[﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾].
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الناس: لفظ (^١) عام.
وقال ابن عباس: المراد به هنا: المشركون من قريش؛ بدليل ما بعد ذلك؛ فإنه من صفاتهم.
وإنما أخبر عن الساعة بالقرب؛ لأن الذي مضى من الزمان قبلها أكثر مما بقي لها، ولأن كل آتٍ قريب.
_________________
(١) في أ، هـ: «لفظه».
[ ٣ / ١٣٠ ]
﴿مَا يَأْتِيهِم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ يعني بالذكر: القرآن، و﴿مُحْدَثٍ﴾ أي: محدث النزول (^١).
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ ضمير فاعل، يعود على ما قبله، و﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: بدل من الضمير.
وقيل: إن الفاعل هو ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وجاء ذلك على لغة من قال: «أكلوني البراغيث»، وهي لغة بني الحارث بن كعب، وقال سيبويه: لم تأت هذه اللغة في القرآن.
ويحتمل أن يكون ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾:
منصوبًا بفعل مضمر على الذّمِّ.
أو خبر ابتداء مضمر.
والأول أحسن.
﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ هذا الكلام في موضع نصب؛ بدلًا من ﴿النَّجْوَى﴾؛ لأنه هو الكلام الذي تناجوا به، والبشر المذكور في الآية: هو محمد ﷺ.
_________________
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: «قوله: يعني بالذكر: القرآن، و(محدث) أي: محدث النزول» لا إشكال فيه؛ فالذكر من أسماء القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾، وقوله: «أي: محدث النزول» موافق لما نقله ابن جرير عن أهل التأويل، فإنه قال: «ما يحدث الله من تنزيل شيء من هذا القرآن للناس»، وأسنده إلى قتادة، وهذا موافق لبعض أجوبة الإمام أحمد ﵀ حين احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق. والله أعلم. وينظر: البداية والنهاية (١٤/ ٣٨٥، ٤٠٠) ط. دار هجر.
[ ٣ / ١٣١ ]
﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ﴾ إخبارٌ بأنه سمع ما تناجوا به على أنهم أسرُّوه.
فإن قيل: هلَّا قال: «يعلم السر»؛ مناسبةً لقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾؟
فالجواب: أن القول يشمل السرَّ والجهر؛ فحصل به ذكر السرِّ وزيادة.
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أخلاط منامات، وحكى عنهم هذه الأقوال الكثيرة؛ ليظهر اضطراب أمرهم وبطلان أقوالهم.
﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: كما جاء الرسل المتقدّمون بالآيات فليأتنا محمد بآية، فالتشبيه في الإتيان بالمعجزات.
﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ لما قالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾ أخبرهم الله أن الذين من قبلهم طلبوا الآيات، فلما رأوها ولم يؤمنوا هلكوا، ثم قال: ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن حالهم في عدم الإيمان وفي الهلاك كحال مَنْ قبلهم.
ويحتمل أن يكون المعنى: أن كل قرية هلكت لم تؤمن، فهؤلاء كذلك، ولا يكون -على هذا- جوابًا لقولهم: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾، بل يكون إخبارًا مستأنفًا على وجه التهديد.
و﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ في موضع الصفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، والمراد: أهل القرية.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ ردٌّ على قولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾؛ والمعنى: أن الرسل المتقدمين رجالٌ من البشر؛ فكيف تنكرون أن يكون هذا الرجل رسولًا؟!.
﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ يعني: أحبار أهل الكتاب.
[ ٣ / ١٣٢ ]
﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ أي: ما جعلنا الرسل أجسادًا غيرَ طاعمين، ووحد الجسد لإرادة الجنس، و﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ صفة لـ ﴿جَسَدًا﴾.
وفي الآية ردٌّ على قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧].
﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾ يعني: المؤمنين.
﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم.
وقيل: تذكيركم.
* * *
[ ٣ / ١٣٣ ]
[﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾].
﴿قَصَمْنَا﴾ أي: أهلكنا، وأصله مِنْ: قَصْمِ الظهر أي: كسرُه.
﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ يريد: أهل القرية.
قال ابن عباس: هي قرية باليمن يقال لها: حَضُور، بعث الله إليهم نبيًّا فقتلوه، فسَلَّط الله عليهم بُخْتَ نَصَّرَ (^١) ملك بابل، فأهلكهم الله بالقتل.
_________________
(١) انظر (١/ ٤٨٠).
[ ٣ / ١٣٤ ]
وظاهر اللفظ أنه على العموم؛ لأن «كم» للتكثير، فلا يريد قرية معينة.
﴿يَرْكُضُونَ﴾ عبارةٌ عن فرارهم، فيحتمل:
أن يكونوا ركبوا الدواب، وركضوها؛ لتسرع الجري.
أو شُبِّهوا في سرعة جريهم على أرجلهم بمن يركض الدابة.
﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ أي: قيل لهم: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾، والقائل لذلك:
هم الملائكة، قالوه تهكُّمًا بهم.
أو رجال بخت نصَّر إن كانت القرية المعيَّنة، قالوا ذلك لهم خداعًا؛ ليرجعوا فيقتلوهم.
﴿مَا أُتْرِفْتُمْ﴾ أي: نُعّمتم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ تهكُّمٌ بهم وتوبيخ؛ أي: ارجعوا إلى نعيمكم (^١) ومساكنكم؛ لعلكم تسألون عما جرى عليكم.
ويحتمل أن يكون ﴿تُسْأَلُونَ﴾ بمعنى: يطلب لكم الناس معروفكم، وهذا أيضًا تهكُّمٌ.
﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾ الآية؛ اعتراف وندم حين لم ينفعهم.
﴿حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ شُبِّهوا في هلاكهم بالزرع المحصود، ومعنى ﴿خَامِدِينَ﴾: موتى، وهو تشبيهٌ بخمود النار.
﴿لَاعِبِينَ﴾ حال منفية؛ أي: ما خلقنا السموات والأرض لأجل اللعب،
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «نِعَمكم».
[ ٣ / ١٣٥ ]
بل للاعتبار بها، والاستدلال على صانعها.
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ اللهو في لغة اليمن: الولد، وقيل: المرأة، و﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من (^١) الملائكة، فالمعنى على هذا: لو أردنا أن نتخذ ولدًا لاتخذناه من الملائكة، لا من بني آدم، فهو ردٌّ على من قال: المسيح ابن الله وعزيز ابن الله.
والظاهر أن اللهو بمعنى اللعب؛ لاتصاله بقوله: ﴿لَاعِبِينَ﴾.
