه إسلامه وسجنه فقال: والله لا أفارق دين محمد أبدًا
_________________
(١) أخرجه الواقدي في فتوح الشام (ص: ٢٣٣ - ٢٣٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٠/ ١٦١).
[ ٢ / ٤٠١ ]
فإنك تعرف أنه النبي الذي بشَّر به عيسى بن مريم، ولكنك حرصت على ملكك وأحببت بقاءه، فقال قيصر: صدَق والإنجيل (^١).
ويشهد لهذا ما خرَّجه البخاري ومسلم من كتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل، وسؤال هرقل عن أحواله وأخلاقه ﷺ، فلما أخبر بها علم أنه رسول الله، وقال: إنه يملك موضع قدميَّ، ولو خلَصت إليه لغسلت قدميه (^٢).
ومن حديث زيد بن أسلم عن أبيه - وهو عندنا بالإسناد - أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج زمان الجاهلية مع ناس من قريش في التجارة إلى الشام، قال: فإني لفي سوق من أسواقها إذا أنا ببطريق قد قبض على عنقي، فذهبت أنازعه فقيل لي: لا تفعل فإنه لا نَصَف لك منه، فأدخلني كنيسةً فإذا تراب عظيم ملقى، فجاءني بزنبيل ومِجرفة فقال لي: انقل ما هاهنا، فجعلت أنظر كيف أصنع، فلما كان من الهاجرة وافاني وعليه ثوبٌ أرى سائر جسده منه، فقال: أثنك على ما أرى ما نقلت شيئًا!، ثم جمع يديه فضرب بهما دماغي، فقلت: واثكل أمك يا عمر، أبلغتَ ما أرى؟، ثم وثبت إلى المجرفة فضربت بها هامته فنشرتُ دماغه ثم واريته في التراب وخرجت على وجهي لا أدري أين أسير، فسرت بقية يومي وليلتي من الغد إلى الهاجرة فانتهيت إلى ديرٍ فاستظللت بفنائه، فخرج إليَّ رجل منه فقال لي: يا عبد الله ما يُقعدك هنا؟ فقلت: أضللتُ أصحابي، فقال لي: ما أنت على طريقٍ وإنك لتنظر بعيني
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٢٧٢)، وابن الجوزي في المنتظم (٤/ ٩) بمعناه، وذكره الكلاعي في «الاكتفاء» (٢/ ٢٦) بلفظه، وعزاه إلى الواقدي وأنه ذكره بإسناده، وقد ذكر الكلاعي في مقدمة كتابه أنه ينقل من كتاب المبعث للواقدي.
(٢) أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
خائف!، فادخُلْ فأصِبْ من الطعام واسترحْ، فدخلت فأتاني بطعام وشراب وأطعمني، ثم صعَّد فيَّ النظر وصوَّبه، فقال: قد علم والله أهل الكتاب أو الكتب أنه ما على الأرض أعلم بالكتاب أو بالكتب مني، وإني لأرى صفتكَ الصفة التي تخرجنا من هذا الدير وتغلبنا عليه، فقلتُ: يا هذا لقد ذهبتَ بي في غير مذهب!، فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: عمر بن الخطاب، فقال: أنت والله صاحبُنا، فاكتب لي على ديري هذا وما فيه، فقلت: يا هذا إنك قد صنعت إليَّ صنيعةً فلا تكدِّرْها، فقال: إنما هو كتاب في رَقٍّ، فإن كنت صاحبنا فذلك، وإلا لم يضرَّك شيءٌ، فكتب (^١) له على ديره وما فيه، فأتاني بثياب ودراهم فدفعها إليَّ ثم أَوْكَفَ أتانًا فقال لي: أتراها؟ فقلت: نعم، قال: سِرْ عليها، فإنك لا تمرُّ بقوم إلَّا سَقَوْها وعلفوها وأضافوك، فإذا بلغت مأْمَنَك فاضرب وجهها مدبرةً فإنهم يفعلون بها كذلك حتى ترجع إليَّ، قال: فركبتها فكان كما قال، حتى لحقتُ بأصحابي وهم متوجّهون إلى الحجاز، فضربتُها مدبرةً وانطلقتُ معهم.
فلما وافى عمرُ الشامَ في زمان خلافته جاءه ذلك الراهب بالكتاب وهو صاحب دير العرس، فلما رآه عرفه، فقال: قد جاء ما لا مذهب لعمر عنه، ثم أقبل على أصحابه فحدَّثهم بحديثه، فلما فرغ منه أقبل على الراهب فقال: هل عندكم من نفع للمسلمين؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: إن أضفتم المسلمين ومرَّضتموهم وأرشدتموهم فعلنا ذلك، قال: نعم يا أمير المؤمنين فوفَّى له عمر ﵁ ورحمه (^٢).
_________________
(١) في د: «فكتبتُ».
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٦)، (٦٤/ ٢٨٩).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وعن سيف (^١) يرفعه إلى سالم بن عبد الله قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق فقال: السلام عليك يا فاروق أنت صاحب إيلياء؛ والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء (^٢).
ومن ذلك أن عمرو بن العاص قدم المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ قد أرسله إلى عُمان واليًا عليها، فجاءه يومًا يهودي من يهود عمان فقال له: أنشدُكَ بالله، مَنْ أرسلك إلينا؟ فقال له: رسول الله ﷺ، فقال اليهودي: والله إنك لتعلم أنه رسول الله؟، قال عمرو: نعم، فقال اليهودي: لئن كان حقًّا ما تقول لقد مات اليوم.