وقال الزمخشري: المعنى على هذا: لو أردنا أن نتخذ لهوًا لكان ذلك في قدرتنا، ولكن ذلك لا يليق بنا؛ لأنه مناقض للحكمة (^٢).
وفي كلا القولين نظرٌ.
﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ يحتمل أن تكون ﴿إِنْ﴾:
شرطيةٌ، وجوابها فيما قبلها.
أو نافيةٌ.
والأول أظهرُ.
﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ الحقُّ: عام في القرآن والرسالة والشرع وكل ما هو حقٌّ، والباطلُ: عام في أضداد ذلك.
﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: يقمعهُ ويُبطلهُ، وأصله من إصابةِ الدماغِ.
_________________
(١) لم ترد في ب، ج.
(٢) انظر: الكشاف (١٠/ ٣٠٦).
[ ٣ / ١٣٦ ]
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني: الملائكة.
﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: لا يَعْيَوْنَ (^١)، ولا يَمَلُّونَ.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ «أم» هنا: للإضراب عما قبلها، والاستفهام على وجه الإنكار لما بعدها.
و﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يتعلَّق بـ ﴿يُنْشِرُونَ﴾.
والمعنى: أن الآلهة التي اتخذها المشركون لا يقدرون أن يُنشروا الموتى من الأرض، فليست بآلهة في الحقيقة؛ لأن من صفة الإله القدرة على الإحياء والإماتة.
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ هذا برهان على وحدانية الله تعالى، والضمير في قوله: ﴿فِيهِمَا﴾ للسموات والأرض، و﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ صفة لـ ﴿آلِهَةٌ﴾، و﴿إِلَّا﴾ بمعنى «غير».
فاقتضى الكلام أمرين:
أحدهما: نفي كثرة الآلهة، ووجوب أن يكون الإله واحدًا.
والأمر الثاني: أن يكون ذلك الواحد هو الله دون غيره، ودلَّ على ذلك قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾.
وأما الأول فكانت الآية تدلُّ عليه لو لم تذكر هذه الكلمة.
وقال كثير من الناس في معنى الآية: إنها دليلُ التَّمانع الذي أورده
_________________
(١) في ب: «لا يلعبون».
[ ٣ / ١٣٧ ]
الأصوليون، وذلك أنَّا لو فرضنا إلهين، فأراد أحدهما شيئًا وأراد الآخر نقيضه، فإما أن تَنْفُذَ إرادة كل واحد منهما، وذلك محال؛ لأن النقيضين لا يجتمعان، وإما أن لا تنفذ إرادة واحدٍ منهما، وذلك أيضًا محال؛ لأن النقيضين لا يرتفعان معًا، ولأن ذلك يؤدِّي إلى عجزهما وقصورهما، فلا يكونان إلهين، وإما أن تنفذ إرادة واحد منهما دون الآخر، فالذي تنفذ إرادته هو الإله، والذي لا تنفذ إرادته ليس بإله، فالإله واحد.
وهذا الدليل إن سلَّمنا صحته فلفظ الآية لا يطابقه، بل الظاهر من اللفظ استدلال آخر أصح من دليل التمانع، وهو أنه لو كان فيهما آلهة إلَّا الله لفسدتا؛ لما يحدث بينهما من الاختلاف والتنازع في التدبير وقصد المغالبة، ألا ترى أنه لا يوجد ملكان اثنان بمدينة (^١) واحدة، ولا واليان (^٢) لخِطَّةٍ (^٣) واحدة.
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لأنه مالك كل شيء، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، ولأنه حكيم؛ فأفعاله كلها جاريةٌ على الحكمة.
﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لِفَقْدِ العلتين.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ كرَّر هذا الإنكار؛ استعظامًا للشرك، ومبالغةً في تقبيحه؛ لأن قبله من صفات الله ما يوجب توحيده، وليناط به
_________________
(١) في ج: «المدينة».
(٢) في أ، ج، د: «وليان».
(٣) في ب: «بخطة».
[ ٣ / ١٣٨ ]
ما ذكر بعده من تعجيز (^١) المشركين، وأنهم ليس لهم على الشرك برهان؛ لا من جهة العقل، ولا من جهة الشرائع.
﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ تعجيز لهم. وقد تكلمنا على ﴿هَاتُوا﴾ في «البقرة» (^٢).
﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ ردٌّ على المشركين، والمعنى (^٣): هذا الكتاب الذي معي، والكتب التي من قبلي ليس فيها ما يقتضي الإشراك بالله، بل كلها متفقة على التوحيد.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الآية؛ ردٌّ على المشركين، والمعنى: أن كل رسول إنما أتى بـ «لا إله إلا الله».
﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ يعني الملائكة، وهم الذي قال فيهم بعض الكفار: إنهم بنات الله، فوصفهم بالعبودية؛ لأنها تناقض البنوَّة، ووصفهم بالكرامة؛ لأن ذلك هو الذي غرَّ الكفار حتى قالوا فيهم ما قالوا.
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي: لا يتكلمون حتى يتكلم هو؛ تأدُّبًا معه.
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ أي: لمن ارتضى أن يُشفع له.
ويحتمل أن تكون هذه الشفاعة:
في الآخرة.
_________________
(١) في أ، هـ: «تعجيزهم»!.
(٢) انظر (١/ ٣٤٩).
(٣) في ج زيادة: «أن».
[ ٣ / ١٣٩ ]
أو في الدنيا، وهي استغفارهم لمن في الأرض.
﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ الآية على فرض أن لو قالوا ذلك، ولكنهم لا يقولونه، وإنما مقصود (^١) الآية الردُّ على المشركين.
وقيل: إن الذي قال: «إني إله»: هو إبليس لعنه الله.
* * *
_________________
(١) في ب: «مقصد».
[ ٣ / ١٤٠ ]
[﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾].
﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ الرَّتْقُ: مصدرٌ وُصِفَ به، ومعناه: الملتصق بعضه ببعض الذي لا صدع فيه ولا فتح، والفَتْق: الفتح:
فقيل: كانت السماء مُلْصقةً (^١) بالأرض ففتقهما (^٢) الله بالهواء.
وقيل: كانت السماوات (^٣) ملصقةً ببعضها ببعض، والأرضون (^٤) كذلك،
_________________
(١) في د، هـ: «ملتصقة».
(٢) في ب، ج: «ففتقها».
(٣) كذا في هامش د، وهامش هـ ورمز له بـ «خ»، وفي بقية النسخ: «السماء».
(٤) في ب، ج: «والأرض».
[ ٣ / ١٤١ ]
ففتقهما (^١) الله سبعًا سبعًا.
والرؤية في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ على هذا: رؤية قلب.
وقيل: فتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات، والرؤية على هذا: رؤية عين.
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: خلقنا من الماء كل حيوان، ويعني بالماء: المنيِّ.
وقيل: الماء الذي يُشْرَب؛ لأنه سببٌ لحياة الحيوان، ويدخل في ذلك النبات باستعارة.
﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال.
﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ تقديره: كراهة أن تميد.
﴿فِجَاجًا﴾ يعني: الطرق الكبار.
وإعرابه عند الزمخشري: حال من السُّبُل؛ لأنه صفةٌ تقدَّمت على النكرة (^٢).
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني: في طريقهم وتصرفاتهم.
﴿سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ أي: حُفظ من السُّقوط، ومن الشياطين.
﴿عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ يعني: الكواكب والأمطار والرعد والبرق وغير ذلك.
_________________
(١) في هـ: «ففتحهما».
(٢) انظر: الكشاف (١٠/ ٣٣٩).
[ ٣ / ١٤٢ ]
﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ التنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ عن الإضافة؛ أي: كلهم في فلك يسبحون، يعني: الشمس والقمر، دون الليل والنهار؛ إذ لا يوصف الليل والنهار بالسَّبْح في الفلك، فالجملة:
في موضع حال من ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.
أو مستأنفة (^١).
فإن قيل: لفظ ﴿كُلٌّ﴾ و﴿يَسْبَحُونَ﴾ جمعٌ، فكيف يعني الشمس والقمر وهما اثنان؟
فالجواب: أنه أراد جنس مطالعهما (^٢) كل يوم وليلة، وهي كثيرة. قاله الزمخشري (^٣).
وقال الغَزْنَوي: أراد الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة.
وعبَّر عنها بضمير الجماعة (^٤) العقلاء في قوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾؛ لأنه وصفهم بفعل العقلاء، وهو السَّبْح.
فإن قيل: كيف قال: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ وهي أفلاك كثيرة؟
فالجواب: أنه أراد: كل واحد يَسْبَح في فلكه (^٥)، وذلك كقولك (^٦):
_________________
(١) في أ، ب: «مستأنف».
(٢) في ج: «مطالعها».
(٣) انظر: الكشاف (١٠/ ٣٤٢).
(٤) في هـ: «جماعة»، ولم ترد في ب.
(٥) في أ، هـ: «فلك».
(٦) في أ، ج: «كقوله».
[ ٣ / ١٤٣ ]
«كساهم الأمير حُلَّةً»؛ أي: كسا كلَّ واحد منهم حلة.
ومعنى الفلك: جسم مستدير.
وقال بعض المفسرين: إنه من موج، وذلك بعيد.
والحقُّ: أنه لا تُعلم صفته وكيفيته إلَّا بإخبارٍ صحيح عن الشارع، وذلك غير موجود.
ومعنى ﴿يَسْبَحُونَ﴾: يَجْرُون، أو يدورون، وهو مستعارٌ من السَّبح بمعنى العوم في الماء.
وقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ من المقلوب الذي يقرأ من الطرفين.
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ سببها: أن الكفار طعنوا على النبي ﷺ بأنه بشر يموت.
وقيل: إنهم تمنَّوا موته؛ ليشمَتوا به، وهذا أنسب لما بعده.
﴿أَفَإِن مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ موضع دخول الهمزة ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ وقُدِّمت (^١)؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: كلُّ نفسٍ مخلوقةٍ لا بدَّ لها أن تذوق الموت. والذَّوق هنا استعارة.
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ أي: نختبركم بالفقر والغنى، والمرض والصحة وغير ذلك من أحوال الدنيا؛ ليظهر الصبر على الشر، والشكر على
_________________
(١) في ج: «وتقدمت».
[ ٣ / ١٤٤ ]
الخير، أو خلاف ذلك.
﴿فِتْنَةً﴾ مصدر من معنى ﴿وَنَبْلُوكُم﴾.
﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: يذكرهم بالذم، دلَّ على ذلك قرينة الحال؛ فإن الذكر قد يكون بذمّ أو مدح.
والجملة تفسير للهزء؛ أي: يقولون: أهذا الذي ..
﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ الجملة في موضع الحال؛ أي: كيف ينكرون ذمَّك لآلهتهم وهم يكفرون بالرحمن، فهم أحقُّ بالملامة.
وقيل: معنى ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: تسميته بهذا الاسم؛ لأنهم أنكروها. والأول أغرق في ضلالهم.
﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: خلق شديد الاستعجال، وجاءت هذه العبارة للمبالغة، كقولك: خُلق حاتم من جُودٍ.
والإنسان هنا: جنس.
وسبب الآية: أن الكفار استعجلوا الآيات التي اقترحوها، والعذاب الذي طلبوه، فذكر الله هذا توطئةً لقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.
وقيل: المراد هنا: آدم؛ لأنه لما وصل الروح إلى صدره أراد أن يقوم. وهذا ضعيف.
وقيل: ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: من طين، وهذا أضعف.
[ ٣ / ١٤٥ ]
﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ وعيدٌ، وجوابٌ على ما (^١) طلبوه من التعجيل.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ الآية؛ تفسيرٌ لاستعجالهم.
﴿الْوَعْدُ﴾ القيامة، أو نزول العذاب بهم.
﴿لَوْ يَعْلَمُ﴾ جواب «لو» محذوف.
﴿حِينَ﴾ مفعول به لـ ﴿يَعْلَمُ﴾ أي: لو يعلمون الوقت الذي يحيط بهم العذاب لآمنوا وما استعجلوا.
﴿بَلْ تَأْتِيهِم﴾ الضمير الفاعل: للنار،
وقيل: للساعة.
﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أي: تفجؤهم.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يؤخَّرون عن العذاب.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ الآية؛ تسليةٌ بالتأسي.
﴿فَحَاقَ﴾ أي: أحاط.
* * *
_________________
(١) في ب: «لما»، وفي أ: «ما» بدون «على».
[ ٣ / ١٤٦ ]
[﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾].
﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ أي: من يحفظكم من أمر الله؟، و«مَنْ» استفهامية.
والمعنى: تهديد، وإقامةُ حجة؛ لأنهم لو أجابوا على هذا السؤال لاعترفوا أنهم ليس لهم مانع ولا حافظ، ثم جاء قوله: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِم مُعْرِضُونَ﴾ بمعنى: أنهم إذا سئلوا ذلك السؤال لم يجيبوا عنه؛ لأنه تقوم عليهم الحجة إن أجابوا، ولكنهم يعرضون عن ذكر الله؛ أي: عن الجواب الذي فيه ذكر الله.