فلما سمع عمرو ذلك جمع أصحابه وكتب ذلك اليوم الذي قال له اليهوديُّ أن النبي ﷺ مات فيه، ثم خرج فأُخبر بموت النبي ﷺ وهو في الطريق، ووجده قد مات في ذلك اليوم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم وبارك وشرَّف وكرَّم (^٣).
ومن ذلك: أن وفد غسَّان قدموا على رسول الله ﷺ فلقيهم أبو بكر الصديق فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: رهطٌ من غسان قدمنا على محمد لنسمع
_________________
(١) هو سيف بن عمر التميمي الضبي، صاحب كتاب «الردة والفتوح» وغيره. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٤/ ٦٤١).
(٢) لعله ذكر هذا في كتابه الردة والفتوح، والمطبوع منه ناقص، يبدأ من قصة استشهاد عمر ﵁ وحديث الشورى، وقد أورده ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ١٦١) عن سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم، وأخرجه الطبري في تاريخه عن سالم بن عبد الله (٣/ ٦٠٨).
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٥٨).
[ ٢ / ٤٠٤ ]
كلامه، فقال لهم: انزلوا حيث تنزل الوفود، ثم ائتوا رسول الله ﷺ، فكلموه، فقالوا: وهل نقدر على كلامه كما أردنا؟ فتبسم أبو بكر وقال: إنه ليطوف بالأسواق، ويمشي وحده، ولا شرطة معه، ويرعب (^١) من يراه منه، فقالوا لأبي بكر: من أنت أيها الرجل؟ فقال: أنا أبو بكر بن أبي قحافة، فقالوا: أنت تقوم بهذا الأمر بعده، فقال أبو بكر: الأمر إلى الله، فقال لهم: كيف تخدعون عن الإسلام وقد أخبركم أهل الكتاب بصفته، وأنه آخر الأنبياء؟ ثم لقوا رسول الله ﷺ فأسلموا (^٢).
﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ يحتمل أن يكون هذا:
من وصف النبي ﷺ في التوراة؛ فتكون الجملة في موضع الحال من ضمير المفعول في ﴿يَجِدُونَهُ﴾.
أو تفسير لما كُتِب من ذِكْره.
أو يكون استئناف وصف من الله تعالى غير مذكور في التوراة والإنجيل.
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ مذهب مالك: أن الطيبات هي الحلال، وأن الخبائث هي الحرام.
ومذهب الشافعي: أن الطيبات هي المستلذات، إلَّا ما حرمه الشرع منها؛ كالخمر والخنزير، وأن الخبائث هي المستقذرات؛ كالخنافس والعقارب وغيرها.
_________________
(١) في أ، د: «ويرغب».
(٢) ذكره الكلاعي في الاكتفاء (١/ ٦١٧) عن الواقدي.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ هي مثل ما (^١) كُلِّفوا في شرعهم من المشقَّات؛ كقتل الأنفس في التوبة (^٢)؛ وقطع موضع النجاسة من الثوب.
وكذلك ﴿الأَغْلَالَ﴾ عبارةٌ عما مُنعت منه شريعتهم؛ كتحريم الشُّحوم، وتحريم العمل يوم السبت، وشبه ذلك.
﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: منعوه بالنَّصر؛ حتى لا يقوى عليه عدوٌّ.
﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ هو القرآن، أو الشرع كله.
ومعنى ﴿مَعَهُ﴾: مع بعثه ورسالته.
* * *
_________________
(١) في ج، د: «هو مثل لما».
(٢) في أ، ب، هـ: «التوراة».
[ ٢ / ٤٠٦ ]
[﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾].
﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ تفسيره: قوله ﷺ: «وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة» (^١).
فإعراب ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير في ﴿إِلَيْكُمْ﴾.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ نعت لله.
أو منصوب على المدح بإضمار فعل.
أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر.
﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ هي الكتب التي أنزلها الله عليه وعلى غيره من الأنبياء.
_________________
(١) هو جزء من حديث: «نصرت بالرعب ..» وقد تقدم تخريجه في ١/ ٥٨٤.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾ هم الذين ثبتوا حين تزلزل غيرهم في عصر موسى.
(أو الذين آمنوا بمحمد ﷺ في عصره) (^١).
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ أي: فرَّقناهم (^٢).
﴿أَسْبَاطًا﴾ السِّبْط في بني إسرائيل: كالقبيلة في العرب.
وانتصابه:
على البدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾، لا على التمييز؛ فإن تمييز ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ لا يكون إلَّا بمفرد.
وقال الزمخشري: على التمييز؛ لأن كل قبيلة أسباط لا سبط (^٣).
﴿فَانبَجَسَتْ﴾ أي: انفجرت؛ إلَّا أن الانبجاس أخفُّ من الانفجار.
وقال الغزنوي: الانبجاس: أول الانفجار (^٤).
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ وما بعده إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾: مذكورٌ في «البقرة» (^٥).
تنبيه: وقع اختلافٌ في اللفظ بين هذا الموضع من هذه السورة وبين (^٦)
_________________
(١) سقط من أ، ب، ج، هـ.
(٢) في أ، ب: «مزَّقناهم».
(٣) انظر: الكشاف (٦/ ٦٢٠).
(٤) انظر: عين المعاني «مخطوط» (ل: ٢٦٩)، للغزنوي السجاوندي، تقدمت ترجمته في ١/ ٩٢.
(٥) انظر: ١/ ٣١٧.
(٦) في أ، ب، هـ: «وفي».
[ ٢ / ٤٠٨ ]
سورة «البقرة»؛ كقوله: ﴿فَانفَجَرَتْ﴾ و﴿فَانبَجَسَتْ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا﴾، ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا﴾، وقوله: ﴿وَكُلُوا﴾ و﴿فَكُلُوا﴾ بالفاء:
فقال الزمخشري: لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هنالك تناقض (^١).
وعلَّلها شيخُنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير في كتاب: «مِلاك التأويل» (^٢) وصاحبُ الدُّرة (^٣) بتعليلَات؛ منها قوية وضعيفة فيها طول فتركناها؛ لطولها.
* * *
_________________
(١) انظر: الكشاف (٦/ ٦٢٦).
(٢) انظر: ملاك التأويل (١/ ٢٠٣) وما بعدها.
(٣) يعني به: أبا عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني، المعروف بالخطيب الإسكافي، انظر كتابه «درة التنزيل وغرة التأويل» (١/ ٢٣٣) وما بعدها.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
[﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾].
﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ أي: اسأل اليهود على جهة التقرير والتوبيخ.
﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ قيل: هي أَيْلَة، وقيل: هي طَبَرِيَّة، وقيل: مَدْين.
﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ قريبة منه، أو على شاطئه.
﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ أي: يتجاوزون حدَّ الله فيه؛ وهو اصطيادهم يوم السبت وقد نُهُوا عنه.
[ ٢ / ٤١٠ ]
وموضع ﴿إِذْ﴾:
بدل من ﴿الْقَرْيَةِ﴾؛ والمراد: أهلها، وهو بدل اشتمال.
أو منصوبٌ بـ ﴿كَانَتْ﴾، أو بـ ﴿حَاضِرَةَ﴾.
﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ كانت الحيتان تخرج من البحر يوم السبت حتى تصل إلى بيوتهم؛ ابتلاءً لهم؛ إذ كان صيدُها محرَّمًا عليهم في السبت، وتغيبُ عنهم في سائر الأيام.
و﴿سَبْتِهِمْ﴾ مصدرٌ من قولك: سبت اليهودي يَسْبِتُ: إذا عظَّم يوم السبت.
ومعنى ﴿شُرَّعًا﴾: ظاهرةً قريبةً منهم؛ يقال: شَرَع منا فلان: إذ دنا.
و﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ﴾:
مَنصُوبٌ بـ ﴿يَعْدُونَ﴾.
أو بدلٌ من ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ الآية؛ افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق:
فرقة عصت بالصيد يوم السبت.
وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت.
وفرقة سكتت واعتزلت، فلم تَنْهَ ولم تَعْصِ.
وإنَّ هذه الفِرقة لما رأت مجاهرة الناهية وطغيان العاصية قالوا للفرقة الناهية: لم تعظون قومًا يريد الله أن يهلكهم أو يعذبهم، فقالت الناهية:
[ ٢ / ٤١١ ]
ننهاهم معذرةً إلى الله ولعلهم يتقون.
فهلكت الفرقة العاصية، ونجت الناهية، واختلف في الثالثة: هل هلكت؛ لسكوتها؟ أو نجت؛ لاعتزالها وتركها العصيان؟.
﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ أي: شديد.
وقرئ بالهمز، وتركه، وقرئ على وزن «فَعِيل»، وعلى وزن «فَيْعَل»؛ وكلُّها من معنى البؤس.
﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: لما تكبَّروا عن ما نهوا عنه.
﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ذُكِر في «البقرة» (^١).
والمعنى: أنهم عُذِّبوا أولًا بعذاب شديد، فعَتَوْا بذلك، فمُسِخوا قردة.
وقيل: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ تكرارٌ لقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾، والعذاب البِييسُ: هو المسخ.
﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ عزَم؛ وهو من الإيذان بمعنى الإعلام.
﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية؛ أي: يسلِّط عليهم، ومن ذلك: أخذُ الجزية، وهوانهم في جميع البلاد.
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فرَّقناهم في البلاد، ففي كل بلدة فرقةٌ منهم، فليس لهم إقليم يملكونه.
_________________
(١) انظر (١/ ٣٢٣).
[ ٢ / ٤١٢ ]
﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ هم من أسلم؛ كعبد الله بن سلام، أو (^١) من كان صالحا من المتقدمين منهم.
﴿بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ أي: بالنعم والنقم.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: حدث بعدهم قوم سوء.
والخلف بسكون اللام: ذم، وبفتحها: مدح.
والمراد: من حدث من اليهود بعد المذكورين.
وقيل: المراد: النصارى.
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ أي: عرض الدنيا.
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ذلك اغترار منهم وكذب.
﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الواو للحال؛ أي: يرجون المغفرة وهم يعودون إلى مثل فعلهم.
﴿مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ إشارة إلى كذبهم في قولهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
وإعراب ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾:
عطف بيان على ﴿مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾.
أو تفسير له.
أو تكون «أن» حرف عبارةٍ وتفسير.
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «و».
[ ٢ / ٤١٣ ]
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف؛ وهما بمعنى واحدٍ.
وإعراب ﴿الَّذِينَ﴾:
عطفٌ على ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.
أو مبتدأٌ وخبره: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾؛ وقام ذِكْرُ المصلحين مقامَ الضمير؛ لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب.