وقال الزمخشري: معنى الإضراب هنا: أنهم معرضون عن ذكره، فضلًا عن أن يخافوا بأسه (^١).
﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِن دُونِنَا﴾ أي: تمنعهم من العذاب، و﴿أَمْ﴾ هنا للاستفهام، والمعنى: الإنكار والنفي، وذلك أنه لما سألهم عمن يكلؤهم
_________________
(١) انظر: الكشاف (١٠/ ٣٥١).
[ ٣ / ١٤٧ ]
أخبر بعد ذلك أن آلهتهم لا تمنعهم ولا تحفظهم، ثم احتجَّ عن ذلك بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ﴾، فإن من لا ينصر نفسه أولى أن لا ينصر غيره.
﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ الضمير للكفار؛ أي: لا يُصْحبون منا بنصر ولا حفظ.
﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ أي: متعناهم بالنعم والعافية في الدنيا، فطغوا بذلك ونسوا عقاب الله.
والإضراب بـ «بل» عن معنى الكلام المتقدّم؛ أي: لم يحملهم على الكفر والاستهزاء نصرٌ ولا حفظ، بل حملهم على ذلك أنا متَّعناهم وآباءهم.
﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ ذُكر في «الرعد» (^١).
﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ إشارةٌ إلى الكفار، والصَّمم استعارة في إفراط إعراضهم.
﴿نَفْحَةٌ﴾ أي: خطرةٌ، وفيها تقليل العذاب.
والمعنى: أنهم لو رأوا أقلَّ شيء من عذاب الله لأذعنوا واعترفوا بذنوبهم.
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ أي: العَدْل، وإنما أفرد القسط، وهو صفة للجمع:
لأنه مصدرٌ وُصِف به، كعَدْلٍ ورِضًا.
أو على تقدير: ذوات القسط.
_________________
(١) انظر (٢/ ٦٨٩).
[ ٣ / ١٤٨ ]
ومذهب أهل السنة: أن الميزان يوم القيامة حقيقة، له كِفَّتانِ ولسانٌ وعمودٌ توزن فيه الأعمال، والخِفَّة والثِّقَل متعلقة بأجسام؛ إما صحف الأعمال، أو ما شاء الله.
وقالت المعتزلة: إن الميزان عبارةٌ عن العدل في الجزاء.
﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال ابن عطية: تقديره: لحساب يوم القيامة، أو لِحكمه فهو على حذف مضاف (^١).
وقال الزمخشري: هو كقولك: كتبت الكتاب لستٍّ خَلَوْنَ من الشهر (^٢).
﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: وزنُها، والرفع على أنَّ «كان» تامة، والنصب على أنها ناقصة واسمها مضمر.
﴿الْفُرْقَانَ﴾ هنا: التوراة.
وقيل: التفرقة بين الحق والباطل بالنصر وإقامة الحجة.
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ يعني: القرآن.
* * *
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٦/ ١٧٣).
(٢) انظر: الكشاف (١٠/ ٣٥٧).
[ ٣ / ١٤٩ ]
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾].
﴿رُشْدَهُ﴾ يعني: إرشادَهُ إلى توحيد الله، وكسر الأصنام، وغير ذلك.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل موسى وهارون.
وقيل: آتيناه رشده قبل النبوة.
[ ٣ / ١٥٠ ]
﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أي: عَلِمنا (^١) أنه يستحق ذلك.
﴿التَّمَاثِيلُ﴾ يعني: الأصنامَ، وكانت على صور بني آدم.
﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ اعترافٌ بالتقليد من غير دليل.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: هل (^٢) هذا الذي تقول جِدٌّ أو (^٣) مزاحٌ؟!.
وانظر كيف عَبَّروا (^٤) عن الحق بالفعل، وعن اللَّعِبِ بالجملة الاسمية؛ لأنه أثبت عندهم.
﴿فَطَرَهُنَّ﴾ أي: خلقهن، والضمير للسموات والأرض، والتماثيل (^٥) وهذا (^٦) أليق بالردّ عليهم.
﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ يعني: خروجهم إلى عيدهم.
﴿جُذَاذًا﴾ أي: فُتَاتًا، ويجوز فيه الضم والكسر والفتح، وهو من الجدّ بمعنى القطع.
_________________
(١) في أ: «علمناه».
(٢) لم ترد في أ، هـ.
(٣) في ج، د: «أم».
(٤) في ج، د: «عبر».
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية!، ولعل صواب العبارة: «أو للتماثيل»؛ ليستقيم الكلام مع ما بعده وهو قوله: «وهو أليق بالرد عليهم»؛ أي: كون الضمير للتماثيل أليق من كونه للسموات والأرض، وهذا هو الموافق لعبارة الكشاف (١٠/ ٣٦٥) حيث قال: «الضمير في ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ للسموات والأرض، أو للتماثيل، وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم، وأثبت للاحتجاج عليهم».
(٦) في ج، د: «وهو».
[ ٣ / ١٥١ ]
﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ ترك الصنم الكبير لم يكسره، وعلَّق القدوم على يده (^١).
﴿إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ الضمير للصنم الكبير؛ أي: يرجعون إليه فيسألونه فلا يجيبهم، فيظهر لهم أنه لا يقدر على شيء.
وقيل: الضمير لإبراهيم ﵇، أي: يرجعون إليه فيبيّن لهم الحق.
﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ قبله محذوف تقديره: فرجعوا من عيدهم فرأوا الأصنام مكسورة، فـ ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾.
﴿فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بالذمّ، وبقوله: ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾.
﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ قيل: إن إعراب ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ منادى.
وقيل: خبر ابتداء مضمر.
وقال الأعلم (^٢): هو رفعٌ على الإهمال (^٣).
والصحيح أنه مفعول لم يسمَّ فاعله بـ ﴿يُقَالُ﴾؛ لأن المراد الاسمُ
_________________
(١) في أ، ب، ج، هـ: «من يده»!.
(٢) هو أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى الشَّنْتَمري الأشبيلي، النحوي، ولد سنة (٤١٠ هـ)، كان عالما بالعربية واللغة واسع الحفظ للأشعار ومعانيها، جيد الضبط كثير العناية بهذا الشأن، فكانت الرحلة إليه في وقته. لُقِّب بالأعلم؛ لأنه كان مشقوق الشفة العليا شقًّا واسعا، وتوفي بإشبيلية سنة (٤٧٦ هـ). أنظر: معجم الأدباء، لياقوت الحموي (٦/ ٢٨٤٨).