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ أي: اقتلعْنَا الجبل ورفعناه فوق بني إسرائيل وقلنا لهم: خذوا التوراة حين أبوا من أَخْذِها.
وقد تقدَّم في «البقرة» تفسيرُ الظُّلَّةِ (^١)، و﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: (١/ ٤٢٧).
(٢) انظر: (١/ ٣٢٣).
[ ٢ / ٤١٤ ]
[﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾].
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الآية؛ في معناها قولان:
أحدهما: أن الله لما خلق آدم أخرج ذُرّيته من صلبه وهم مثل الذّرِّ، وأخذ عليهم العهد بأنه ربُّهم، فأقرُّوا بذلك والتزموه.
روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من طرق كثيرة، وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم.
والثاني: أن ذلك من باب التمثيل، وأن أخذ الذرية عبارة عن إيجادهم
[ ٢ / ٤١٥ ]
في الدنيا، وأما إشهادهم فمعناه: أن الله نصَب لبني آدم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: ألست بربكم وكأنهم قالوا (^١) بلسان الحال: بلى أنت ربنا.
والأول هو الصحيح؛ لتواتر الأخبار به، إلَّا أن ألفاظ الآية لا تطابقه بظاهرها، فلذلك عَدَل عنه مَنْ قال بالقول الآخر، وإنما تُطابقه بتأويل؛ وذلك أن أخذ الذرية إنما كان من صلب آدم، ولفظ الآية يقتضي أن أخذ الذرية من بني آدم!.
والجمع بينهما: أنه ذَكَر بني آدم في الآية والمراد آدم؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] الآية، على تأويل: لقد خلقنا أباكم آدم ثم صورناه.
وقال الزمخشري: إن المراد ببني آدم: أسلاف اليهود، والمراد بذريتهم: من كان في عصر النبي ﷺ منهم (^٢).
والصحيح المشهور: أن المراد جميع بني آدم حسبما ذكرنا.
﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قولهم ﴿بَلَى﴾: إقرارٌ منهم بأن الله ربهم؛ فإن تقديره: أنت ربنا؛ فإن «بلى» بعد التقرير تقتضي الإثبات، بخلاف «نعم»؛ فإنها إذا وردت بعد الاستفهام تقتضي الإيجاب، وإذا وردت بعد التقرير تقتضي النفي، ولذلك قال ابن عباس في هذه الآية: لو قالوا: «نعم» لكفروا.
_________________
(١) في أ، ج، هـ: «وقالوا».
(٢) انظر: الكشاف (٦/ ٦٤٩).
[ ٢ / ٤١٦ ]
وأما قولهم: ﴿شَهِدْنَا﴾ فمعناه: شهدنا بربوبيتك؛ فهو تحقيق لربوبية الله، وأداءٌ لشهادتهم بذلك عند الله.
وقيل: إن ﴿شَهِدْنَا﴾ من قول الله والملائكة؛ أي: شهدنا على بني آدم باعترافهم.
﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في موضع مفعول من أجله؛ أي: فَعَلْنَا ذلك كراهة أن تقولوا، فهو من قول الله، لا من قولهم.
وقرئ:
بالتاء؛ على الخطاب لبني آدم.
وبالياء؛ على الإخبار عنهم.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل، بعثه موسى ﵇ إلى ملك مَدْين داعيًا إلى الله، فرشاه الملك، وأعطاه المُلْك على أن يترك دين موسى ويتابع المَلِك على دينه ففعل، وأضلَّ الناس بذلك.
وقال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين اسمه بَلْعَام، كان عنده اسم الله الأعظم، فلما أراد موسى قتال الكنعانيين - وهم الجبارون - سألوا من بلعام أن يدعو باسم الله الأعظم على موسى وعسكره فأبى، فألَحُّوا عليه حتى دعا عليه (أن لا يدخل المدينة، ودعا موسى عليه) (^١).
_________________
(١) سقط من أ، ب، هـ.
[ ٢ / ٤١٧ ]
فالآيات التي أُعطِيَها:
على هذا القول: هي اسم الله الأعظم.
وعلى قول ابن مسعود: هي ما علَّمه موسى من الشريعة.
وقيل: كان عنده من صحف إبراهيم.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أمية بن أبي الصلت، وكان قد أوتي علمًا وحكمةً، وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك فمات كافرًا، وفيه قال النبي ﷺ: «كاد أميةُ بن أبي الصلت أن يسلم» (^١).
فالآيات على هذا: ما كان عنده من العلم.
والانسلاخ: عبارةٌ عن البُعْد والانفصال منها، كالانسلاخ من الثياب والجلد.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي: لرفعنا منزلته بالآيات التي كانت عنده.
﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ عبارةٌ عن فعله لِما سقطتْ به منزلته عند الله.
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ أي: صِفَتُه كصفة الكلب؛ وذلك غايةٌ في الخسَّة والرداءة (^٢).
﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ اللَّهَثُ: هو تنفُّسٌ بسرعة، وتحريك أعضاء الفم وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦).
(٢) في د: «والرذالة».
[ ٢ / ٤١٨ ]
مع الحرِّ والتعب، وهي حالةٌ دائمة للكلب.
ومعنى ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾: إن تفعل معه ما يشقُّ عليه من طردٍ أو غيره، ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ﴾ دون أن تحمل عليه: فهو يلهث على كل حال.
ووجه تشبيه ذلك الرجل به:
أنه إن وعظته فهو ضالٌّ، وإن لم تعظه فهو ضالٌّ، فضلالته على كل حال؛ كما أن لهث الكلب على كل حال.
وقيل: إن ذلك الرجل خَرج لسانه على صدره، فصار مثل الكلب في صورته ولهثه حقيقةً.
﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: صفة المكذبين كصفة الكلب في لهثه، أو كصفة الرجل المشبَّه به؛ لأنهم إن أُنذروا لم يهتدوا، وإن تُرِكوا لم يهتدوا.
أو شبَّههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات والمعجزات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما كان عنده من الآيات.
﴿سَاءَ مَثَلًا﴾ أي: مثلُ القوم.
﴿وَأَنفُسَهُمْ﴾ قدَّم هذا المفعول؛ للاختصاص والحصر.
﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ هم الذين عَلِم اللهُ أنهم يدخلون النار بكفرهم، فأخبر أنه خلقهم لذلك، كما جاء في قوله: «هؤلاء إلى الجَنَّةِ ولا أُبالي، وهؤلاء إلى النَّارِ ولا أُبالي» (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١٧٦٦٠).
[ ٢ / ٤١٩ ]
﴿لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ ليس المعنى نفي الفهم والسمع والبصر جملةً؛ وإنما المعنى: نفيُها عما ينفع في الدين.
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قال رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة» (^١).
وسبب نزول الآية: أن أبا جهل سمع بعض الصحابة يقرأ، فيذكر الله مرةً، والرحمن أخرى، فقال: يزعم محمد أنَّ الإله واحد وها هو يعبد آلهة كثيرة؛ فنزلت الآية مبينةً أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمًى واحدٍ.
و﴿الْحُسْنَى﴾ مصدر وُصِف به، أو تأنيث «أحسن».
وحُسْنُ أسماء الله: هي أنها صفات مدحٍ وتعظيم وتمجيد (^٢).
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي: سمُّوه بأسمائه، وهذا إباحةٌ لإطلاق الأسماء على الله (^٣) تعالى:
فأمَّا ما ورد منها في القرآن أو في الحديث: فيجوز إطلاقه على الله إجماعًا.
وأمَّا ما لم يرد، وفيه مدحٌ لا تتعلَّق به شبهة:
فأجاز أبو بكر ابن الطيب إطلاقه على الله.
ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره، ورأوا أن أسماء الله موقوفةٌ على
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧).
(٢) في ب، هـ: «وتحميد».
(٣) في أ، هـ: «الإله».
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ما ورد في القرآن والحديث.
وقد ورد في «كتاب الترمذي» عِدَّتها؛ أعني: تعيين التسعة والتسعين (^١)، واختلف المحدثون هل تلك الأسماء المعدودة فيه مرفوعة إلى النبي ﷺ أو موقوفة على أبي هريرة؟.
وإنما الذي ورد في الصحيح كونُها تسعةً وتسعين من غير تعيين.
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قيل: معنى «ذروا»: اتركوهم لا تحاجُّوهم ولا تتعرضوا لهم؛ فالآية -على هذا- منسوخة بالقتال.
وقيل: معنى «ذروا»: الوعيد والتهديد؛ كقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١]، وهو الأظهر؛ لما بعده.
وإلحادهم في أسماء الله:
هو ما قال أبو جهل، فنزلت الآية بسببه.
وقيل: تسميته بما لا يليق به.
وقيل: تسمية الأصنام باسمه، كاشتقاقهم اللَّات من الله، والعُزَّى من العزيز.
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾ الآية؛ روي أن النبي ﷺ قال: «هذه الآية لكم، وقد تقدَّم مثلُها لقوم موسى» (^٢).
_________________
(١) سنن الترمذي (٣٥٠٧).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٠٠).
[ ٢ / ٤٢١ ]
[﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾].
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ الاستدراج: استفعالٌ من الدَّرَجةِ؛ أي: نسوقهم إلى الهلاكِ شيئًا بعد شيءٍ وهم لا يشعرون.
والإملاء: هو الإمهال مع إرادة العقوبة.
﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ سمَّى فعله بهم كيدًا؛ لأنه شبيهٌ بالكيد في أن ظاهره إحسانٌ وباطنه خذلان (^١).
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ يعني بصاحبهم: النبيَّ ﷺ، فنفى عنه ما نَسب له المشركون من الجنون.
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله «سمَّى فعله بهم كيدًا» إلخ، يتضمن أن ما يفعله الرب ﷿ بالكافرين من الاستدراج ليس بكيد حقيقةً، بل مجرد تسلية، فهو كيد لفظا لا معنى، وهذا خطأ؛ لأنه صرف للفظ عن ظاهره بلا موجب، كيف وقد أكده الله بالمصدر المؤكِّد بقوله: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾؟! فهو تعالى يكيد الكافرين ويمكر بهم، جزاءً على كيدهم ومكرهم، جزاءً وفاقا.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾:
معمولا لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ فيوصل به، والمعنى: أو لم يتفكروا فيعلموا أنه ما بصاحبهم من جنة.
ويحتمل أن يكون الكلام قد تم في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، ثم ابتدأ إخبارا مستأنفا بقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾.
والأول أحسن.
﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا﴾ يعني: نظر استدلال.
﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ عطف على الملكوت.
ويعني بقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: جميع المخلوقات؛ إذ جميعها دليل على وحدانية خالقها.
﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ «أن» الأولى: مخففة من الثقيلة، وهي عطف على الملكوت.