(٣) قال ابن عطية في توضيح مراده: «لما رأى وجوه الرفع كلها لا توضِّح المعنى الذي قصدوه؛ ذهب إلى رفعه بغير شيء، كما قد يرفع التجرُّد والعُرُوُّ عن العوامل الابتداء» المحرر الوجيز (٦/ ١٧٦).
[ ٣ / ١٥٢ ]
لا المسمَّى. وهذا اختيار ابن عطية (^١) والزمخشري (^٢).
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي: يشهدون عليه بما فعل، أو يحضرون عقوبتنا له.
﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ قصد إبراهيم ﵇ بهذا القول تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم، كأنه يقول: إن كان إلهًا فهو قادر على أن يفعل، وإن لم يقدر فليس بإله، ولم يقصد الإخبار المحض؛ لأنه كذبٌ.
فإن قيل: فقد جاء في الحديث: «إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات، إحداها (^٣) قوله: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾» (^٤)؟
فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولًا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر، ويدل على ذلك قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾؛ لأنه أراد به أيضًا تبكيتهم وبيان ضلالهم.
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ﴾ أي: رجعوا إليها بالفكرة والنظر، أو رجعوا إليها بالملامة.
﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الظالمون لأنفسكم في عبادتكم ما لا ينطق ولا يقدر على شيء.
أو الظالمون لإبراهيم في قولكم عنه: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وفي تعنيفه على أعين الناس.
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز (٦/ ١٧٦).
(٢) انظر: الكشاف (١٠/ ٣٧٠).
(٣) في د: «أحدها».
(٤) أخرجه البخاري (٣٣٥٧)، ومسلم (٢٣٧١).
[ ٣ / ١٥٣ ]
﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ استعارةٌ لانقلابهم برجوعهم عن الاعتراف بالحق إلى الباطل والمعاندة، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أي: فكيف تأمرنا بسؤالهم؟!، فهم قد اعترفوا بأنهم لا ينطقون، وهم مع ذلك يعبدونهم، فهذه غاية الضلال في فعلهم، وغاية المكابرة والمعاندة في جدالهم.
ويحتمل أن يكون ﴿نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ بمعنى رجوعهم عن (^١) المجادلة إلى الانقطاع؛ فإن قولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ اعترافٌ يلزم منه أنهم مغلوبون بالحجة.
ويحتمل على هذا أن يكون ﴿نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ حقيقةً؛ أي: أطرقوا من الخجل لمَّا قامت عليهم الحجة.
﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ تقدَّم الكلام على ﴿أُفٍّ﴾ في «الإسراء» (^٢).
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ لما غلبهم بالحجة رجعوا إلى التغلب عليه (^٣) بالظلم.
﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ أي: ذات برد وسلام، وجاءت العبارة هكذا للمبالغة.
واختلف كيف بَرَدت النار؟
فقيل: أزال الله عنها ما فيها من الحرِّ والإحراق.
_________________
(١) في أ: «من».
(٢) انظر (٢/ ٨٠٢).
(٣) لم ترد هذه الكلمة في ج، د.
[ ٣ / ١٥٤ ]
وقيل: دفع عن جسم إبراهيم حرَّها وإحراقها، مع ترك ذلك فيها.
وقيل: خَلق بينه وبينها حائلًا.
ومعنى السلام هنا: السلامة، وقد روي أنه لو لم يقل: ﴿وَسَلَامًا﴾ لهلك إبراهيم بالبرد (^١).
وقد أضربنا عما ذكره الناس في قصة إبراهيم؛ لعدم صحته، ولأن ألفاظ القرآن لا تقتضيه.
﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ هي الشام، خرج إليها من العراق.
وبركتُها: بخصبها، وكثرة الأنبياء فيها (^٢).
﴿نَافِلَةً﴾ أي: عطية، والتنفيل (^٣): العطاء.
وقيل: سماه نافلة؛ لأنه عطاءٌ بغير سؤال؛ فكأنه تبرُّع.
وقيل: الهبة: إسحاق، والنافلة: يعقوب؛ لأنه سأل إسحاق بقوله: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]، فأُعطي يعقوب؛ زيادةً على ما سأل.
واختار بعضهم على هذا الوقف على ﴿إِسْحَاقَ﴾؛ لبيان المعنى، وهذا ضعيف؛ لأنه معطوف على كلِّ قولٍ.
﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ أي: يرشدون الناس بإذننا.
_________________
(١) في هـ: «من البرد».
(٢) «فيها» زيادة من ج، د.
(٣) في ب، ج: «والتنفل».
[ ٣ / ١٥٥ ]
﴿وَلُوطًا﴾ قيل: إنه انتصب بفعل مضمر يفسّره ﴿آتَيْنَاهُ﴾.
والأظهر أنه انتصب بالعطف على ﴿مُوسَى وَهَارُونَ﴾، أو (^١) ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾.
وانتصب ﴿نُوحًا﴾ و﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ وما بعدهم بالعطف أيضًا.
وقيل: بفعل مضمر تقديره: اذكر.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ أي: حكمًا بين الناس، أو حكمةً.
﴿مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ هي سَدُوم (^٢) من أرض الشام.
﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ أي: في الجنة، أو في أهل رحمتنا (^٣).
* * *
_________________
(١) في، د: «و».
(٢) في ب: «سدام».
(٣) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: كل من التفسيرين صحيح، وإن كان الأول هو الجاري على الظاهر، ويدل لصحة التفسيرين قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وقوله سبحانه عن سليمان ﵇: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، وقال الله في الحديث القدسي للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء». والله أعلم.
[ ٣ / ١٥٦ ]
[﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾].
﴿نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: دعا قبل إبراهيم ولوط.
﴿مِنَ الْكَرْبِ﴾ يعني: الغرق.
[ ٣ / ١٥٧ ]
﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ تعدَّى ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾ بـ ﴿مِنَ﴾:
لأنه مطاوع «انتصر» المتعدِّي بـ «مِنْ».
أو تضمَّن (^١) معنى: نجَّيناه، أو أجرناه.
﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ كان داود نبيًا ملكًا، وكان ابنه سليمان حينئذٍ ابن (^٢) أحد عشر عامًا.
﴿فِي الْحَرْثِ﴾ قيل: زرع، وقيل: كَرْم، والحرث يقال فيهما.
﴿إِذْ نَفَشَتْ﴾ رعَتْ فيه بالليل.
﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ الضمير لداود وسليمان والمتخاصمين.
وقيل: لداود وسليمان خاصةً؛ على أن يكون أقلُّ الجمع اثنين.