و«أن» الثانية: مصدرية؛ في موضع رفع بـ ﴿عَسَى﴾.
و﴿أَجَلُهُمْ﴾ يعني: موتهم.
والمعنى: لعلهم يموتون عن قريب، فينبغي لهم أن يسارعوا إلى النظر فيما يخلصهم عند الله قبل حلول الأجل.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ الضمير للقرآن.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ السائلون: اليهود، أو قريش.
وسميت القيامة ساعة؛ لسرعة حسابها؛ كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ
[ ٢ / ٤٢٣ ]
إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧].
﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ معنى ﴿أَيَّانَ﴾: متى.
و﴿مُرْسَاهَا﴾: وقوعها وحدوثها، وهي من الإرساء؛ بمعنى الثبوت.
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ أي: استأثر الله بعلم وقت وقوعها، ولم يطلع عليه أحد.
﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ معنى ﴿يُجَلِّيهَا﴾: يُظهِرها؛ فهو من الجلاء ضد الخفاء.
واللام في ﴿لِوَقْتِهَا﴾ ظرفية؛ أي: عند وقتها.
والمعنى: لا يُظهِر الساعة عند مجيء وقتها إِلَّا الله.
﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في معناه ثلاثة أقوال:
الأول: ثقلت على أهل السموات والأرض؛ لهيبتها عندهم، وخوفهم منها.
والثاني: ثقلت على (^١) السموات والأرض أنفسها؛ لتفطر السماء فيها، وتبديل الأرض.
والثالث: معنى ﴿ثَقُلَتْ﴾: ثقل علمها؛ أي: خفي.
﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ الحفي بالشيء: هو المُهتبِلُ به المعتني به.
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ زيادة: «أهل»، والصواب عدم ذكرها كما في المحرر الوجيز (٤/ ١٠٥) وكما يقتضيه السياق.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
والمعنى: يسألونك عنها كأنك حفي بعلمها.
وقيل المعنى: يسألونك عنها كأنك حفي بهم؛ لقرابتك منهم.
فـ ﴿عَنْهَا﴾ -على هذين القولين- يتعلق بـ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾.
وقيل المعنى: يسألونك كأنك حفي بالسؤال عنها.
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ براءة من علم الغيب، واستدلال على عدم علمه.
﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ عطف على: ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾؛ أي: لو علمت الغيب لاستكثرت من الخير، واحترست من السوء (^١)، ولكن لا أعلمه؛ فيصيبني ما قدر لي من الخير والشر.
وقيل: إن قوله: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ استئناف إخبار؛ والسوء -على هذا-: هو الجنون.
واتصاله بما قبله أحسن.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يجوز أن يتعلق بـ ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ معا؛ أي: أبشر المؤمنين وأنذرهم.
وخص بهم البشارة والنذارة؛ لأنهم الذين ينتفعون بهما.
ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها، ويكون المتعلق بـ ﴿نَذِيرٌ﴾ محذوف؛ أي: نذير للكافرين.
والأول أحسن.
_________________
(١) في د: «الشر».
[ ٢ / ٤٢٥ ]
[﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾].
﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدم.
﴿زَوْجَهَا﴾ يعني: حَوَّاء.
﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ يميل إليها ويستأنس بها.
﴿تَغَشَّاهَا﴾ كناية عن الجماع.
﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ أي: خفَّ عليها، ولم تَلْقَ منه ما يلقى بعض الحُبَالى من حملهنَّ من الأذى والكرب.
وقيل: الحمل الخفيف: المنيُّ في فرجها.
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قيل معناه: استمرَّت به إلى حين ميلاده.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وقيل: قامت وقعدت.
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: ثَقُلَ حملُها وصارت به ثقيلةً.
﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي: ولدًا صالحًا سالمًا في بدنه.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: لما آتاهما ولدًا صالحًا كما طلبا: جعل أولادهما له شركاء.
فالكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك: ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾؛ أي: فيما آتى أولادهما وذريَّتهما.
وقيل: إن حواء لما حملت جاءها إبليس فقال لها: إن أطعتني وسمَّيت ما في بطنك عبد الحارث فسأخلِّصه لك - وكان اسم إبليس الحارث -، وإن عصيتني في ذلك قتلته. فأخبرتْ بذلك آدم، فقال لها: إنه عدوُّنا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة أخرى فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته فمات الولد، ثم حملت مرة ثالثة فسمَّياه عبد الحارث؛ طمعًا في حياته.
فقوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: في التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله.
والقول الأول أصحُّ؛ لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يقتضي براءةَ آدم وزوجه من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء ﵈.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
والثاني: أنه يدل على أن الذين أشركوا هم أولاد آدم وذريته: قوله (^١) تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بضمير الجمع.
والثالث: أن ما ذكروا من قصة آدم وتسمية الولد عبد الحارث يفتقر إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة.
وقيل: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: هو قصي بن كلاب وزوجته، و﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ أي: سميا أولادهما عبد العزى وعبد الدار وعبد مناف.
وهذا القول بعيد؛ لوجهين:
أحدهما: أن الخطاب - على هذا - خاص بذرية قصي من قريش، والظاهر أن الخطاب عام لبني آدم.
والآخر: قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، فإن هذا يصح في حواء؛ لأنها خلقت من ضلع آدم، ولا يصح في زوجة قصي.
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ هذه الآية رد على المشركين من بني آدم.
والمراد بقوله: ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾: الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله.