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ تخاصم إلى داود رجلان، دخلت غنمُ أحدهما على زرع الآخر بالليل فأفسدته، فقضى داودُ بأن يأخذ صاحب (^٣) الزرع الغنمَ، ووجَّه هذا الحكم: أن قيمة (^٤) الزرع (^٥) مثل قيمة الغنم، فخرج الرجلان على سليمان وهو بالباب، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه فقال: يا نبيَّ الله لو حكمتَ بغير هذا كان (^٦) أرفق للجميع!، قال: وما هو؟ قال:
_________________
(١) في ج: «أو ضُمِّن»، وسقطت من ب.
(٢) في أ، ب، ج، هـ: «من»!.
(٣) في ب: «ربُّ».
(٤) في ب زيادة «هذا».
(٥) في د زيادة: «كانت».
(٦) في ب، د: «لكان».
[ ٣ / ١٥٨ ]
يأخذ صاحب الغنم الأرضَ؛ ليصلحها حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفعُ بألبانها وصوفها ونَسْلها، فإذا كمل الزرع رُدَّت الغنمُ إلى صاحبها، والأرضُ بزرعها إلى ربها، فقال له داود: وُفِّقتَ يا بنيَّ، وقضى بينهما بذلك، ووجه حكم سليمان: أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الزرع، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان.
ويحتمل أن يكون ذلك إصلاحًا، لا حكمًا.
واختلف الناس: هل كان حكمهما باجتهاد أو وحي؟
فمن قال: كان باجتهاد: أجاز الاجتهاد للأنبياء، وروي أن داود رجع عن حكمه لما تبين له أن الصواب خلافه.
وقد اختلف في جواز الاجتهاد في حق الأنبياء.
وعلى القول بالجواز اختلف: هل وقع أم لا؟.
وظاهر قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أنه كان باجتهادٍ، خصَّ الله سليمان فيه بفهم القضية.
ومن قال: كان بوحي: جعل حكم سليمان ناسخًا لحكم داود.
وأما حكم إفساد المواشي للزرع (^١) في شرعنا:
فقال مالك والشافعي: يضمن أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون
_________________
(١) في ج: «الزرع».
[ ٣ / ١٥٩ ]
النهار؛ للحديث الوارد في ذلك (^١)، وعلى هذا يدلُّ حكم داود وسليمان؛ لأن النَّفْش لا يكون إلَّا بالليل.
وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار؛ لقوله ﷺ: «العجماء جرحها جُبَارٌ» (^٢).
﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قيل: يعني في هذه النازلة، وأنَّ داود لم يخطئ فيها، ولكنه رجع إلى ما هو أرجح، ويدلُّ هذا القول على أنَّ كل مجتهد مصيبٌ.
وقيل: بل يعني: حكمًا وعلمًا في غير هذه النازلة، وهذا على القول بأنه أخطأ فيها، وأن المصيب واحد من المجتهدين.
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ كان هذا التسبيح قول: «سبحان الله».
وقيل: الصلاة معه إذا صلَّى.
وقدَّم الجبال على الطير؛ لأن تسبيحها أغرب؛ إذ هي جمادٌ.
﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: قادرين على أن نفعل هذا.
_________________
(١) وهو ما أخرجه أحمد في مسنده (١٨٦٠٦) وأبو داود (٣٥٦٩)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٣٤) وابن ماجه (٢٣٣٢): عن حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل.
(٢) أخرجه البخاري (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠).
[ ٣ / ١٦٠ ]
وقال ابن عطية: معناه: كان ذلك في حقه؛ لأجل أن داود استوجب ذلك منا (^١).
﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ يعني: دُرُوعًا (^٢) الحديد، وأول من صنعها داود ﵇، قال ابن عطية: اللَّبوس في اللغة: السلاح (^٣).
وقال الزمخشري: اللَّبوس: اللِّباس (^٤).
﴿لِتُحْصِنَكُم مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ أي: لتقيكم في القتال.
وقرئ بالياء والتاء والنون:
فالنون: لله تعالى.
والتاء: للصَّنعة.
والياء: لداود، أو للبوس.
﴿فَهَلْ أَنتُمْ شاكِرُونَ﴾ لفظه استفهام، ومعناه: استدعاءٌ إلى الشكر.
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ عطف ﴿الرِّيحَ﴾ على ﴿الْجِبَالَ﴾، والعاصفة: هي الشديدة.
فإن قيل: كيف يقال ﴿عَاصِفَةً﴾ وقال في «ص»: ﴿رُخَاءً﴾ [ص: ٣٦] أي: ليِّنة؟
_________________
(١) المحرر الوجيز (٦/ ١٨٨).
(٢) في أ، ب: «درع».
(٣) المحرر الوجيز (٦/ ١٨٩).
(٤) الكشاف (١٠/ ٣٨٥)
[ ٣ / ١٦١ ]
فالجواب: أنها كانت في نفسها لينةً طيبةً، وكانت تسرع في جريها كالعاصف، فجَمعت الوصفين.
وقيل: كانت رُخاءً في ذهابه، وعاصفةً في رجوعه إلى وطنه؛ لأن عادة المسافرين الإسراعُ في الرجوعِ.
وقيل: كانت تشتدُّ إذا رفعت البساط، وتلين إذا حملته.
﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (^١) يعني: أرض الشام، وكانت مسكنه وموضع ملكه، فخصَّ في الآية الرجوع إليها؛ لأنه (^٢) يدلُّ على الانتقال منها.
﴿يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي: يدخلون في الماء؛ ليستخرجوا له الجوهر من البحار.
﴿عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أقلَّ من الغوص، كالبنيان والخدمة.
﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ أي: نحفظهم عن أن يزيغوا عن أمره، أو نحفظهم من إفساد ما صنعوه.
وقيل: معناه عالمين بعددهم.
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ كان أيوب ﵇ نبيًّا من الروم، وقيل: من بني إسرائيل، وكان له أولاد ومال كثير، فأذهب الله ماله فصبر، ثم أهلك (^٣) الأولاد فصبر، ثم سلَّط البلاءَ على جسمه فصبر إلى أن مرَّ به قوم فشمتوا
_________________
(١) في ج، د: «وأرض».
(٢) في أ، ب: «فإنه».
(٣) في ج: «هلك».
[ ٣ / ١٦٢ ]
به، فحينئذٍ دعا إلى الله (^١) تعالى.
على أن قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ليس تصريحًا بالدعاء ولكنه ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، ووصف ربه بغاية الرحمة؛ ليرحمه، فكان في ذلك من حسن التلطف ما ليس في التصريح بالطلب.
﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ لما استجاب الله له أنبع (^٢) له عينًا من ماء، فشرب منه واغتسل، فبرئ من المرض والبلاء.
﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ﴾ روي أنَّ الله أحيا أولاده الموتى (^٣)، ورزقه مثلهم معهم في الدنيا.
وقيل: في الآخرة.
وقيل: وَلَدت امرأته مثل عدد أولاده الموتى، ومثلهم معهم.
وأخلف الله عليه أكثر مما ذهب من ماله.
﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: رحمةً لأيوب، وذكرى لغيره من العابدين؛ ليصبروا كما صبر.
ويحتمل أن تكون الرحمة والذكرى معًا للعابدين.
﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قيل: هو إلياس، وقيل: زكريا، وقيل: نبي بُعث إلى رجل
_________________
(١) في د: «دعا الله».
(٢) في هـ: «فتح».
(٣) هذه الكلمة زيادة من ج، د.
[ ٣ / ١٦٣ ]
واحد (^١)، وقيل: رجل صالح غير نبي.
وسُمّي ذا الكفل أي: ذا الحظّ من الله.
وقيل: لأنه تكفّل لليسع بالقيام بالأمر (^٢) مِنْ بعده.
﴿وَذَا النُّونِ﴾ هو يونس ﵇، والنون: هو الحوت، نُسب إليه؛ لأنه التقمه.
﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ أي: مغاضبًا لقومه؛ إذ كان يدعوهم إلى الله فيكفرون، حتى أدركه ضجرٌ منهم فخرج عنهم، ولذلك قال الله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨].
ولا يصحُّ قول من قال: مغاضبًا لربه.
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: ظن أن لن نضيّق عليه، فهو من معنى قوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦].
وقيل: هو من القدر والقضاء؛ أي ظنَّ أن لن نقدّر عليه بعقوبة.
ولا يصح قول من قال: إنه من القدرة.
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قبل هذا الكلام محذوفٌ؛ لبيانه في غير هذه الآية، وهو: أنه لما خرج ركب السفينة فرُمِي في البحر، فالتقمه الحوت، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾، وهي ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت.
_________________
(١) في ب: «وحده».
(٢) في ب، هـ: «بأمره».
[ ٣ / ١٦٤ ]
ويحتمل أنْ عبَّر بالظلمات عن بطن الحوت؛ لشدَّة ظلمته، كقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧].
﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مفسِّرة، أو مصدرية على تقدير: نادى بأن.
والظلم الذي اعترف به: كونه لم يصبر على قومه وخرج عنهم.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ يعني: من بطن الحوت، وأخرجه إلى البرِّ.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَحتمل:
أن يكون مطلقًا.
أو يكون لمن دعا بدعاء يونس، ولذلك (^١) قال رسول الله ﷺ: «دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلاَّ استجيب له» (^٢).
﴿لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أي: بلا ولد ولا وارث.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ أي: إن لم ترزقني وارثًا فأنت خير الوارثين، فهو استسلامٌ لله.
﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ يعني: وَلَدت بعد أن كانت عقيمًا، واسم زوجته: أشياع، قاله السهيلي (^٣).
﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الضمير للأنبياء المذكورين.
_________________
(١) في أ، هـ: «وكذلك».
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٤٦٣)، والترمذي (٣٥٠٥)، النسائي في الكبرى (٩/ ٢٤٣).
(٣) التعريف والإعلام للسهيلي (ص: ٢١١).
[ ٣ / ١٦٥ ]
﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ الرَّغَب: الرجاء، والرَّهَب: الخوف.
وقيل: الرغب: أن ترفع إلى السماء بطون الأيدي، والرهب: أن ترفع ظهورها (^١).
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ هي مريم بنت عمران، ومعنى ﴿أَحْصَنَتْ﴾: من العفة؛ أي: أعفته عن (^٢) الحرام والحلال، كقولها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧].
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: أجرينا فيها روح عيسى لمَّا نفخ جبريل في جيب درعها، ونسب الله النفخ إلى نفسه؛ لأنه كان بأمره.
والروح هنا: هو الذي في الجسد، وأضاف الله الروح إلى نفسه؛ للتشريف، أو للملك.
﴿آيَةً﴾ أي: دلالة، ولذلك لم يثنَّ.
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ أي: ملَّتكم ملة واحدة، وهو خطاب للناس كافة، أو للمعاصرين لمحمد ﷺ؛ أي: إنما بُعث الأنبياء المذكورون بما أمرتم به من الدين؛ لأن جميع الرسل متفقون في أصول العقائد.
﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم﴾ أي: اختلفوا فيه، وهو استعارةٌ مِنْ جَعْل الشيء قِطَعًا.
والضمير للمخاطبين قبلُ، فالأصل: تقطَّعتم.
_________________
(١) في ج، د: «ظهورهما».
(٢) في أ، ب، هـ: «من».
[ ٣ / ١٦٦ ]
[﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾].
﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي: لا إبطال لثواب عمله.
﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ أي: نكتب عمله في صحيفته.
﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ قرئ ﴿حِرْمٌ﴾ بكسر الحاء، وهو بمعنى حرام.
[ ٣ / ١٦٧ ]
واختُلف في معنى الآية:
فقيل: حرام بمعنى: ممتنع:
(أي: ممتنع) (^١) على قرية (أراد الله إهلاكها أن يرجعوا إلى الله بالتوبة.
أو ممتنعٌ على قرية) (^٢) قد أهلكها الله أن يرجعوا إلى الدنيا.
و﴿لَا﴾ زائدة في الوجهين.
وقيل: حرام بمعنى: حتْمٌ واقع لا محالة، ويُتصوَّر فيه الوجهان، وتكون ﴿لَا﴾ نافيةً فيهما:
أي: حتْمٌ عدمُ رجوعهم إلى الله بالتوبة.
أو حتم عدم رجوعهم إلى الدنيا.
وقيل: المعنى: ممتنعٌ على قرية أهلكها الله أنهم لا يرجعون إليه في الآخرة، و﴿لَا﴾ على هذا نافيةٌ أيضًا، ففيه ردٌّ على من أنكر البعث.
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا:
حرف ابتداء.
أو غايةٌ متعلّقة بـ ﴿يَرْجِعُونَ﴾.
وجواب ﴿إِذَا﴾: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾.
وقيل: الجواب: ﴿يَاوَيْلَنَا﴾؛ لأن تقديره: يقولون يا ويلنا.
_________________
(١) سقط من ب، ج، هـ.
(٢) سقط من أ، ب، هـ.
[ ٣ / ١٦٨ ]
و﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي: فُتح سدُّهما، فحذف المضاف.