والمعنى: أنها مخلوقة غير خالقة، والله تعالى خالق غير مخلوق؛ فهو الإله وحده.
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ المعنى: أن الأصنام لا ينصرون من عبدهم، ولا ينصرون أنفسهم؛ فهم في غاية العجز والذلة،
_________________
(١) في د: «بدليل قوله».
[ ٢ / ٤٢٨ ]
فكيف يكونون آلهة؟!.
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ المعنى: أن الأصنام لا تجيب إذا دعيت إلى أن تهتدي، أو إلى أن تهدي (^١)؛ لأنها جمادات.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ تأكيد وبيان لما قبلها.
فإن قيل: لم قال: ﴿أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾؛ فوضع الجملة الاسمية موضع الجملة الفعلية؟ وهلّا قال: أو صمتم؟.
فالجواب: أنَّ صمْتهم عن دعاء الأصنام كانت حالةً مستمرة، فعبَّر عنها بجملة اسمية؛ لتقتضي الاستمرار على ذلك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ردٌّ على المشركين؛ فإن آلهتهم عبادٌ، فكيف يُعبد العبدُ مع ربِّه؟!.
﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ أمرٌ على جهة التعجيز.
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ وما بعده؛ معناه: أن الأصنام جمادات عادمة للحسِّ والجوارح والحياة، وما كان كذلك لا يكون إلهًا؛ فإنَّ من وصف الإله: الإدراك والحياة والقدرة.
وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام؛ لأن المشركين مقرُّون أن أصنامهم لا تمشي ولا تبطش ولا تُبصر ولا تسمع؛ فلزمتهم الحجة.
والهمزة في قوله: ﴿أَلَهُمْ﴾ للاستفهام مع التوبيخ.
_________________
(١) في ب: «إذا دعيت أن تهدي أو إلى أن تهدى».
[ ٢ / ٤٢٩ ]
و﴿أَمْ﴾ في المواضع الثلاثة: تضمنَّت معنى الهمزة ومعنى «بل»، وليست عاطفةً.
﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ المعنى: استنجدوا (^١) أصنامكم لمضرَّتي والكيدِ عليّ، ولا تؤخِّروني؛ فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرَّتي.
ومقصود الآية: الردُّ عليهم ببيان عجْزِ أصنامهم، وعدم قدرتها على المضرَّة.
وفيها - أيضًا - إشارةٌ إلى أن التوكل: على الله، والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء، ثم أفصح بذلك في قوله:
﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ الآية؛ أي: هو ناصري وحافظي منكم، فلا تضرونني، ولو حرَصتم أنتم وآلهتكم على مضرَّتي.
ثم وصف الله بأنه: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾، وبأنه: ﴿يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾، وفي هذين الوصفين استدلالٌ على صدق النبي ﷺ؛ بإنزال الكتاب عليه، وبأن الله تولَّى حِفْظه، ومن تولى اللهُ حفظَه فهو من الصالحين، والصالح لا بد أن يكون صادقًا في قوله؛ لا سيما فيما يقوله على الله.
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ الآية؛ ردٌّ على المشركين، وقد تقدَّم معناه.
_________________
(١) في د، هـ: «استجدوا».
[ ٢ / ٤٣٠ ]
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ يحتمل:
أن يريد الأصنام؛ فيكون تحقيرًا لها، وردًّا على من عبدها؛ فإنها جمادٌ مواتٌ لا تسمع شيئًا، فيكون المعنى كالذي تقدَّم.
أو يريد الكفار، ووصفهم بأنهم لا يسمعون يعني: سمعًا ينتفعون به؛ لإفراط نفورهم، أو لأن الله طبع على قلوبهم.
﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ إن كان هذا من وصف الأصنام: فقوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ مجازٌ، وقوله: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ حقيقة؛ لأن لهم صورة الأعين وهم لا يرون بها شيئًا.
وإن كان من وصف الكفار: فـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حقيقة، و﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ مجازٌ على وجه المبالغة؛ كما وصفهم بأنهم لا يسمعون.
* * *
[ ٢ / ٤٣١ ]
[﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾].
﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن المعنى: خذ من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما تيسَّر لا ما يشقُّ عليهم؛ لئلا ينفروا.
فالعفو -على هذا- بمعنى: السَّهل والسَّمح عنهم (^١)، وهو ضد الجَهْد (^٢) والتكلُّف (^٣)، كقول الشاعر:
خُذي العَفْوَ مني تستديمي مودَّتي (^٤)
والآخر: أن المعنى: خذ في الصَّدقات ما سَهُلَ على الناس في أموالهم،
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «عندهم».
(٢) في ب، ج، هـ: «الجَهْل».
(٣) في أ، ب، ج، هـ: «والتكليف».
(٤) هذا صدر بيت لأسماء بن خارجة الفزاري، أحد الأجواد المعدودين، وهو في طبقة التابعين، وعجزه: «ولا تَنْطِقي في سَوْرَتي حين أغضبُ». انظر: فوات الوفيات (١/ ١٦٩).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
أو ما فضَل لهم، وذلك قبل فرض الزكاة.
فالعفو -على هذا- بمعنى: السَّهل، أو بمعنى الكثرة.
﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي: بالمعروف؛ وهو أفعال الخير.
وقيل: العرف: الجاري بين الناس من العوائد.
واحتجَّ المالكية بذلك على الحكم بالعوائد.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: لا تكافئ السفهاء بمثل قولهم أو فعلهم، واحلُم عنهم.
ولما نزلت هذه الآية سأل رسول الله ﷺ جبريل عنها، فقال: لا أدري حتى أسأل، ثم رجع فقال: «يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» (^١).
وعن جعفر الصادق: أمر الله نبيه ﷺ فيها بمكارم الأخلاق (^٢).
وهي -على هذا- ثابتة الحكم؛ وهو الصحيح.
وقيل: كانت مداراةً للكفار، ثم نُسخت بالقتال.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ نزغُ الشيطان: وسوسته بالتشكيك في الحق، والأمرِ بالمعاصي، أو تحريكُ الغضب.
فأمر الله بالاستعاذة منه عند ذلك، كما ورد في الحديث: أن رجلًا اشتد غضبه، فقال رسول الله ﷺ: «إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما به:
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٤٣).
(٢) ذكره الثعلبي في تفسيره (٤/ ٣١٨) عن جعفر الصادق بدون إسناد.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (^١).
﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ معناه: لَمَّة منه، كما جاء: «إن للشيطان لمة، وللملك لمة» (^٢).
ومن قرأ ﴿طَائِفٌ﴾ - بالألف -: فهو اسم فاعل.
ومن قرأ ﴿طَيْفٌ﴾ - بياء ساكنة -: فهو مصدر، أو تخفيف من طيِّف المشدّد؛ كمَيِّت ومَيْت.
﴿تَذَكَّرُوا﴾ حُذِف مفعوله ليعمَّ كلَّ ما يُتذكَّرُ من خوف عقاب الله، أو رجاء ثوابه، أو مراقبته، أو الحياء منه، أو عداوة الشيطان والاستعاذة منه، أو النظر والاعتبار وغير ذلك.
﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ هو من بصيرة القلب.
﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ الضمير في ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ لـ ﴿الشَّيْطَانِ﴾، وأريد بقوله: ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ الجنس؛ فلذلك أعيد عليه ضمير الجماعة، و﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ هم الكفار.
ومعنى ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾: يكونون مددًا لهم؛ أي: يعضدونهم.
وضمير المفعول في ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ للكفار، وضمير الفاعل لـ ﴿الشَّيْطَانِ﴾.
ويحتمل أن يريد بالإخوان: الشياطين، ويكون الضمير في ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ للكفار.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١١٥)، ومسلم (٢٦١٠).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في الكبري (١٠/ ٣٧).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
والمعنى على الوجهين: أن الكفار يمدهم الشيطان.
وقرئ ﴿يُمِدُّونَهُمْ﴾: بضم الياء، وفتحها؛ والمعنى واحد.
و﴿فِي الْغَيِّ﴾: يتعلق بـ ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾.
وقيل: يتعلق بـ ﴿إِخْوَانُهُمْ﴾؛ كما تقول: إخوة في الله، أو في الشيطان.
﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ أي: لا يُقْصِر الشياطين عن إمداد إخوانهم من الكفار.
أو: لا يُقْصِر الكفار عن غيِّهم.
وفي الآية من أدوات البيان: لزوم ما لا يلزم؛ لالتزام الصاد قبل الراء في ﴿مُبْصِرُونَ﴾ و﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ الضمير في ﴿لَمْ تَأْتِهِم﴾ للكفار.
و﴿لَوْلَا﴾ هنا عرْضٌ.
وفي معنى ﴿اجْتَبَيْتَهَا﴾ قولان:
أحدهما: اخترعتها من قِبَلِ نفسك.
فالآية -على هذا-: من القرآن، وكان النبي ﷺ يتأخر عنه الوحي أحيانًا، فيقول الكفار: هلا جئت بقرآن من قولك!.
والآخر: أن معناها: طلبتها من الله، وتخيَّرتها عليه.
فالآية - على هذا -: معجزةٌ؛ أي: يقولون: اطلب المعجزة من الله.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ معناه:
لا أخترعُ القرآن؛ على القول الأول.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
ولا أطلبُ آيةً من الله؛ على القول الثاني.
﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ أي: علاماتُ هدى، والإشارة إلى القرآن.
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الإنصات المأمور به: هو لقراءة الإمام في الصلاة.
والثاني: أنه الإنصات للخطبة.
والثالث: أنه الإنصات لقراءة القرآن على الإطلاق، وهو الرَّاجح؛ لوجهين:
أحدهما: أن اللفظ عام، ولا دليل على تخصيصه.
والثاني: أن الآية مكية، والخطبة إنما شرعت بالمدينة.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قال بعضهم: الرَّحمة أقرب شيء إلى مستمع القرآن؛ لهذه الآية.
﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ يحتمل أن يريد:
الذِّكر بالقلب دون اللسان.
أو الذِّكر باللسان سرًا.
فعلى الأول: يكون قوله: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ عطفًا مغايرًا؛ أي: حالةً أخرى.
وعلى الثاني: يكون بيانًا وتفسيرًا للأول.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ أي: في الصباح والعشي.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
و«الآصال»: جمع أُصُل؛ والأُصُل جمع أَصِيل.
قيل: المراد: صلاة الصبح والعصر.
وقيل: صلاة المسلمين.
وقيل: فرض الخمس.
والأظهر الإطلاق.
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هم الملائكة ﵈.
وفي ذِكْرِهم تحريضٌ للمؤمنين وتعريضٌ بالكفار.
﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ قدَّم المجرور لمعنى الحصر؛ أي: لا يسجدون إلَّا له وحده.
* * *
[ ٢ / ٤٣٧ ]