﴿وَهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ الحدب: المرتفع من الأرض، و﴿يَنْسِلُونَ﴾: أي يسرعون.
والضمير ليأجوج ومأجوج؛ أي: يخرجون من (^١) كل طريق؛ لكثرتهم.
وقيل: لجميع الناس.
﴿الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يعني: (^٢) القيامة.
﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ «إذا» هنا للمفاجأة، والضمير:
عند سيبويه: ضمير القِصَّة.
وعند الفراء: للأبصار.
و﴿شَاخِصَةٌ﴾ من الشخوص، وهو إحداد النظر من الخوف.
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ هذا خطاب للمشركين.
والحصب: ما توقد به النار، كالحطب، وقرأ عليُّ بن أبي طالب ﵁: «حطب جهنم».
والمراد بـ ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾: الأصنام وغيرها، تُحرَق في النار؛ توبيخًا لمن عبدها.
_________________
(١) في ب: «على».
(٢) في ج زيادة: «يوم».
[ ٣ / ١٦٩ ]
﴿وَارِدُونَ﴾ الورود هنا: دخول (^١).
﴿زَفِيرٌ﴾ ذُكر في «هود» (^٢).
﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾ قيل: يُجعلون في توابيت من نار، فلا يسمعون شيئًا.
وقيل: يُصِمُّهم الله كما يُعميهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ ﴿سَبَقَتْ﴾ أي: قُضيت في الأزل، و﴿الْحُسْنَى﴾: السعادة.
ونزلت الآية لما اعترض ابن الزِّبَعْرى على قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، فقال: إن عيسى وعزيرَ والملائكة قد عُبدوا.
فالمعنى: إخراج هؤلاء من ذلك الوعيد، واللفظ مع ذلك على عمومه في كل مَنْ سبقت له السعادة.
﴿حَسِيسَهَا﴾ أي: صوتها.
﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ أهوال القيامة على الجملة.
وقيل: ذَبْح الموت.
وقيل: النفخة الأولى في الصور؛ لقوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧].
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ﴾ السِّجِلُّ: الصحيفة، والكتاب: مصدر؛
_________________
(١) في هـ: «الدخول».
(٢) انظر (٢/ ٦١١).
[ ٣ / ١٧٠ ]
أي: كما يُطْوَى السجل ليكتب فيه، أو ليصان الكتاب الذي فيه.
وقيل: السجل: رجل كاتب، وهذا ضعيف.
وقيل: هو مَلَك في السماء الثانية، ترفع إليه الأعمال، وهذا أيضًا ضعيف.
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: كما قَدَرْنَا على البَدْأة نقدر على الإعادة، فهو كقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩].
وقيل: المعنى: نعيدهم على الصورة التي بدأناهم (^١) كما جاء في الحديث: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلًا»، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (^٢).
والكاف متعلقة بقوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾.
﴿فَاعِلِينَ﴾ تأكيدٌ لوقوع البعث.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ في الزبور هنا قولان:
أحدهما: أنه كتاب داود، والذِّكْر هنا على هذا: التوراة التي أنزل الله على موسى، أو ما في الزبور من ذكر الله تعالى.
والقول الثاني: أن الزبور جنس الكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء، والذكر على هذا: هو اللوح المحفوظ؛ أي: كتب الله هذا في
_________________
(١) في أ، ب، هـ: «بدأناهم».
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٥٩).
[ ٣ / ١٧١ ]
الكتاب الذي أفرد له، بعد ما كتبه في اللوح المحفوظ حين قضى الأمور كلها.
والأول أرجح؛ لأن إطلاق الزبور على كتاب داود أظهرُ وأكثر استعمالًا ولأن الزبور مفرد، فدلالته على الواحد أرجح من دلالته على الجمع، ولأن النصَّ قد ورد في زبور داود بأن الأرض يرثها (^١) الصالحون.
﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ الأرض هنا على الإطلاق في مشارق الأرض ومغاربها.
وقيل: الأرض المقدسة.
وقيل: أرض الجنة.
والأول أظهر.
والعباد الصالحون: أمّة محمد ﷺ، ففي الآية ثناء عليهم، وإخبارٌ بغيبٍ ظهر (^٢) مصداقه في الوجود؛ إذ فتح الله لهذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ هذا خطاب لمحمد ﷺ، وفيه تشريف عظيم.
وانتصاب ﴿رَحْمَةً﴾ على أنه حال من ضمير المخاطب المفعول، والمعنى على هذا: أن النبي ﷺ هو الرحمة.
_________________
(١) في ج زيادة: «عبادي».
(٢) في أ، ب: «وإخبار بظهور غيب»!.
[ ٣ / ١٧٢ ]
ويحتمل:
أن يكون مصدرًا في موضع الحال من ضمير الفاعل، تقديره: أرسلناك راحمين للعالمين.
أو يكون مفعولًا من أجله.
والمعنى على كل وجه: أن الله رحم العالمين بإرسال محمد ﷺ؛ لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى، والنجاة من الشقاوة العظمى، ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الآخرة والأولى، وعلمهم بعد الجهالة، وهداهم بعد الضلالة.
فإن قيل: ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ عمومٌ، والكفار لم يُرحموا به؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنهم كانوا معرَّضين للرحمة به لو آمنوا، فهم الذين تركوا الرحمة بعد تعريضها لهم.
والآخر: أنهم رُحِموا به؛ لكونهم لم يعاقبوا بمثل ما عوقب به الكفار المتقدّمون من الطوفان والصيحة وشبه ذلك.
﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتكم بالحق على استواء في الإعلام، وتبليغ إلى جميعكم لم يختصَّ به واحد دون (^١) آخر.
﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ «إن» هنا وفي الموضع الآخر نافيةٌ، و﴿أَدْرِي﴾ فعل عُلِّق عن معموله؛ لأنه من أفعال القلوب، وما بعده
_________________
(١) في أ، ب زيادة: «واحد».
[ ٣ / ١٧٣ ]
في موضع المعمول من طريق المعنى؛ فيجب وصلُه معه، والهمزة في قوله: ﴿أَقَرِيبٌ﴾ للتسوية، لا لمجرد الاستفهام.
وقيل: يوقف على ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ في الموضعين، ويبتدأ بما بعده، وهذا خطأ؛ لأنه يطلب ما بعده.
﴿لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ﴾ الضمير لإمهالهم وتأخير عقوبتهم.
﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى الموت، أو القيامة.
﴿الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: أستعين به على الصبر على ما تصفون من الكفر والتكذيب.
* * *
[ ٣ / ١٧٤ ]